الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | معارك أغبالو والفرنسيون الذين كتبوا عن سادة الأطلس

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 169"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

لقد كتب الفرنسيون عن عسو باسلام أكثر مما كتبه المغاربة بكثير.. كتب الجنرال هوري كتابه: “تهدئة المغرب” (La Pacification)، وكتب الكولونيل سبيلمان كتابه: “أيت عطا”، وكان الفرنسي الوحيد الذي وصف سكان أيت عطا بالمجاهدين. سبيلمان الذي بقي بعد المعركة، جاء إلى المنطقة سنة 1942 لمقابلة عسو باسلام، وتقديم فروض الاحترام له.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن تقديرات المؤرخين والمغاربة الذين حضروا المعارك، تتحدث عن ثلاثة آلاف وخمسمائة فرنسي قتيل، ومئات لا تحصى من المجندين المغاربة والسينغاليين والجزائريين، بينما استشهد من المجاهدين ألف وثلاثمائة محارب، وكان يعثر على الأشلاء والجثث سنوات طويلة فيما بعد المعركة، نظرا لوعورة المنطقة، (التقديرات من بحث المؤرخ دافيد هارت في كتابه: “الأفارقة”).

وهناك تقديرات أخرى وإحصائيات وردت في كتب ومؤلفات أخرى خلدت هذه المرحلة المشرقة في مواجهة المغاربة للمناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية.

وإضافة إلى الضباط الفرنسيين الذين كتبوا عن هذه المعركة، وقد سبق الحديث عنهم:

• الجنرال هوري “تهدئة المغرب”، صدر سنة 1952.

• الكولونيل سبيلمان، كتابه: “أيت عطا والصحراء”، صدر سنة 1936، نفس الضابط، وكان قد أصبح جنرالا، ألف كتابا آخر بعنوان: “ذكريات مستعمر”، صدر سنة 1968.

• القبطان دوسافان ألف كتابا بعنوان: “النظام العقاري عند أيت عطا”، صدر سنة 1951.

• الكاتب البريطاني روبان بيدويل ألف كتابا بعنوان: “المغرب تحت القوانين الاستعمارية”، خصص الكثير من أجزائه لمعركة ساغرو، وصدر الكتاب في لندن سنة 1973.

• كاتب بريطاني آخر إرنست كيلنير، أصدر في لندن سنة 1969 كتابا عن عسو باسلام عنوانه: “سادة الأطلس”.

• كاتب بريطاني آخر هو دافيد هارت، وقد نقلنا عنه كثيرا، أصدر في سنة 1966 كتابا آخر بعنوان: “قوانين ووثائق أيت عطا”.

• ضابط عسكري آخر هو الليوتنان طيط، ألف كتابا سنة 1951 عن “المحاكم التقليدية عند أيت عطا”.

لم تمر معركة بوغافر إذن، في طي النسيان بالنسبة للرأي العام العالمي، وربما كان ذلك المرور المنسي صحيحا في حق الرأي العام العربي والمغربي، الذي لم يكتب شيئا إلا نادرا قبل كتابي هذا عن البطل الأسطوري، صاحب ملحمة بوغافر، لكن الأهم هو أن نهاية حرب بوغافر التي انتهت باحترام الفرنسيين لاستقلال أيت عطا، وتنصيب بطلهم عسو باسلام قائدا عليهم، وحسب الشروط التي أملاها هذا الأمغاري وفرضها بالسلاح على الفرنسيين، والتي ورد جزء منها في تقرير المؤرخ مولاي هاشم العلوي، والذي سبق نشره في عدد سابق، المهم هو أن هذه النهاية المشرفة لقبيلة أيت عطا، لم تكن إلا حلقة من سلسلة طويلة متماسكة الأطراف مرتبطة بأوضاع الجهاد في مناطق أخرى من المغرب، ذاق فيها الفرنسيون قبل معركة بوغافر وبعدها، وفي المناطق المجاورة لساغرو، مرارة الرفض المغربي للاحتلال الفرنسي.

قبل إقفال حلقة ساغرو، لا بد من تخليد بعض المقولات والأمثلة التي ارتبطت بمعركة بوغافر وبقيت رائجة على الألسن لحد الآن، أولاها بالبربرية وتعني الرفض، فيقول البرابرة ما قاله عسو باسلام، عندما طلب منه الفرنسيون الاستسلام، فأجابهم: “لن أجيبهم إلا بثلاثة: أسميط – أزران- أنحاس”، يعني “البرد والحجارة والرصاص”، مثل آخر يقال لحد الآن هو: “حلف العطاوي لا اعطى حتى يصبح جبل ساغرو وطا”، وهو أيضا جواب عسو باسلام قاله نيابة عن كل العطاويين، أبناء قبيلة أيت عطا.

 1933.. معارك أغبالو نكردوس

إن الذي اطلع على ما ورد في الأعداد التي خصصناها لجهاد قبائل أيت عطا ضد الاستعمار الفرنسي، ومئات المعارك وآلاف القتلى في سبيل الدفاع عن تراب هذا الوطن شبرا شبرا، من طرف رجال كانوا يحملون بين جوانحهم الحب لهذا الوطن والوفاء له، ويقدمون أرواحهم دون دعاية ولا تباهٍ، ولا تناور، ثمنا لكل حبة رمل من ترابه، سيجد هذا المطلع اسم قبيلة أيت عطا واردا في كل معارك الجبال في الأطلس الكبير والمتوسط، كما سيراها على بطاح تافيلالت وفي مواقع أخرى.. وذلك لأن قبائل أيت عطا رفضت قبول احتلال أراضيها منذ السنة الأولى لإمضاء عقد الحماية، وكان لا بد، وقد أعطينا للبطل عسو باسلام قسطا من اهتمامنا بالموضوع، أن نتذكر أبطالا آخرين من أيت عطا خاضوا المعارك الكبرى في فجر الاستقلال وعلى مرامي المناطق الشاسعة الممتدة من الأطلس الكبير إلى تافيلالت، أمثال الزعيم مبارك التوزني وبلقاسم النكادي، والعشرات من الأبطال الذي استشهدوا في ميدان الشرف بعيدا عن الأضواء.

ولهذا نعود سريعا إلى حالة المنطقة ونتابع معاناة الجيش الفرنسي وهو يحاول احتلال المغرب، بعد أن سلبتنا ملاحم جبل ساغرو التي امتدت إلى سنة 1936، ولم تنته إلا بعد أن اعترف الفرنسيون ببقاء سيادة أيت عطا على أبناء قبيلتها.

إن إلقاء نظرة على خريطة المغرب لهو الكفيل وحده بإعطاء البيانات عن السر في هذا الترابط الجغرافي بين المعارك التي كانت بأحواز الرباط وتوسعت إلى خنيفرة في الجنوب الشرقي، لتمر عبر تادلة وبني ملال، وترتبط بالأطلس الكبير لتمتد شرقا نحو تافيلالت في الجنوب الشرقي، ولتجعل منها ميدانا واحدا لمعارك متباينة، خاضها الفرنسيون بقيادة جنرالات متعددين..

فعلى جنبات جبل أمدغاس، شرق زاوية أحنصال، التي سبق الحديث عن جهادها، وكان الجيش الفرنسي لم يصل إلى هذه المنطقة إلا سنة 1924، هناك كانت قبيلة أيت عطا مرة أخرى على موعد مع الجيش الفرنسي، الذي خاض معها معارك كبرى استمرت عدة سنوات إلى أن وقع احتلال ورزازات، حيث اضطر الكولونيل شاردون للتحرك في اتجاه الشرق، لإنقاذ الكومندان مارتان وجيوشه من قبضة أيت عطا، وقد اشتبك في مارس 1932 مع قبيلة أيت بوايكنيفن في منطقة أيت حسين، وقتل في تلك المعركة أربعة فرنسيين.

وصادفت تلك الفترة بداية الاستعدادات الفرنسية لحصار جبل ساغرو ومواجهة عسو باسلام، وكانت منطقة أمدغاس هامة بالنسبة للفرنسيين، فحسبوها من مسؤولية الجنرال هوري، الذي تكفل – كما سبق ذكره – بمنطقة ساغرو، وبعثوا الجنرال كاترو، الذي جاء على رأس قوات كبيرة يؤطرها تحت إمرته الكولونيل دوفينو والكولونيل هوبيل.

ولم تكن قوات الجنرال كاترو كافية، فانضافت إليها قوات جاءت من مراكش بقيادة كودو، الذي وصل إلى جبل تيزي نوانو يوم 21 يوليوز 1933.

كل هذا كان لمواجهة قبائل أيت مرغاد، وأيت حديدو، وفرقة من أيت عطا، وكل هذا لم يكن كافيا، فجاء الجنرال جيرو مخفورا بالكولونيل دوني والكولونيل ترانكي.

ويتحدث الفرنسيون – في وثائقهم – عن المصائب التي لاقوها في سبيل احتلال المواقع الاستراتيجية، مثل إغرم، أمجدال، وقصر أيت عطا وموسى.

لكن الفرنسيين يسطرون بخط أحمر تحت معركة وقعت يوم 21 يوليوز 1933، في إغرم-أمجدال، قتل فيها أحد عشر جنديا فرنسيا، كما قتل فيها الليوتنان بيسون وجرح 38 فيهم ضابطان، أما المغاربة، والسينغاليون والجزائريون المجندون، فإنهم لا يذكرون عدد قتلاهم؛ فقد اضطر الفرنسيون في هذه المعركة للجلاء عن المواقع التي كانوا فيها.

ولكن عادوا لاستئناف القتال صباح يوم 22 يوليوز، اليوم الموالي، حيث وصلتهم الإمدادات سريعة، واشتبكوا من جديد مع المجاهدين، حيث قتل للفرنسيين أربعة جنود وجرح 17.

معركة أخرى غير بعيد من تلك المنطقة، وفي موقع يسمى تيلمي، قتل فيها عدد من الجنود، لم يذكر عددهم، لأن الجيش الفرنسي في ذلك اليوم، 23 يوليوز 1933، فقد ضابطا للاستعلامات كانت له مكانة خاصة، ويسمى الليوتنان مانجان.

واستمرت المعارك إلى يوم 24 يوليوز، حيث قتل جندي فرنسي في ويتغنان. في تلك الفترة كانت قبائل تادلة، وزاوية أحنصال، توجه الضربات إلى ظهر القوات الفرنسية التي اضطرت لتوجيه الجنرال دولوستال مخفورا بالكولونيل هوريل لـ”إنقاذ” أزيلال، لكن المعارك التي جرت هناك اضطرت الفرنسيين، وباعتراف الوثائق الفرنسية، إلى الجلاء عن تافراوت وضفاف وادي سلول، والاحتماء بمنطقة إيمي ودار، ولجأ الفرنسيون إلى المناورات السياسية، بحيث افتعلوا صراعا محليا أوهموا فيه شرفاء زاوية أحنصال بأن قبائل أيت حديدو وأيت عبدي ستهاجم الزاوية، وهو صراع ومناورات استمرت من 26 يوليوز إلى 2 غشت 1933، انتهى بانتصار المناورات الفرنسية وانحياز بعض الفرق من أيت حديدو للجيش الفرنسي إضافة إلى طرف من زاوية أحنصال.

لكن مع وصول يوم 14 غشت 1933، عادت روح الجهاد لتهيمن على المنطقة، واستؤنفت معارك أخرى وسقط جنود فرنسيون آخرون، وكان من بين القتلى الليوتنان ديربيس في ممر أيت وانرغي.

في شهر غشت هذا، سنة 1933، كانت قوات فرنسية أخرى بقيادة الجنرال دوبويسون مخفورا بالكولونيل بيساي، يحاول ربط الاتصال من منطقة أمدغاس مع الجنرال هوري في ورزازات، وكان يضمد جراحه من معارك ساغرو، وتورط الجنرال دوبويسون في جبل نحمدون، حيث منعته قوات المجاهدين من المرور، وكان أغلب جنوده من السينغاليين.

وتحرك الكولونيل ماراتويش لتعزيز الكولونيل بيساي.. وكانت الاشتباكات عنيفة ذكرت الكولونيل بيساي بما سمعه عن معارك ساغرو؛ فقد قتل له سبعة عشر جنديا، وكفّ عن عدّ القتلى، إذ قتل الكولونيل بيساي نفسه يوم 5 غشت 1933، وكان قد جرح 55 جنديا.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى