الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المعركة الفاصلة بين مولاي حفيظ والمولى عبد العزيز

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 115"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    بعد أن ولى المولى عبد العزيز سلطانا تائها يتجرع علقم أزمة الضمير، ويحاسب نفسه، ولا يجد لدى الناس عذرا وهو الذي جنت عليه الظروف كما سبق تفصيله، فإنه أصبح، حسبما خططت له المناورات الاستعمارية، حليف من يقدمون له الدعم في كفاحه من أجل استرجاع مكانته وسلطته، بينما استعمل الفرنسيون مظلته للاحتماء من انتقادات الرأي العام الدولي، إذ لا يفتؤون عن ترديد أسطوانتهم بأنهم يضعون جيوشهم في المغرب حماية للمشروعية المتمثلة في السلطان المولى عبد العزيز، دون أن يتموا الآية، ويذكروا بأنهم يزاولون هذه المهمة أيضا ضد سلطان الجهاد المولى عبد الحفيظ، الذي التف حوله الشعب في كفاحه من أجل طرد جيوش الاحتلال.

تتمة المقال تحت الإعلان

وطبعا لم يكن الشعب المغربي آنذاك متوفرا على عناصر الفهم الكافي لكل خبايا المناورات وتأويلات القرارات ومبررات الإجراءات، وأسباب الأزمات، وصحة الدعايات.

طبعا كان لكل في ذلك الوقت سلاحه، فالرجل يقاس بسيفه، ويقدر بثمن بندقيته، ويحترم على مستوى براعة رمايته، ويستثمر أمواله في تزيين قبضة سيفه بالذهب، وكعب بندقيته بالفضة، ولا يبخل على نفسه بين الفينة والأخرى بمجدول من الحرير الخالص يتدلى منه خنجر من الفضة البراقة.

هكذا كان أغلب المغاربة في الأيام الماضية، وهكذا وجدهم الفرنسيون، ومن هذه المظاهر جردهم الاستعمار.

وعندما يكون الرجل من هذا النوع في حيرة من أمره، معرضا للانتكاسات تلو الانتكاسات، والهزائم والاحتلالات، فإنه يسارع إلى وضع سبابته على الزناد، وكثيرا ما تسبق الطلقة قراره واختياره، وكذلك كان الأمر بالنسبة لأغلب المغاربة.

فاشتعلت الحرب بين قبيلتين جارتين من أعظم قبائل المغرب هما: كلاوة والرحامنة، وقبيلتين جارتين أخريين هما: أنفلوس ومتوكة.

ومهدت هاتان المعركتان، اللتان اندلعتا في شهر يونيو 1908، لأن يتخلص الفرنسيون من عدد كبير من المقاتلين ويطلبون من مولاي عبد العزيز أن يحاول الدخول إلى مراكش، فهذه الطريق مفتوحة على الطريق اليمنى الممتدة على الشاطئ، حرب المتوكي مع أنفلوس، وعلى الطريق اليسرى المحادية للأطلس، حرب الرحامنة مع كلاوة من جهة، ومع المتوكي من جهة أخرى، فالطريق إلى مراكش إذن مفتوح، وصدق المولى عبد العزيز مكيدة الخبراء الفرنسيين، وشد رحاله يوم 12 يوليوز 1908 إلى مراكش عبر الشاوية، إذن، عبر منطقة احتلها الفرنسيون مسبقا، ولكنه كان لا يعرف أن هذه الرحلة ستكون نحو المصير الفاصل.

فقد أوهم المولى عبد الحفيظ هو أيضا أن مراكش التي تركها معتقدا أن دخوله لفاس هو الكفيل بحل المشاكل، سيكون احتلالها من طرف مولاي عبد العزيز بداية لنهاية آماله، فشد رحاله هو أيضا إلى مراكش، ولكن أية رحال ؟

إن الأزمة المالية التي أرغمت مولاي عبد العزيز على الضعف أمام الفرنسيين هي نفسها التي واجهت المولى عبد الحفيظ عندما هم بالرحيل إلى مراكش.. فأين المال، وأين الرجال؟

فقد سارع المولى عبد الحفيظ إلى مراجعة كشف الرجال، فاكتشف أن هدف المتآمرين المعششين حول قاعة عرشه، إنما كان إبعاد رفاقه في الجهاد أبطال المعارك والنضال، والإلقاء بهم في غياهب السجون.

وهذا المخطط الجهنمي الذي يعرف في عصرنا الحاضر شيوعا وانتشارا، هو أسلوب قديم قدم الخطيئة، حيث يجرد رئيس الدولة من أقوى العناصر المحيطة به، ويعدم أو يسجن أحسن ضباطه، ويبعد أحسن مستشاريه ليبقى ضعيفا أعزل محتارا أمام أحداث صنعها أولئك الذين زجوا به في العزلة المحرجة، وهذا ما فطن له المولى عبد الحفيظ بعد فوات الأوان، فسارع إلى استدعاء القائد المحنك بوشتى بن البغدادي من سجنه، وعرض عليه منصب قيادة الجيش، فأجابه بن البغدادي بأن “السجن أحب إلي”، ولكن المولى عبد الحفيظ سريعا ما اكتشف أنه هو المسؤول، فأمر بإطلاق سراح كل المعتقلين، ودعا إلى وحدة الصف وتظافر الجهود، وضرب بعنف على نغمة الجهاد، ولكن أي جهاد هذا الذي ينقصه العتاد والسلاح والمال؟ واكتشف أنه يقف وجها لوجه أمام الأمر الواقع، أمام أنانية الناس وتفضيلهم للمال على الوطن في كثير من الأحيان، وهذا ما يفسر القوة التي كان يعامل بها الكثير من الأغنياء، فكان يدعوهم لدفع واجب الجهاد وما تحتاجه الدولة من مصاريف وهم الأغنياء في دولة فقيرة، وعندما يرفضون يأمر باعتقالهم، وطالب الناس بالتقشف، وقال لهم: ((لماذا تأكلون اللحم بكثرة وفي البلاد جيش أجنبي يمكن أن نطرده بالتقشف والاقتصاد؟)).

ولكنه كان يواجه بسلبية، فكثرت الإضرابات وشلت الحركة الاقتصادية، وطبعا كان ذلك ما يريده ويخطط له الاستعماريون الفرنسيون.

وفكر المولى عبد الحفيظ في ترك الحرب ضد أخيه وإعلان الحرب على الفرنسيين المحتلين، لكنه وجد أن الحرب مع الفرنسيين ليست وحدها التي ستحل المشاكل، خصوصا المشاكل الاقتصادية.

وكان قراره يوم 15 غشت 1908، حيث جمع أقرب الناس إليه وأكثرهم تشبثا بمبدأ الجهاد وأقربهم إلى قلوب الناس، وكانوا ثلاثة رجال: المدني الكلاوي الوزير الأول، ومحمد البوعزاوي الزعيم السياسي، والقائد السكتاني رجل الحرب، فأمرهم بالتوجه إلى مراكش لخوض المعركة الفاصلة ضد المولى عبد العزيز، وكان المولى عبد العزيز، بدعم مالي من فرنسا، قد استطاع تكوين جيوش جرارة وبأسلحة حديثة، وكانت تدعمه قبائل تادلة، أولاد حريز، مديونة، زناتة، أولاد بن داود، بعض قبائل الشاوية، أولاد بوزيري، المذاكرة، زمران، السراغنة، وبني مسكين.

والتقى جيشا الأخوين المتحاربين صباح يوم 19 غشت 1908 في تملالت، على بعد خمسين كيلومترا من مراكش.

وبقدر ما كانت المعركة عنيفة استعملت فيها المدافع والرشاشات ورجال الفروسية.. كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد.

فما إن شاهدت القبائل المحاربة مع المولى عبد العزيز زعيمها الروحي محمد البوعزاوي يقود جيوش مولاي حفيظ، حتى أوقفوا إطلاق النار وانضموا جميعا لجيوش المولى عبد الحفيظ تاركين أسلحتهم وخيولهم، وما هي إلا ساعات حتى كان المولى عبد العزيز مع قلة قليلة من الأوفياء له ومن الضباط الفرنسيين وبعض الإنجليز، بينما عادت بعض القبائل التي كانت مع الجيش العزيزي لتمارس النهب وتحطيم معنوية من تبقى مع مولاي عبد العزيز، الذي نصحه وزيره عبد الكريم بنسليمان بالانسحاب، وكانت عملية الانسحاب كارثة كبرى..

لقد قضى مولاي عبد العزيز ستة عشر ساعة على ظهر فرسه قطع خلالها مائة كيلومتر حتى وصل عند أحد الأوفياء له وهو القايد التونسي، قايد أولاد بوزيري، الذي تكلف بنقله إلى سطات.

سطات المدينة التي تم فيها اختياره سلطانا وسنه أربعة عشر عاما، شاء القدر أن تكون هي نفسها نهاية المطاف، ومعقل التفكير، ونقطة البداية ونقطة النهاية.

محاولة انقلاب فرنسي بالمغرب

    وأصبح سلطان الجهاد، المولى عبد الحفيظ، ملك المغرب كله من أقصاه إلى أقصاه، وتناقلت الوكالات العالمية للأخبار يوم 23 غشت 1908 خبر انتصار المولى عبد الحفيظ، واجتمع أقطاب الخبرة الاستعمارية الفرنسية لتدارس الموقف.. إن سلطان الجهاد قد انتصر وأصبح سيد البلاد، فلا بد من التفكير في الأساليب الجدية لمنعه من تحقيق أمانيه.

وزاد من هلع المخابرات الفرنسية ما بلغها من أخبار عن قيام زعماء في كل القبائل يستعدون للجهاد، وهذا علي ومهاوش، أحد أحفاد المرابطين، يعلن نفسه زعيما للجهاد جنديا في جيوش المولى عبد الحفيظ، جاعلا من موقعه في إيشكيرن منطلقا للثورة التي لن تتوقف إلا بعد طرد الفرنسيين.

وفعلا فتح علي ومهاوش جبهة واحدة من دبدو إلى واويزغت متجهة نحو الجنوب الشرقي عند أيت عتاب في اتجاه تافيلالت..
وكانت كل حركة للجهاد تتجه نحو هذا الخط تقلق الفرنسيين وتثير رعبهم، فإن المناطق الصحراوية كانت دائما وأبدا منطلق المشاكل ومعقل المجاهدين، فبالإضافة إلى اللاجئين التواتيين والكوراريين – أول من احتل الاستعمار الفرنسي أرضهم – هناك جيوش مولاي رشيد، الذي لم يضع السلاح رغم كبر سنه، وهذا ابنه قائد جيش مولاي حفيظ، وهناك القبائل التي لا تستطيع القوات الفرنسية الصمود أمام بطولاتها وشهامتها وجرأة رجالها، هناك قبائل أيت زدك وأيت يوسي، وأيت يحيى، ومدغرة، والرتب.

وها هي المعارك فعلا تلتهم المواقع الفرنسية بقيادة الجنرال فيجي، وهو تحرك زاد من حدته ذلك الانتصار السياسي الذي سجله المولى عبد الحفيظ.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى