الحقيقة الضائعة | “التعاون الفرنسي البوحماري” وقصة سقوط زعيم الانفصاليين بوحمارة
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 93"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

الانتصار الأول للاستعمار
عندما أصبح التدخل الاستعماري الماكر لا يحتاج إلى المزيد من البراهين، اضطر السلطان إلى لعب الورقة الدبلوماسية وإغماض العين على قذاها، فطلب العون الفرنسي وتنفيذ اتفاقية 20 أبريل للتعاون والمصالح المشتركة.
وفي إطار هذا التعاون، تقدم السلطان المولى عبد العزيز بمشروع مخطط استراتيجي يقضي باستعمال الموانئ الجزائرية لإنزال قوات مغربية خلف بوحمارة ومهاجمته من الخلف، ونفس الشيء مع الإسبانيين باستعمال ميناء مليلية.
وطبعا، شرب الحكام الفرنسيون أنخابهم.. فقد تحقق الأمل ونجح مخططهم، وجاء السلطان يطلب التدخل الفرنسي ويبدي رغبته في أن تسمح له فرنسا باستعمال الموانئ الجزائرية.. فأين من الاستعمار الفرنسي تلك الأيام التي كان فيها الحسن الأول لا يعترف بالاحتلال الفرنسي للجزائر ويقدم الدعم للثوار الجزائريين ؟
ولم يتأخر الفرنسيون يوما واحدا عن الاستجابة لطلبات السلطان.. وماذا يضرهم أن ينزل المغاربة خلف خطوط بوحمارة وهم الذين سيسلمون ضباطهم الملحقين بجيش بوحمارة نسخة من المخطط؟ أليس المهم هو الوصول إلى المزيد من تنازلات السلطان؟ وفعلا، ذلك ما حصل، فقد استولت جيوش بوحمارة على كل ما نزل في ميناء الغزوات الجزائري والبقية تأتي..
إنما الأهم من هذا كله، هو أن الفرنسيين سارعوا لتنفيذ اتفاق التعاون الذي طلبه السلطان، والذي يتطلب من فرنسا القيام بما يوجبه دورها في فرض الأمن بالمنطقة.
فعندما كانت القوات المغربية تتلقى مساعدة الجيش الفرنسي في وهران والغزوات، كانت قوات الحاكم العسكري الفرنسي بالجزائر، روفوال، تنزل في المناطق الجنوبية الشرقية التي كانت جيوش فرنسا قد توقفت عندها نتيجة مقاومة جيوش المقاوم مولاي رشيد على رأس القبائل التواتية والركانية والساورية، وفي شتنبر 1902 احتل الفرنسيون عين بني مطهر، وفي 1903 احتلوا بشار وسموها كولومب بشار، وقنبلوا فجيج.
داخلية مضعضعة
وفي هذه الأثناء، كانت الحالة الداخلية تتردى بشكل تغني هذه الحلقات عن التعمق في خلفياته.. فمن جيوش هاربة، إلى قواد متعاونين، إلى عساكر تبيع السلاح، إلى سكان يسارعون بالاستسلام كلما حصل هجوم.
حقا، إن الحالة الداخلية لم تكن تجعل المغرب في ظروف يحسد عليها، أما على مستوى التسيير، فقد روى بعض الذين عايشوا هذه الفترة، الكثير مما رأوه من تفكك وانحلال، وهي روايات لا زالت موجودة في رفوف الخزانة الملكية تحتاج إلى الكثير من الدرس والتمحيص، وأهمها ما ورد في كتاب “أعيان المغرب” من الوضعية التي كان يوجد عليها الجهاز الحكومي، ويقول فصل من هذا الكتاب: ((.. وكان من الممكن أن تؤتي كل هذه الإجراءات – والإجراءات الأخرى – التي اتخذت قبل الهزيمة الكبيرة ثمارها المرجوة في الحين، وتضع حدا لهذه الفتنة الهوجاء، لو أن الهيأة الحاكمة كانت مستقيمة التفكير والسلوك، مخلصة في الظاهر والباطن، متنزهة عن المكائد والدسائس والمنافسات المسفة، أمينة على ما أودعت من المال والمتاع، ولكنها لم تؤت تلك الثمار لانعدام الإخلاص والنزاهة، فعندما تقرر إرسال جيش جديد لتعزيز الجيش الضارب، وضع على رأسه الشريف محمد المراني، وهو كأخيه يصلح للتوسط والتفاوض ولا يصلح لقيادة الجيوش والتخطيط للانتصار في الحروب، ثم إن القيادة لم تكن موحدة فكان كل واحد من القواد الثلاثة (مولاي الكبير، وعبد السلام والمراني) يصر على أنه مستقل على الآخرين ويصرح بذلك علنا أمام ضباط محلته وضباط المحلات الأخرى، ولقد حدث القائد الناجم الخصاصي، وهو من الضباط الذين شاركوا في قمع فتنة أبي حمارة من بدايتها إلى نهايتها، أن القواد الثلاثة كان كل واحد منهم يطلق على انفراد في شهر رمضان مدفع الإمساك والإفطار في المحال المجتمعة في مكان واحد إشعارا بأنه صاحب الأمر والنهي دون صاحبيه، ثم عززت الجيوش الثلاثة بجيش رابع هو جيش الحوز، الذي وضع على رأسه القائد الشهير عيسى بن عمر العبدي، أشأم من عرف المغرب من القواد في هذا القرن وأقساهم قلبا، فكانت نتيجة الخيانات واختلاف الآراء وتعدد القيادات، انهزام تلك القوات جميعها أمام أتباع الدعي الفتان)).
بوحمارة يطالب بالاعتراف الدولي
ماذا يطلب زعيم حركة انفصالية ممن يحاربهم أكثر من هذا التفسخ وهذا الانحلال؟ وماذا يمكن أن ينصحه به محركوه غير البحث عن سند دبلوماسي دولي ؟
لقد كان الوضع في العالم آنذاك على المستوى السياسي أشبه بما هو عليه الآن.. حركات انفصالية تستغل ضعف الأنظمة، فتسجل بعض الانتصارات ثم تتوجه بالدعوة إلى الرأي العام الخارجي للاعتراف بها.
وبعدما حصل بوحمارة على اعتراف فرنسا ودعمها المادي والعسكري، وكانت فرنسا قد قطعت شوطا بعيدا في مناوراتها بإمضاء اتفاقية الجزيرة، سارع بوحمارة إلى الكتابة إلى الدول الأحد عشر الموقعة على عقد الجزيرة يطلب اعترافها، كما أوفد بعثة ود وصداقة إلى الخليفة العثماني.
لكن بوحمارة هزم على الواجهتين، فلا دول الجزيرة الخضراء ردت على كتابه، ولا الخليفة العثماني استقبل وفده، وإنما تعرضت جماعة من قطاع الطرق الأتراك للوفد البوحماري ونهبوه وعروه من ثيابه وتركوه ضائعا في متاهات الأناضول.
بوحمارة والفضيحة الأخلاقية
هزيمة أخرى تعرض لها بوحمارة على مستوى الرأي العام، إذ تم تهزيئه وأصبح موضع السخرية و”التقشاب”، حينما ذهب به غروره وسفاهته إلى البدء في انتهاك أعراض العائلات وانتزاع بنات الأسر العريقة بالقوة، وتناسى أن كل حكم يقوم على الفساد والفجور لا بد وأن يؤول إلى الزوال.
وذات يوم، أعجب ببنت أحد قواد تازة، الحاج حمادة البوزكاوي، فبعث وفدا لكتابة العقد وإحضار البنت، وكان وفد الخطوبة يضم خيرة ما عنده وما حوله من انتهازيين، ووصل الوفد على عشرات البغال المحملة بالهدايا يتقدمها الوزير الأول والوزراء والأعيان، ووسط الطبول والزغاريد وصلوا لبيت القائد البوزكاوي الذي كانت التقاليد تقضي بأن يدعو أعضاء الوفد لدخول الحمام البلدي لإزالة أثار العياء، والاستعداد للاحتفال، ولبس ما حضره لهم من ألبسة جديدة، وعندما دخل الوفد بمن فيهم الصدر الأعظم وتعروا من ثيابهم، خرجت لهم جموع أعوان القائد بالرماح والسيوف وعملوا فيهم مجزرة في دهاليز الحمام، مات فيها كل أعضاء الوفد ولم ينج إلا أحد المقربين لبوحمارة، وهو القائد مزيان الزهراوي، والد المرحوم المارشال مزيان.
وكان لهذه الحادثة وقع مريع على بوحمارة، وعلى سمعته وأخلاقه(…)، وكانت تلك بداية نهايته.
طبيب فرنسي خاص لبوحمارة
ومن مظاهر التعاون الفرنسي البوحماري التي كان الكل يحرص على إخفائها، ذلك التحرك الإنساني العاطفي الذي هز الضمير الفرنسي يوم أصيب بوحمارة بطلقات نارية في معركة احتلاله لمدينة وجدة، فهبت الحكومة الفرنسية وبعثت له من وهران الدكتور جيور كـ”طبيب خاص للحرص على حياة الرجل الذي قد يضع موته كل مخططات المخابرات الفرنسية في حالة احتضار”، وكانت مساهمة إسبانيا في “العملية الإنسانية” بأن تكلفت بنقل الدكتور الفرنسي من وهران عبر مليلية وإيصاله إلى مقر بوحمارة.
وكان بوحمارة في تلك الأثناء قد اختار سلوان، المطلة على البحر، عاصمة له، بينما كان المهندسون الفرنسيون منكبين على وضع اللمسات الأخيرة لتصميم بناء عاصمته الجديدة، مدينة المحمدية، على الموقع الجميل الواقع بين سلوان والشاطئ.
يبنون له عاصمة في وقت لم يكن للسلطان مال يقوت به جوع عساكره، أو يدفع به أجور موظفيه، مما جعل أغلب جنوده وموظفيه يفرون إلى الجزائر، أو ينضمون لجيش بوحمارة حيث المال والسلاح.
معركة فاتح يوليوز 1905
وأصبحت حرب بوحمارة ضد السلطان المولى عبد العزيز حربا مفتوحة بين فرنسا وهي تؤيد بوحمارة والمغرب وهو يحارب بوحمارة وفرنسا، ومن بين المعارك التي كانت فيها جيوش السلطان تحارب أمامها جيوش فرنسا وضباط فرنسا، معركة وجدة في فاتح يوليوز 1905، في كدية سيدي عيسى، والتي كان فيها الانتصار لجيوش المغرب التي لما أرادت اعتقال بوحمارة لم تجد إلا الضباط الفرنسيين.
ولم يبق في القضية سر، واضطر السلطان إلى الاستعانة بالدولة الألمانية، واستدعى السفير الفرنسي وأبلغه عن استغنائه عن المستشارين الفرنسيين في القصر وعن الضباط الفرنسيين في الجيش، ولم يبتلع الفرنسيون هذه الإهانة ولا هذا الفشل الذريع لمخططهم، فضربوا على السلطان حصارا اقتصاديا وعسكريا وبعثوا بواخرهم بالأسلحة من ميناء الغزوات لبوحمارة، وجاءت البواخر الإسبانية بالأسلحة لميناء مليلية لبوحمارة.
لقد قرر السلطان طرد الفرنسيين من محيطه، وقرر الفرنسيون طرد السلطان من عرشه.



