الحقيقة الضائعة | أسميط – أزران – أنحاس.. ثمن احتلال الأطلس المتوسط
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 170"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

في شهر غشت 1933، كانت قوات فرنسية أخرى بقيادة الجنرال دوبويسون مخفورا بالكولونيل بيساي، يحاول ربط الاتصال من منطقة أمدغاس مع الجنرال هوري في ورزازات، وكان يضمد جراحه من معارك ساغرو، وتورط الجنرال دوبويسون في جبل نحمدون، حيث منعته قوات المجاهدين من المرور، وكان أغلب جنوده من السينغاليين.
وتحرك الكولونيل ماراتويش لتعزيز الكولونيل بيساي.. وكانت الاشتباكات عنيفة ذكرت الكولونيل بيساي بما سمعه عن معارك ساغرو؛ فقد قتل له سبعة عشر جنديا، وكفّ عن عدّ القتلى، إذ قتل الكولونيل بيساي نفسه يوم 5 غشت 1933، وجرح 55 جنديا.
وليس مقتل كولونيل بالأمر الهين.. وتحت رصاص المعارك وقصف المدافع، جاء الجنرال دوبويسون لمعاينة المعركة شخصيا.
ويصف الكولونيل فوانو، مؤرخ المعارك، هذه الساعات الحاسمة من يوم 6 غشت 1933 في جبل نحمدون بهذه العبارات: ((وصل الجنرال دوبويسون والمعارك تجري بالسلاح الأبيض، والرصاص يلعلع من كل جانب.. إن مهاجمينا يضربون بعنف كبير، والرصاص يصفر، ويسقط الياوور الخاص للجنرال مقتولا. لقد قتل لنا في هذا اليوم أحد عشر جنديا، وقتل القبطان بيرون، وجرح 16 جنديا)).
كان طبيعيا أن تفقد القوات الفرنسية رشدها في المنطقة، بازدياد عدد القتلى، واستمرار الإصرار المغربي على الجهاد، لذلك انطلقت قوات بقيادة الجنرال جيرو، وقوات بقيادة الجنرال كاترو، في اتجاه جبل نحمدون، كل قوة اختارت طريقا مخالفا عن الأخرى، واتضح أنهم في حاجة إلى قوات أخرى، جاءت فعلا بقيادة الجنرال دولابوم، الذي وصل إلى جبل بوتواري قرب جبل نحمدون.
وجرت معركة أخرى يوم 6 غشت 1933، نفس اليوم الذي كان فيه الجنرال دوبويسون يتفقد المعركة في منطقة أخرى من جبل نحمدون، وكانت هذه المعركة في وادي غريس، وطلعة نيرشي، قتل فيها من قوات الجنرال دولابوم 44 جنديا فرنسيا وجرح 51 بينهم ضابطان.
وهكذا نرى أن معارك الأطلس الكبير لم تتوقف في مارس 1933، ولم تنحصر في جبل ساغرو، لذلك صدرت أوامر الجنرال كاترو إلى الطائرات بقصف المنطقة، وبدأت القنبلة بقصف جبل أيوب لإرغام قبائل أيت حديدو وقبائل أيت مرغاد على اللجوء إلى منطقة بادو.
ولكن الحرب لم تنته، والمناوشات لم تتوقف حتى في نهاية سنة 1933 في جبال ومرتفعات شرق الأطلس الكبير، ذلك أن مجاهدي أيت مرغاد وأيت حديدو، عند حصارهم في جبل بادو، لم يستسلموا إطلاقا، لأن جبل بادو مرتبط بجبل أوسكرسو، وهما معا يهيمنان على منطقة نكرودس، الجناح الشرقي للأطلس الكبير وبوابة الدخول إلى تافيلالت، التي كان الفرنسيون فيها أيضا يعانون الأمرين، كما سيأتي تفصيله.
لقد حول المجاهدون منطقة نكردوس ومنطقة أغبالو نكروشت إلى جحيم في ذلك الفصل الحار من سنة 1933، فزادهم جحيم الرصاص على جحيم الطبيعة الجبلية، على جحيم الحر في شهر غشت..
وكان شهر غشت تاريخيا في سجل الجهاد المغربي ضد الاحتلال الفرنسي بعد عشرين عاما من إمضاء عقد الحماية؛ فقد أدخل الفرنسيون في الميدان عنصرا جديدا هو سلاح الدبابات والمصفحات، انطلقت ترمي الحمم من أفواهها على سكان فركلا، لتطرد ما بقي حيا منهم، وهو تحد واستفزاز زاد من همة المجاهدين الذين انطلقوا من مغارات إيكودمان لمواجهة قوات الجنرال جيرو، واشتبكوا معه في نقطة أبردان وقتلوا له الضابط رئيس الفرقة، القبطان ريسو، وقتل معه ثلاثة جنود وجرح ستة يوم سادس غشت 1933.
واستمرت المعارك إلى الغد، وكانت عنيفة جدا في مضيق كردوس، قتل فيها ثمانية جنود فرنسيين وقتل فيها الليونتان بينفينتينيو، وجرح عشرة.
وعرف الفرنسيون في هذه المنطقة ظاهرة جديدة، وهي حصول عدة معارك في عدة مواقع في نفس الوقت، خصوصا وأن المغارات في هذه المنطقة كثيرة.
وكانت القوات الكبرى للمجاهدين متحصنة في أغبالو نكردوس، حاول الفرنسيون الإحاطة بهم فاشتبكوا مع المجاهدين يوم 9 غشت في معركة رهيبة قتل فيها أربعة وثلاثون فرنسيا، وقتل الليوتنان دوسوراس من الفيلق الجزائري، وقتل الليوتنان كينار، وجرح ثمانية وسبعون جنديا بينهم خمسة ضباط، واجتمعت قوات الجنرال هوري، الذي نقل قيادته إلى مركز أمدغوس، وقوات الجنرال كودو وقوات الجنرال دوبويسون بدباباتهم وطائراتهم ومدافعهم يوم 10 غشت 1933 لمحاصرة أغبالو نكردوس.
والتحق بهم الجنرال كاترو بقوات جديدة، وصلت من مراكش، لمحاصرة جبل بادو، واشتبكت هذه القوات مع قوات المجاهدين يوم 11 غشت في سفوح بادو أسقط فيها المجاهدون طائرة قتل فيها الربان، القبطان جان، كما قتل في المعركة القبطان دوبيير، وقتل خمسة وعشرون جنديا وجرح ستة وسبعون.
وقال الفرنسيون: “لقد بلغ عدد الأسرى من المجاهدين خمسة آلاف”. إذن، فقد انتهت المقاومة مع نهاية شهر غشت سنة 1933، وقالوا في تقاريرهم للقيادة الفرنسية العليا: ((إن كل الباقين من المجاهدين لم يبق لهم إلا الاختيار بين الاستسلام والانتحار إذا حاولوا محاربتنا))، وقالت الوثائق الفرنسية: ((لقد فوجئنا بأن المجاهدين اختاروا الحل الأخير.. إذن، فإنهم مصابون بالجنون)).
فقد برزت زعامة بطل آخر على رأس المجاهدين المرغاديين، اسمه المرغادي أوسكونتي، الذي نظم الدفاع والاستماتة جول جبلي بادو وأوسكرسو.
واستحضر الجنرال كودو قوات جديدة وسلاحا جديدا من مكناس، ورسم خطة جديدة بمساعدة الجنرال دوبويسون وخبراء ممن شاركوا في معركة بوغافر، حشد كل قواته على بعد كيلومترين من نكردوس.
ولكن الأوامر صدرت للمدفعية الفرنسية بقصف كل ينابيع المياه، لحرم المعتصمين من ماء الشرب، نفس الأسلوب الذي استعمل في بوغافر.
وبدأت المواجهة باشتباك يوم 15 غشت 1933 عند مدخل جبل بادو قتل فيها جندي فرنسي واحد، واختار الفرنسيون حلا وسطا بأن أخذوا يقصفون مواقع الثوار ليرغموهم على الفرار، وقد بدأ الشروع في تنفيذ هذا المخطط يوم 16 غشت، وفرح الفرنسيون عندما بدأت العائلات المتضررة من العطش في شهر غشت، تتقدم للاستسلام.
لقد كان عسو باسلام قد أبلغ مرسولي الجنرال هوري بقولته الشهيرة: ((قولوا لصاحب الرسالة التي تطالبنا بالاستسلام أن يأتي ليأخذ الجواب، لأن جوابنا مكون من ثلاثة عناصر هي: أسميط – أزران – أنحاس))، وهو ما يعني بالعربية: “البرد، الأحجار، الرصاص”، ورغم أن الفصل حر في شهر غشت، فإن الزعيم المرغادي رد على الجنرال جيرو بنفس الجواب، ولكنه أضاف، حسب الوثائق الفرنسية: ((إننا هنا حتى الموت)).
وكان الزعيم المرغادي مستقرا في قمة أوسكرسو التي يبلغ علوها ثلاثة آلاف متر، ولم يجد الفرنسيون بدّا من مواجهة تحدي الزعيم المرغادي، وانطلق الهجوم الفرنسي يوم 22 غشت، وسقط في أول تحرك فرنسي ثلاثة جنود فرنسيين وجرح اثنان.
وتمت إعادة التنسيق بين الجنرالات الفرنسيين، واستؤنف الهجوم يوم 23 غشت، وكانت معارك ضارية، أرغمت الجنرالات دوبويسون، جيرو، وكاترو، على إيقاف الهجوم.
وأعلن الفرنسيون أن يوم 25 غشت هو يوم الهجوم الكبير، وقرروا أن يكون حاسما، ولذلك رموا بآلاف المجندين المغاربة والسينغاليين والجزائريين في أتون رصاص المرغاديين، والواقع أن قوات رهيبة انطلقت في عملية انتحارية للوصول إلى تحصينات المرغاديين، حصلت فيها الاشتباكات، وكان الفرنسيون يستعملون القنابل اليدوية، ولم تتوقف معركة 25 غشت إلا تحت جنح الظلام، بعد أن قتل ثلاثة عشر جنديا فرنسيا وجرح واحد وثلاثون، بينهم ضابط، ومع صباح 26 غشت، انطلقت أسارير الجنود الفرنسيين وزاد حماسهم عندما أشيع أن الزعيم المرغادي أصيب بجروح.
وفعلا، كان جبل أوسكرسو هادئا في ذلك الصباح من يوم 26 غشت، واستغرب الفرنسيون، وبعدما تأكدوا من احتمالهم بأن المرغاديين قد انسحبوا تحت جنح الظلام، ارتفعت صيحات الفرح والانتصار في كل جنبات الجبل، وعند كل القوات الفرنسية، وهناك بدأوا في التقدم مطمئنين لاحتلال الجبل.
لكن لعلعات الرصاص سرعان ما فاجأتهم من كل جانب، وكانت قوات جديدة قد وصلت في الليل من مكناس بقيادة الكولونيل ريشير، وقتل في هجوم المفاجأة صباح 26 غشت الليوتنان دومولان وستة جنود فرنسيين، وعدد لا يحصى من المجندين وجرح ضابط بين 18 جريحا.
لقد حارب المرغاديون جميعا حتى الاستشهاد، حيث اتضح أن عددهم لم يكن إلا ثلاثمائة مقاتل في مواجهة حوالي خمسة عشر ألف جندي فرنسي بطائراتهم ومدافعهم.
وبقي البطل المرغادي وحيدا.. فاستسلم للقوات الفرنسية، وبذلك سقط واحد من معاقل الجهاد المغربي ضد الاحتلال الفرنسي في منطقة الأطلس الكبير، لم يسقط إلا في 28 غشت 1933، وخلد أسماء القبائل المغربية في سجل أمجاد الجهاد الوطني ضد الاحتلال الأجنبي.
وعندما يقول الفرنسيون بأنهم احتلوا الأطلس المتوسط والأطلس الكبير، فعليهم أن يتذكروا ثمن ذلك الاحتلال، ويتذكروا أنهم خاضوا ضد مغاربة الأطلس حربا دامت اثنين وعشرين سنة.



