الحقيقة الضائعة | كيف تم دفع السلطان مولاي حفيظ إلى ارتكاب الأخطاء الكبيرة..
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 114"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

كلما تفحصنا جانبا من جوانب الأحداث التي عرفها المغرب في الفترة المؤلمة من تاريخنا.. إلا ووجدنا بصمات المناورات الاستعمارية فخمة مشوهة جاثمة على كل الأعمال والقرارات، جلية في الواجهات والخلفيات.. ألم تر في الصفحات الأخيرة، وذلك على سبيل المثال كيف سارع القنصل الفرنسي في فاس كايار، ليخبر المولى عبد الحفيظ بهروب الشريف الكتاني وربما هو الذي أعطى للسلطان الطريق التي نهجها الشريف في هروبه؟ فهل هو عطف من القنصل الفرنسي، أم غيرة على عرش السلطان، أم أنه مظهر آخر من مظاهر المناورات التي أبدعت السلطات الفرنسية في تخطيطها وتوفقت في كل مراحلها ؟
إن الأحداث التي عرفها المغرب في هذه المرحلة، لا تبرهن بأي حال من الأحوال على وجود أي عطف فرنسي على السلطان المولى عبد الحفيظ، وليس تجسس القنصل على السلطان، فقد كانت الجاسوسية آنذاك في أوجها.
وعندما يدخل القنصل الفرنسي في فاس على المولى عبد الحفيظ لتقديم النصح، كان الجنرالات الفرنسيون يدخلون على المولى عبد العزيز بخرائطهم ومخططاتهم للقضاء على جيوش المولى عبد الحفيظ وأنصاره.. فقد كان صب البنزين في أتون الحرب بين الأخوين لا يضاهيه إلا ما كانت تتسابق الهمم الفرنسية في إشعاله من حروب بين كل الإخوة المغاربة.. يعطون السلاح والمال لهذه القبيلة، والسلاح والمال لتلك، ثم يشعلون بينهما نار الفرقة والميز، ليتركاهما تتقاتلان، ويندسون بين ضباط الجيش والوزراء، ليزيد ذلك نار الحرب الأهلية والمواجهة المصلحية اشتعالا.
لقد كان المغرب سنة 1908 أشبه ما يكون بلبنان سنة 1980 والنصر للمناورات، للأعداء للطامعين في احتلال الأرض.
وكما صنع العدوان الإسرائيلي واجهة من أعداء الأمة العربية تخوض ضد القوات التقدمية والفلسطينية معارك يومية في وسط عاصمة لبنان، عوضا عن الجيوش الإسرائيلية القابعة في معسكراتها، والمستعدة في وضع جد مريح للانقضاض المخطط في المحل المناسب، والوقت المناسب، كذلك كان الشأن في المغرب سنة 1908، حيث خلق الاستعمار الفرنسي داخل المغرب جبهات داخلية جعلت المغاربة كالفراش أمام لهب الشمعة يتسابق ليصدمها فيحترق، وفعلا كان ذلك داخلا في سياسة إحراق المغرب.
فهل نجد مبررا يدفع العميل الجزائري الكبير عبد المالك الجزائري، ابن الأمير عبد القادر الجزائري، الذي أبدع في التنكر لمبادئ أبيه وأصبح ضابطا برتبة عالية في الجيش الفرنسي الذي سفك بالشعب الجزائري وبالمقاومين الذين كان على رأسهم أبوه الأمير عبد القادر ؟
هذا الضابط الخبير في شؤون ما كان يسمى بـ”الأنديجين”، يعني من يوجد على الأرض من أصحاب لها متخلفين، جاء هذا الضابط الجزائري – الفرنسي على رأس جيوشه لنصرة المولى عبد العزيز، والتحق به في مدينة المهدية ليدعم هجومه على فاس، وكان مجيء الضابط الفرنسي كافيا لأن يثير الغضب لدى من تبقى مع مولاي عبد العزيز من ضباط وجنود، ومن المهدية التي وصلها عبد المالك الجزائري هرب قائد جيش السلطان المولى عبد العزيز، القايد بوشتى بن البغدادي، والتحق بالمولى عبد الحفيظ.
وفطن فريق آخر من جيوش المولى عبد العزيز، وهم في موقفهم بالمهدية، إلى أن السبب في هذا التشتيت لجيش مولاي عبد العزيز هو وجود الضباط الفرنسيين في صفوفه، وأن وصول الضابط عبد المالك بن عبد القادر الجزائري إنما عجل بتفرقة الشمل، فقرروا الانتقام من هذا الخائن الجزائري واختطفوه من وسط جنوده ونقلوه إلى منطقة القصر الكبير عند أحد كبار المجاهدين ضد الاستعمار، وهو القائد الرميقي، الذي نقل الضابط الجزائري إلى فاس وسلمه للمولى عبد الحفيظ.
وبدلا من أن تكون هذه المكتسبات الهامة للمولى عبد الحفيظ بوادر سعد ونصر وتمكين، فإنها كانت نذير شؤم وانهيار واختلال.. فبعد دخول القائد بوشتى بن البغدادي إلى فاس يوم 9 يونيو 1908 على ظهر حصانه وفي مقدمة جيوشه التي أعلنت انضمامها للمولى عبد الحفيظ ورحبت فاس بهذا القائد العظيم، الذي سارت الركبان بذكر غزواته في جيوش بوحمارة ومن معه، وبعد أن وصل ركب القائد الرميقي يجر الضابط الفرنسي الخائن عبد المالك الجزائري في السلاسل، أيقن المتناورون والمتآمرون أن انتصارات مولاي عبد الحفيظ ليست في صالح مخططاتهم، وكان لا بد من التخطيط لانتكاسة كبرى تصدم الجماهير المرحبة بانتصارات مولاي عبد الحفيظ.. فأية انتكاسة للرأي العام الوطني أكثر من أن يقدم “المقربون” للمولى عبد الحفيظ نصحهم وملفاتهم ووثائقهم، ويقنعون المولى عبد الحفيظ بالإقدام على غلطتين:
– أولا: هذا القائد البطل بوشتى بن البغدادي، الذي دخل فاسا تحت زغاريد النساء، وهو أخ قائد الجيش الحفيظي الوفي سعيد بن البغدادي، يجب أن يزج به في السجن ومعه أخوه، وكذلك كان الأمر؛
– ثانيا: هذا الضابط الفرنسي ذو الرتبة العالية في جيش الاحتلال، والذي جاء يقدم دعم الجيش الفرنسي للمولى عبد العزيز في طريق الإطاحة بمولاي حفيظ وتم اعتقاله من طرف المكشفين لمناورته، واقتيد إلى فاس مكبلا بالسلاسل، يجب إطلاق سراحه، وكذلك كان الأمر.
وانعقدت الألسنة من فرط هول النكسة، وأخذ الرأي العام المغربي يلف شخصية المولى عبد الحفيظ سلطان الجهاد، بأطواق الاستفهامات مثلما طوقوا بها قبله أخاه مولاي عبد العزيز.
فالذي أوحى بأفكار من هذا النوع قادر – ولا شك – على أن يوحي بقرارات أخطر من هذا بكثير.
إن المولى عبد الحفيظ لم يتوقف يوما منذ أعلن عن مبايعة فاس له سلطانا، لم يتوقف عن التفكير في أنجع الطرق للخروج من الورطة وطرد الجيوش الفرنسية الغازية، ولكنه أيضا لم يتوقف عن ارتكاب الأخطاء.
لقد أدخل نفسه في دوامة مقفلة لا حق لأي أحد أن يؤاخذه عليها.. فهو يفرض الضرائب لتقوية الجيش ويزاول سياسة “من أين لك هذا؟” لملأ صناديق الدولة، فلا الجيوش الأجنبية خرجت، ولا أصحاب المصالح ودافعوا الضرائب براضين عليه.
ويشهد التاريخ المسند بالوقائع والحجج، أنه ما كان يجمع الأموال بجميع الوسائل ويضغط على أرباب المصالح إلا ليكون في وضع يسمح له بأن يستدعي أقطاب مؤتمر الجزيرة ويقدم لهم ديون فرنسا عليه، ثم يأمرها بالانسحاب، وسيأتي تفصيل هذا المخطط في فصول تالية.



