المنبر الحر

المنبر الحر | هل نعيش حقيقة زمن الرواية وخروج الشعر من ديوان العرب ؟

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

   يسود في الوقت الراهن في الساحة الثقافية عامة والنقدية بشكل خاص، خطاب مؤداه أن الشعر يعرف في المجتمعات العربية نوعا من الانكماش لصالح الرواية، التي صعد نجمها وسيطر على الحقل الأدبي وتربع على عرشه ويأبى النزول منه، وما إلى ذلك من الأوصاف والأحكام التي تصدر للأسف الشديد ليس من المتلقي أو المهتم البسيط وحسب، بل حتى العديد من النقاد والكتاب يعزفون نفس السمفونية ويرددونها وكأنها قناعة لا يأتيها الشك أو الباطل من أي جانب، مستندين في ذلك على العديد من المعطيات والقراءات التي تبدو في مجملها قريبة من الافتراضات والتخمينات أكثر منها دراسات علمية ونقدية رصينة؛ فأغلب الآراء التي تصب في هذا الاتجاه، تقيس الأمور بمعيار المبيعات والاهتمام المفرط من طرف القراء، الشباب منهم بالخصوص، بهذا الجنس الأدبي على حساب الأجناس الأخرى، ومنها الشعر طبعا الذي يهمنا في هذا المقام، وتماهي العديد من النقاد مع هذا التحول وهذا الاهتمام، والذين يريدون من خلاله تغيير البوصلة نحو الرواية لغاية في نفس يعقوب، فهل يجوز للناقد أن يكرس هذه المفارقة وأن يعطي الأولوية لجنس أدبي على حساب آخر، أم أن هواجس ذاتية وخلفيات معينة تقف حائلا أمامه للقيام بهذه الموازنة؟ ما الذي يجعل الكثير منهم يوثرون ويجتهدون من أجل إقناعنا بأن الزمن الذي نعيشه هو زمن الرواية، والشعر لم يعد هو ديوان العرب، وبالتالي أمست الرواية هي التي تحتل هذه المكانة ؟

لا أستسيغ هذه الحماسة الزائدة التي تسيطر على الكثير من المهتمين بالحقل الأدبي بعقد مقارنات بين الشعر والرواية، وتفضيل هذا الجنس على آخر ووضع تقابلات بينهما، فلكل مجال خصوصياته ومميزاته، ولكل واحد منها وظائفه وتأثيراته وأدواره الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبالتالي، فعالية ونجاعة هذه الأجناس تكون في تكاملها وتناغمها وليس في التفريق بينها أو تصنيفها وفق معايير ذاتية، ولذلك فالدفاع عن الحقل الأدبي وإغناؤه وجعله حقلا خصبا يخدم المجتمع، لا يأتي من خلال خلق صراع وهمي بين هذه الأجناس ومن يقف وراءها، وإنما يأتي بربط الجسور بينها وعدم وضع الحواجز بينها، فمن العيب أن تجد روائيا مثلا يسخر من الشعر أو العكس، أو قاص ينتقص من قيمة الشعر أو المسرح وما إلى ذلك، وهذا ما نلمسه حقيقة في السنوات الأخيرة بين المبدعين في هذا الحقل، أما حينما يتعلق الأمر بالنقاد، فذلك حديث آخر، فالناقد الذي لا يمكن أن يصبح كذلك إلا بوجود هذه الأجناس والعطاء الإبداعي الذي تنضح به، تجده يأخذ مسافة كبيرة بينه وبينها وكأن الأمر لا يعنيه، كما تلمس في خطابه نوعا من التعالي وكأنه يريد أن يصنع لنفسه عالما خاصا به، بينما الواقع يعتبره جزء لا يتجزأ من المنظومة الأدبية، وعضوا فعالا فيها له ما له وعليه ما عليه لا أقل ولا أكثر.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالعودة إلى صلب الموضوع، وللذين خرجوا اليوم ليحكموا على الشعر بالانكماش، قياسا بالرواية، فنقول لهم أن الشعر لا يقابل الرواية، ولم يكن مقابلا لها أبدا، ولا حتى لمختلف الأجناس النثرية الأخرى، بهذا النوع من “التعارض البدائي”، بل إن الشعر كان شعرا بذاته، أو جنسا لا يقاس إلا بقدرته على اختراق نفسه، وتجاوز معاييره القديمة، أو بتحديد شعريته، بما لا يجعله خارج الصيرورة، فليست هناك كتابة شعرية واحدة، ولا نموذجا شعريا واحدا، أو شكلا كليا نهائيا، هو الشكل المثالي المرجعي، الذي لا يحدث الشعر بدونه، بمعنى أن الكتابة هي دائما مغامرة فردية، أو هي خصوصية، وعمل إبداعي اختلاقي صرف، ولسنا في حاجة للتذكير بأن الشعر له جذور قوية، سواء في المجتمعات العربية أو غير العربية، سواء قبل الإسلام أو بعده، وبالتالي، من المستحيل أن يتم اجتثاثه من هذه الجذور ونعلن وفاته كما يحلو للكثيرين أن يقولوا، وبهذا الخصوص، يعتبر الدكتور جمال الدين بن الشيخ أن الشعر كان النتاج الوحيد للثقافة العربية، أي أن الشعر كان نتاجها الأول، وأنه كان التعبير الأكثر دلالة، وحتى في حالات إقصائه، كان أكثر تمثيلا لأصالة عبقريتها، وفي أوج الصراع السياسي في العصر الأموي، انخرط الشعراء في هذا الصراع بين مختلف الفرق والاتجاهات، أو الملل والنحل، ظل الشعر وسيلة مواجهة، مثلما يحدث اليوم في الصحافة والإعلام، لسهولة انتقاله بين الألسن، ولكونه كان خطابا شفاهيا، يقبل الإنشاد والتداول من لسان إلى لسان، ونفس الشيء نجده عند شعراء آخرين الذين أثروا في المشهد السياسي والحزبي في بعض المجتمعات العربية كما هو الحال مثلا عند بدر شاكر السياب، الذي كان في بعض شعره يدافع عن الشيوعية في بلده، وهذا ما يمكن أن نقوله عن الشاعر الكبير محمود درويش، الذي كانت قصائده تقض مضجع الكيان الإسرائيلي، وأدونيس وسميح القاسم وغيرهما كثير من الشعراء العرب الذين ما فتئوا يعبرون في قصائدهم عن امتعاضهم واستيائهم من الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها جل البلدان العربية، وظلت أشعارهم جرس إنذار لتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان.. كل هذه الأمور وغيرها نراها كل يوم ونلمسها، وتعطي الدليل على أن الشعر لا زال حاضرا وبقوة في الساحة الثقافية العربية، إن كان هذا يلفت أو يجذب اهتمام المتلقي أو الناقد، والأهم هو أن الشعر له أتباعه ومبدعوه، وله تعبيراته المختلفة التي ينفرد بها والتي تجعله دائم الحضور، ويستعصي بذلك عن التحلل أو الضمور، وبالتالي، ليس هناك جنس أدبي يمكن أن يأخذ مكانه، وحتى تتضح الصورة أكثر، لا بد من الإشارة إلى أمر هام لطالما يتم تجاهله، وهو أن الرواية التي يراد لها اليوم أن تكون رائدة وتحظى بمكانة خاصة في الحقل الأدبي عامة، أليس في لغتها، وأقصد الروايات الكبرى، التي تؤسس لأفق إبداعي مفتوح، تنطوي على الكثير من الشعر، وقليل من النثر، ما حدا بلجنة جائزة نوبل، في تقاريرها حينما كانت تمنح الجائزة لروائيين معينين، أن تعتبر شعرية النص الروائي بين أهم ما يجعل النص يتميز عن غيره، أو يجعل التجربة في حد ذاتها تكون خاصة تخرج عن العام والسطحي والمستهلك، مما نقرأه في كثير مما يسمى روايات اليوم .

تتمة المقال تحت الإعلان

إن مشكلة القراءة بقدر ما تطرح نفسها اليوم بإلحاح في واقعنا الثقافي، بقدر ألا ندعي أن الرواية اليوم هي ما يقبل عليه الناس، لأن الزمن الاستهلاكي الذي نحياه اليوم ضاعف من أزمة القراءة، كما ضاعف من أزمة المعرفة، وأصبح كل ما يفرض نوعا من الجهد والتفكير والقلق غير مرغوب فيه، ما يطرح السؤال حول ما يقرأه الناس، هل يرقى لمستوى الرواية أو لشيء آخر؟ هل ما يقرأه الناس من روايات هي روايات فعلا؟ أليس هذا ما يدعو للتريث قبل أن نطلق صرخة ما قبل موت الشعر ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى