الحقيقة الضائعة | كذبة الديون.. ذريعة استعمارية لاحتلال المغرب
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 146"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

قرأنا في حلقات سابقة، تفاصيل الحملات السياسية الفرنسية التي سبقت حملاتها العسكرية، عندما كانت الزعامة السياسية للحزب الاستعماري تخطط لابتلاع المملكة المغربية القوية، لكن الواقع السياسي الفرنسي، بحكم التطور الطبيعي الذي كان ينمو في أحضان الديمقراطية البرلمانية، تغير ونما وصحت في ضمائر بعض الفرنسيين أفكار الإيجابية السياسية التي كانت حذرة من هذه العملية الخطيرة، عملية اللعب في الميدان المغربي.
عندما أصبح الحلم حقيقة، وقدم العسكريون مشاريعهم التوسيعية معلقة في منديل وثيقة الحماية، ضجت الأوساط السياسية هلعة على الإلقاء بأبناء فرنسا في أتون المحرقة المغربية، وكان النائب جان جوريس، حذرا لدرجة الخوف من فضح فرنسا بتهمة النهب: النهب الفرنسي للمغرب، تعبير توسع في شرحه جان جوريس أربع مرات أمام المحافل السياسية الفرنسية، مرتين سنة 1990، بمناسبة الاتفاق الألماني-الفرنسي، ومرتين في سنة 1911، بعدما كتب في جريدة “لومانيتي” الفرنسية (عدد 4 شتنبر 1970): ((إننا الشعب الوحيد في العالم الذي يكرهه المغاربة))، وقال في جريدة “لاديبيش دو تولوز” (عدد 18 مارس 1911): ((إن الرأسماليين الألمان قد نودي عليهم من طرف الرأسماليين الفرنسيين، في نقابة المصالح الآنية، لاقتسام المغرب، وذلك لفائدة القوة الاقتصادية الألمانية، من أجل نهب المغرب، على حساب الضمير الفرنسي))، كما قال أمام البرلمان الفرنسي يوم 24 مارس 1911: ((إن المغرب يتعرض للنهب.. للسرقة…)).
لقد تم الضغط على السلطان المولى عبد الحفيظ بالديون المترتبة على المغرب، وتمت المزايدة عليه باحتلال المغرب إذا لم يدفع ديونه، ولم يجد مولاي حفيظ قلبا يحن عليه، ولا متعاطفا معه، لكن جان جوريس كان يؤنب الضمير الفرنسي كلما أتيحت له الفرصة.
وهكذا نجده متحمسا لفضح المناورات الفرنسية ضد المغرب في جلسة 24 مارس 1911، المنشورة تفاصيلها في الجريدة الرسمية، وقد سجلت محاضرها قوله: ((الديون على المغرب ديون يرجع تاريخها إلى نصف قرن خلا، ديون رفض شرعيتها الملك الحسن الأول، وألغتها الدولة المعنية بها منذ جيل مضى، فتم إيقاظها وبعثها من مقابرها(…). إنها فضائح لا حد لها)).
هذا ما شهد به الأعداء..
وهكذا تسجل محاضر الجريدة الرسمية الفرنسية، كلمات الفضائح والسرقة، والنهب، والتزوير في حق المغرب، وهي كلها أسباب ملفقة لاحتلال هذا الوطن الذي كان ضحية انشغاله في مشاكل ألقيت عليه من سماء المناورات الأجنبية.
لعل تعبير الانشغال يعني الكثير.. فالسلطان الذي كان يواجه الثورات المفتعلة والمشاكل الداخلية، والزيارات المتواترة للمندوب الفرنسي، الذي يقدم له كشوف الديون، ربما كان أسهل بالنسبة له أن يدلي بوعود عن استعداده لأداء الديون، من أن يؤجل النظر في مشاكل الفتنة والثورات الواقفة على الأبواب.
فكيف بهذا المولى عبد الحفيظ، وهو مرتاح في قبره اليوم، لو علم أن تلك الديون إنما كانت كذبة مفتعلة عن ديون لا أساس لها حسب اعترافات جوريس أمام البرلمان الفرنسي.. ؟
إن تساؤلي هذا لا يرتكز فقط على ملاحظات النائب الاشتراكي الفرنسي، جان جوريس، وإنما البيانات التي سأقدمها تتوفر على دلالات أكبر، تبرئ ذمة المغرب من كثير من الديون التي رهن استقلاله ثمنا لها.
إن الشركة الدائنة للمغرب “الكومبانية المغربية”، لم تستطع يوما أن تثبت مصادر الأموال التي تدعي أنها أقرضتها للمغرب.
وما دام الدائن لا يستطيع إثبات مصادر أمواله التي اقترضها، فكيف يثبت أنه قدم سلفات بأموال لا يتوفر عليها ؟
إن وثائق شركة “لاكومباني ماروكان” (الكومبانية المغربية)، وكالة طنجة، الصادرة بعنوان “ديون على المخزن” (انظر كتاب “أكادير 1911”)، تقول بالحرف: ((إنه ليس لنا أن نقدم وثائق ديننا على المغرب لمسؤولي السلطات المغربية للبحث والتحقيق، لأن ذلك من شأنه أن يجعل المدينين لنا يسألوننا عن مصدر أموالنا، لهذا نعمل دائما على تقديم الوثائق، فنعوض كلمة “البحث” بكلمة “الحجة المادية”، وهكذا ندخل مع دائنينا في نقاش حول جزئيات صرف الأموال، لنبحث في دراستنا – مع السلطات المغربية – كذا جنيهات إسترلينية صرفت على مشروع كذا، دون أن نثبت وصول تلك الجنيهات)) (مقتطفات من كتاب: “اليسار الفرنسي والوطنية المغربية”، جورج أوفيد، باريس 1954).
إنه لو عرضت جزئيات هذا الملف على أي لجنة اقتصادية من لجان صندوق النقد الدولي في عصرنا الحاضر.. لجزمت بأن الأمر يتعلق بعملية “تدليس ونهب” كما قال النائب جان جوريس أمام البرلمان الفرنسي.
ولقد فسر أحد النواب الفرنسيين هذه الخدعة الاقتصادية في جلسة البرلمان الفرنسي بتاريخ 28 يناير 1908 بقوله: ((لو بحث السلطان مولاي حفيظ جيدا في ديون المغرب، لاكتشف أن مصادرها هي نسبة مداخيل 60 في المائة من الجمارك المغربية التي كان يستخلصها الفرنسيون)).. فماذا لو اكتفينا بشهادات الفرنسيين أنفسهم لنتفرغ إلى الفترة الأساسية، فترة الثورة العارمة التي خاضها المغرب ضد الاحتلال منذ اليوم الأول من “إمضاء” وثيقة الحماية، وضد السرقة والتزوير والتدليس ضد نهب خيرات المغرب، ضد تفاحش المناورات والمؤامرات.. لكن فداحة الثمن الذي دفعه الفرنسيون تبرر لنا حق المزيد من التوسع في تفسير المناورات الفرنسية ضد السيادة المغربية، لنزيد استكشافا لعظمة هذا الشعب الذي لم يكن يتتبع جلسات البرلمان الفرنسي، ولا يقرأ عن ذلك الصراع الذي كان دائرا بين السياسيين والعسكر في فرنسا، ولكنه كان يرى ويقدر ويخبر، ويهضم الظلم، ويمتص مرارة الإهانة، ويحلل نظرات الضباط والجنود الفرنسيين والجزائريين وهم يمرون في أزقة المغرب ودروبه فارضين عليه الاحتلال.
الفرنسيون أنفسهم كانوا يحللون نظرات الازدراء والكراهية التي كانت تتطاير من عيون المغاربة، وكان ذوو الضمائر المسؤولة فيهم يرفعون تقاريرهم إلى الحكومة والبرلمان الفرنسيين محذرين من مغبة السقوط في هذا التناور الخطر، ومن ركوب مخاطر الإلقاء بأبناء فرنسا في أتون هذا الشعب الذين يعرفون تاريخه حق المعرفة، ويعرفون أنه حوت عظيم ليس من السهل عليهم ابتلاعه.
لكن القضية كانت قد أصبحت عبارة عن رهان بين العسكر وأصحاب الثروات الفرنسيين، سهل عليهم الضحك على أذقان الرأي العام الفرنسي المتنور، مثلما سخروا من الرأي العام العالمي؛ فقد رأوا ودبروا وصنعوا أرجوحة الحماية، التي سرعان ما أخذت حركاتها البهلوانية بالألباب، التي بقيت طائشة معها بين الحق والباطل، وكانت الكلمة الأخيرة للباطل، الذي كانت له جولة سرعان ما خبت جذوتها.
احتلوا فاس.. ولماذا لا تحتلون مكة ؟
فهل كان هناك فعلا صوت للحق في فرنسا بجانب المغرب ؟
نعم.. وبالفعل.
ولكن صوت الحق الفرنسي، الذي كان رافضا للمخاطرة باحتلال المغرب، لم يكن متعاطفا مع الشعب المغربي رفقا به، وإنما أولا، خوفا من السقوط في بئر لا قعر له. ثانيا، خوفا من أن تدخل فرنسا في حرب مع ألمانيا من أجل المغرب. وثالثا، فقد كان الرأي العام الفرنسي لا يريد أن يسقط في لعبة العسكر الذي نسق عمله مع مجموعة من التجار المغامرين، الذين يسيل لعابهم على خيرات المغرب.
هؤلاء العسكر الذين افتضح مخططهم حتى أمام البرلمان الفرنسي، حينما وقف النائب جان جوريس (جلسة 24 يناير 1908) وألقى أمامهم الاتهامات جزافا: ((إن العسكريين قالوا أنهم يذهبوا إلى مراكش، وقالوا أنهم لن يذهبوا إلى فاس، والتزموا بهذا أمامنا وأمام أوروبا، فلماذا لا تتابعهم الحكومة على تجاوزاتهم لحدود التزاماتهم، أم أن الحكومة تجهل مبادرات العسكريين هناك في المغرب، أم أنها تغض الطرف عنهم ؟
وإذا كان الجيش الفرنسي ذهب مؤقتا لحماية الفرنسيين في مدينة الدار البيضاء، فماذا يعني وصولهم إلى برشيد، وسطات، وأزمور، وقريبا تادلة؟ وماذا يعني إقامة منشآت عسكرية فرنسية في المغرب الشرقي؟ إنكم دائما تذهبون أيها العسكر أبعد مما هو مخطط لكم، ولما رسمتموه من حدود لمهامكم)).
وهنا اهتزت القاعة بالتصفيقات، ويقول محضر الجلسة أن اليمين الفرنسي بزعامة كليمنصو، صفق للنائب الاشتراكي جان جوريس، وكان الرجلان ندين متعارضين، الأول يكتب في جريدة “لورور” الاستعمارية، والثاني في جريدة “لومانيتي” الشيوعية.
كليمنصو لم يتوقف عن التصفيق، بل وقف مرتجلا تعليقا على كلام جوريس: ((من أمرهم بالتوجه إلى فاس؟ لا أحد.. وإنما ربما توجهوا غدا إلى مكة، ولماذا لا في نظرهم.. ؟)) (محاضر جلسات البرلمان الفرنسي، ص 98 من الجريدة الرسمية / يناير 1908).



