المنبر الحر | قراءة في كتاب “إمارة بورغواطة بالمغرب الأقصى”


لا زال تاريخ إمارة بورغواطة في المغرب الأقصى يسيل الكثير من المداد ويثير اهتمام الباحثين والدارسين والمؤرخين، ولا زالت الكتابات والأبحاث تتواتر تباعا حوله، ورغم كل الكم الهائل الذي كتب حول هذه الإمارة، إلا أن تاريخها لم يبح بكل أسراره وتفاصيله وخباياه، باعتراف المتخصصين في التاريخ أنفسهم، الذين يعتبرون أن تاريخ إمارة بورغواطة لا زال مطمورا في إطار الضياع والتهميش، وجله مفقود، ويحتاج إلى من يخرجه من العتمة إلى دائرة الأضواء، مما يجعل حقائق تاريخية عن هذه الإمارة تغيب عنا، وكل ما هو موجود بين أيدينا لا يشكل إلا نسبة ضعيفة جدا من تاريخ بورغواطة.
ويعتبر الدكتور مولود عشاق واحدا من الباحثين الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية تقليب تاريخ هذه الإمارة، في محاولة لبناء معالم هذا التاريخ لترتيب المشهد من جديد وتنقيحه من كل المغالطات التي كانت تدثره بحسن نية أو بسوئها، باعتماد على ما تنضح به المادة التاريخية في بطون كتب التاريخ التي أرخت لتاريخ هذه الإمارة، التي لم تسلم من سهام النقد من طرف الباحث رغم كل ما تختزنه من معلومات ومعطيات حول تاريخ هذه الإمارة لكن تعسفها على بعض الحقائق التاريخية ومجانبتها للواقع والصواب وتحاملها في أكثر من مقام عليها، أفقدها الكثير من المصداقية والموضوعية دون معرفة أسباب وخلفيات ذلك، وبالتالي، وجب التعامل معها بحذر شديد، وعدم الانسياق أو الانجرار وراءها بدون غربلة أو تحليل وتفكيك صارمين لفرز الغث من السليم والنيء من الناضج، ولعل ما يثير الانتباه حول كل تلك الكتابات التاريخية التي أرخت لتاريخ هذه الإمارة المثيرة للجدل، هو التركيز بشكل كبير على المسألة الدينية فيها ومذهبها الديني والسياسي، والصراعات والحروب التي خاضتها هذه الإمارة، التي يبدو أنها كانت مضطهدة ومستهدفة منذ نشأتها، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي.. لدرجة أنك قد تجد فائضا في المعلومات حول هذا الموضوع حد التخمة، دون الاهتمام بقضايا أخرى، مما يثير الكثير من التساؤلات حول هذا الاهتمام المفرط والمبالغ فيه بهذه المسألة، وهذا ما سيكشف عنه الباحث النقاب في ثنايا كتابه، وفي المقابل، تجد فقرا مدقعا بكل ما يتعلق بالمستويات الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية والذهنية، فلا يمكن أن تكتمل الصورة التاريخية حول منطقة معينة إلا باستحضار كل هذه المستويات، لكن للأسف هناك تجزيئ وتقطيع لأوصال متعمد لتاريخ إمارة بورغواطة، حتى أمسى وكأنه عبارة عن جزر متناثرة ومعزولة ومنفصلة قصد تشويهه وتقديمه مبتورا للقارئ، وحسنا فعل الباحث مولود عشاق، الذي أثار هذه النقطة في كتابه، بل شكلت العصب الحي فيه، حيث وجه بوصلة بحثه صوب هذه الجهة المعتمة والمنسية من تاريخ بورغواطة لتسليط الضوء عليها وكشف الستار عنها، فيحسب له قصب السبق في إثارة موضوع التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والذهني للإمارة البورغواطية.
يتضمن كتاب “إمارة بورغواطة بالمغرب الأقصى” ثلاثة فصول رئيسية وفصل تمهيدي، علاوة على مقدمة وخاتمة، ففي الفصل التمهيدي أعطانا الأستاذ الباحث صورة واضحة ومتكاملة عن وضعية المغرب الأقصى قبيل قيام إمارة بورغواطة، وبشكل خاص مكونات البنية السوسيو-اقتصادية والسياسية والدينية التي عرفتها هذه الرقعة الجغرافية من المغرب الأقصى خلال الربع الأول من القرن الثاني الهجري، وما تلى ذلك من اكتمال بوادر ظهور الإمارة البورغواطية إلى الوجود، أما الفصل الأول، فقد ناقش فيه الباحث بالدرس والتحليل تاريخية إمارة بورغواطة، فخصص المبحث الأول منه لإيتمولوجية التسمية وجينالوجية الأصل القبلي، بينما تطرق في المبحث الثاني لرسم خريطة لرقعة بورغواطة الجغرافية والترابية وامتداداتها وحدودها غير المستقرة حسب الظروف السياسية والتاريخية، في الوقت الذي انصب المبحث الثالث على استقصاء التطور السياسي للإمارة، ليخصص الباحث المبحث الرابع من هذا الفصل لدراسة ميكانيزمات وتمفصلات الديانة البورغواطية، إذ أن المرجعية التاريخية لم تختلف بقدر اختلافها حول الأصول الحقيقية لهذه الديانة، أما الفصل الثاني من الكتاب، فقد رصد فيه الباحث البنية الاقتصادية بالإمارة، انطلاقا من مباحث ثلاثة، فأما الأول، فعالج فيه النشاط الفلاحي الذي كانت تتعاطاه الإمارة من زراعة ورعي وما إلى ذلك، مع الوقوف على وضعية الأرض وأهميتها بالرفع من المستوى الفلاحي، وتم تخصيص المبحث الثاني لدراسة أشكال النشاط الصناعي الذي كانت تمارسه الإمارة وأهم المنتوجات الصناعية التي تنتجها في ذلك الإبان والمشاكل التي كانت تحيط به، في حين سلط الباحث الأضواء في المبحث الثالث على النشاط التجاري والمبادلات التجارية البورغواطية، والمراكز التجارية المساعدة على انسيابية هذا النشاط، على المستوى الداخلي والخارجي.
وقد أفرد مولود عشاق الفصل الرابع لأسس البنية الاجتماعية والعقلية لإمارة بورغواطة، حيث استهله بدراسة الخريطة القبلية مع التركيز على البطون القبلية ذات التبعية الروحية في المقام الأول، ثم انتقل إلى المبحث الثاني، الذي رسم فيه معالم الخريطة الديموغرافية للإمارة بالاعتماد على مؤشرين اثنين: المؤشر الوصفي والإحصائي، أما المبحث الثالث، فهو عبارة عن خطاطة للتراتبات الاجتماعية، وأثر المكون الرمزي والسوسيو-اقتصادي في تبلورها، ولم يفت الباحث في المبحث الرابع الغوص في تفكيك وتركيب نسيج الأعراف القبلية والعقليات السائدة في الإمارة، وبنفس المقدار ونفس النسق، قارب في المبحث الخامس مكونات البنية العقلية السائدة في إمارة بورغواطة من خلال أمثلة ونماذج حية شاهدة على التنوع والثراء الذي يعرفه هذا المجال، من حيث أشكال الأزياء وأنواع الأطعمة والعادات والتقاليد، ناهيك عن المعتقدات الغيبية وقس على ذلك مما لا يتسع الحيز لسرده كله.
ويمكن اعتبار كتاب “إمارة بورغواطة بالمغرب الأقصى”، مرجعا تاريخيا قيما ونفيسا في متناول الباحثين والدارسين الذين يأخذهم الفضول المعرفي لاستكشاف تاريخ إمارة منسية بين غياهب وظلمات التاريخ.



