
إن الدول صنيعة رجالاتها.. لعل ذلك ما نستخلصه من دراستنا للتاريخ السياسي والحضاري للدول، في إطار الدور التربوي والتوعوي لعلم التاريخ، فأغلب التجارب المأثورة على مر الزمن كانت شديدة الصلة في قيامها وأفولها بشخصية مركزية لا يمكن تجاوزها أثناء التقييم والبحث التاريخيين، شخصيات عادة ما توصف بالعبقرية والدهاء والتحدي رغما عن كل المثبطات والعوائق.. هذا النوع من الزعامات لا تسعى إلى الإغراق في الملذات والشهوات وتحقيق المآرب الشخصية الضيقة، مما يحشرها في نطاق – إذا جاز التعبير- “المغضوب عليهم”، وكذا “المنسيون” في التاريخ. طبعا، نحن لسنا نقصد هذا الفوج، بل نتحدث عن طائفة لا تتصارع حول السياسة والمُلك لغايات ذاتوية ونفعية، بقدر ما نلمح إلى أولئك الذين صنعوا مجد الأمم بما ملكوا من تصورات ومشاريع حضارية وأفكار والرؤية استشرافية وخصائص قيادية، ما جعل التاريخ يحرر سيرهم بماء الخلد ضمن “صناع التاريخ” و”الناجحون” و”العظماء”..

أستاذ باحث في التاريخ والفكر
الأمثلة على صناع التاريخ عديدة، نستهل بعضها بذكر شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ودوره في وضع أسس الدولة الإسلامية، وكذا السلطان العثماني محمد الفاتح الذي حقق للمسلمين حلم فتح القسطنطينية، الذي طالما جال في خاطرهم، علاوة على الآفاق التي فتحها هذا الفتح أمام العثمانيين من بعده، ومهم كذلك أن نؤكد على شخصية السلطان عبد الحميد الثاني ومحاولاته إنقاذ فكرة الجامعة الإسلامية في زمن تكالبت فيه القوى الإمبريالية على العالم الإسلامي برمته، ولعل خير من أنصف هذا الرجل واعترف بعبقريته، السياسي الألماني بسمارك، الذي قال فيه قولة مثيرة للجدل مفادها: “90 في المائة من الذكاء في رأس عبد الحميد، و5 في المائة برأسي، و5 الباقية موزعة على الباقي”، ومن التجارب المعاصرة التي يمكن أن نشير إليها في هذا الباب، الدور التأسيسي للزعيم ماو تسي تونغ، لدولة الصين الشعبية التي باتت اليوم الزعيم المفترض للعالم.
هذا الجيل من القادة، حسب التفسير الخلدوني، عادة ما يتولى أمر الدولة في بداياتها عندما تكون ما تزال على خلق البداوة والخشونة وشظف العيش، ما يجعل ولاة أمرها شديدي البأس والشكيمة، حيث يكون “همهم التغلب على الغير والذب عن الحوزة(…) ومرماهم إلى العز جميعا يستطيبون الموت في بناء مجدهم ويؤثرون الهلكة على فساده(…)” (“المقدمة” لابن خلدون). هذا المجد والمُلك الذي حصله الأولون، سرعان ما يستطيبه المتأخرون ويركنون إلى حياة والترف والنعيم وألوان الحضارة، التي باتوا يتخلقون بمشتقاتها وطبائعها. هنا يتوقف منحنى الصعود، وتبدأ شوكة الدولة تتقاعس عن الحماية والمدافعة، وتأخذ في التلاشي والاضمحلال إلى أن يذهب الله بريحها. يقول الشاعر:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
لا يخلو هذا الرأي من وجاهة في التعليل، بيد أنه يبقى نسبيا ولا يمكن تعميمه كـ”قانون” على جميع التجارب التاريخية، فثمة زعماء سياسيين ظهروا في وقت متأخر من عمر الدولة وأبانوا عن مقدرة عالية في إدارة الدولة، وبذلوا جهودا كبيرة في محاولة لإعادة الاستتباب وإنقاذها من السقوط، ولم يركنوا إلى التكاسل والراحة، نذكر منهم السلطان عبد الحميد الثاني في تركيا، والسلطان الحسن الأول في المغرب، الذي حاول جاهدا ضبط أمن البلاد حتى قيل “كان عرشه على صهوة فرسه”، ناهيك عن محاولاته الإصلاحية والدبلوماسية لمنع التسرب الأوروبي إلى المغرب في أوج الإمبريالية.
لن نجد أحسن من النموذج الأندلسي للتمثيل على نظرية ابن خلدون، حيث كانت الأندلس في عز مجدها وتماسكها كدولة واحدة موحدة تحت راية الأمويين، لكن بعد ضعف وانهيار هذه السلالة، تفرقت الأندلس بين ملوك الطوائف الذين اقتسموها شيعا وإمارات مستقلة يستعدي بعضها الآخر، وكان ديدنهم التنافس والتحاسد والتباغض والاستقواء بالآخر “المسيحي” على بني الجلدة، ثم التفنن في التلقب بألقاب في غير محلها، حتى قال فيهم الشاعر:
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد
كان هذا الحال الذي آلت إليه الأندلس (الانغماس في النعيم والمجون) إيذانا بنهاية الأندلس، وهكذا تهاوت دويلاتها تباعا كما تهوي أوراق الخريف، وبقيت غرناطة جنوبا تصارع قضاءها المحتوم.
حاول المغرب، ممثلا في شخص المرينيين، تقديم الدعم والمساندة في إطار سياسة الجهاد التي تبناها منذ المرابطين، لدرء الخطر المسيحي على ما تبقى من التركة الأندلسية، وإذا كانت الضرورة واللحظة التاريخية تحتم على بني الأحمر الاتحاد والتعاون مع المغرب لصد العدو المشترك، والاجتهاد في إدارة شؤون البلاد، فإن ما أظهره ملوك بني الأحمر من تهاون وانسياق وراء النساء وغدر وسذاجة… إلخ، قمين بأن تكال لهم تهم الخيانة والتخلي والخذلان والضعف، طويتهم في ذلك طوية “المغضوب عليهم”.
فما يسترعي الانتباه في إطار الحديث عن المملكة الأحمرية أو غرناطة، هو أن بني الأحمر ورثوا تركة ملوك الطوائف في سياستهم الخارجية بما تتميز به من مكر وخداع ومحالفة العدو، وهذا ما نلمسه في علاقة بني الأحمر “حكام غرناطة” بالمغرب، فقد كان بنو الأحمر ينظرون للمغرب بوصفه الخطر الذي يهدد مصالحهم وكرسي ملكهم، وعندما نفذ المرينيون أول عملياتهم الجهادية بالأندلس، تسربت الظنون والشكوك إلى بني الأحمر، فخشوا على ملكهم وشبهوا مصيرهم بمصير المعتمد بن عباد مع يوسف بن تاشفين.
وفي محاولة للحيلولة دون حصول هذا التوقع، نهج بنو الأحمر سياسة ”التشغيب” على المغرب، من خلال إثارة رؤوس الفتنة داخل المغرب لشغل المرينيين عن العبور للأندلس، كما تم الاستيلاء على المراسي الأندلسية التي كانت في حوزة المرينيين، بمداخلة بني الأحمر الطاغية في شأنه وإيصال يده بيده وحبله بحبله.
ولم يكتف بنو الأحمر بذلك، فقد فطنوا إلى استغلال جماعة الأعياص أو ما يعرف بـ”مشيخة الغزاة” المتواجدة بالأندلس، فكانت تسرح أحدهم، حسب مقتضى الضرورة، وتظاهره على الثورة والمطالبة بالملك. في هذا الصدد، تم بعث موسى بن السلطان أبي عنان، مستغلا خروج أبي العباس في حملة على تلمسان، الذي استطاع الاستيلاء على فاس، وكانت هذه الخطة مراهنة رابحة أثمرت استتباع سبتة كولاية غرناطية، ومن جهة أخرى، تحالف بنو الأحمر مع ملك قشتالة، وأرسلوا إلى يغمراسن بني زيان – عدو المرينيين- يخطب انضمامه إلى هذا الحلف، لقطع الطريق على الجهاد المريني بالأندلس.
الواقع أن سياسة غرناطة لم تكن ثابتة واضحة المعالم، بل كانت تتبدل بين الحين والحين بحسب المتغيرات والمستجدات، فعندما يهددها العدو ويتحرش بمجالها تهرع إلى إيفاد الوفود إلى الدولة المرينية/ المغرب، متملقة إياها بالكلام المزخرف ومدح ملوكها، ثم إذا دفعت عنها هذه الأخيرة شر الطاغية وهجوماته، عادت لدسائسها وسياستها المناوئة للمرينيين حتى أنها استطاعت انتزاع كل الحصون التي بحوزة المرينيين، وصارت تهددهم في عقر دارهم من خلال زعزعة الاستقرار بالمغرب.
أدرك السلطان أبي عنان جيدا تبعات هذه السياسة، فجنح إلى عقد حلف مع ملك أراجون (بيدرو الرابع) ردا على الحلف القشتالي – الغرناطي المذكور، ورتب له هدية قوامها فرس أدهم من مقرباته بمركب ولجام ذهبيين ثقيلين، إلا أن المنية أدركته دون تحقيق هذا الطموح.
هكذا يبدو أن غرناطة تبنت سياسة خارجية تتراوح بين سياسة التحالف والتقارب وسياسة القطيعة، مما جعل مواقفها متناقضة تبعا لمنطق البراغماتية، حيث أنها كانت تتبدل وتتغير باستمرار، تماشيا مع الظروف والسياقات التي تمليها متغيرات الوضع الخارجي، فتارة تتقرب من المغرب ضد قشتالة وأراجون، وأحيانا أخرى تتحالف مع قشتالة على أراجون، وهكذا دواليك، ولا غرو، فقد عودنا ملوك الطوائف على مثل هذه السياسات في سبيل الحفاظ على ملكهم المهزوز.
ومعلوم أن النساء كانت لهن حظوة في بلاط ملوك الطوائف، الذين ارتموا في أحضان النسوان، وانغمسوا في حياة المجون والشهوات، وصاروا أسارى في يد النساء والجواري المستكثرات، فاستغلت النساء هذا الوضع كنقطة ضعف، واحتدم التنافس بينهن لفرض رأيهن وطموحاتهن السياسية على ملوك الطوائف.
وفي هذا السياق، شهدت غرناطة حرب أقطاب بعد إقصاء واعتقال أبي الحسن (ملك غرناطة) لزوجته عائشة الحرة وولديها، والسبب في ذلك أن “ثريا” زوجة السلطان الأخرى (وكانت امرأة رومية جميلة)، أوغرت صدر الملك على عائشة وابنيها وأرادت أن تكون ولاية العهد من نصيب ولدها يحيى، فانقسم المجتمع الغرناطي بين مؤيد لثريا ومناصر لعائشة، وقد نجحت هذه الأخيرة في حشد دعم وتعاطف الشعب الغرناطي مع قضيتها، ففر السلطان إلى مالقا عند أخيه المعروف بـ”الزغل”، فيما نصب ابن عائشة أبو عبد الله الصغير ملكا على غرناطة عن عمر 25 عاما.
تعرض أبو عبد الله الصغير للأسر في إحدى معاركه ضد النصارى، ووقع معهم معاهدة صلح وسلام كانت بمثابة السم في الدسم، وبالفعل، تم إطلاق سراحه، ودخل الملك الصغير، بمباركة وتأييد من النصارى، في حرب ضد عمه “الزغل” الذي تولى العرش أثناء سجنه، فعادت الحرب الأهلية مرة أخرى لتستنزف ما تبقى من قوة وصمود غرناطة الآيلة للسقوط.
هنا تحرك الزحف الكاثوليكي لتطويق غرناطة، وبدأت الثغور تنهار الواحدة تلو الأخرى، حيث سقطت مالقا عام 1478م، وتبعتها ألميريا عام 1490م، ولم يرض “الزغل” الحال الذي تطورت إليه الأحداث، فهاجر إلى المغرب، أما أبو عبد الله الصغير، فقد أصابه الغبن والحسرة على ثقته في وعود الكاثوليك، عندما بعثوا وفدا يطالبون بتسليم غرناطة، وبالرغم من قرار المقاومة الذي اتخذه الصغير والاستماتة التي أظهرها الغرناطيون دفاعا عن مدينتهم، فإن طول مدة الحصار الكاثوليكي كانت له تداعيات سلبية على الوضع المعيشي والصحي بالمدينة، ومن ثم على المواقف والنفسيات.
كانت سنة 1492م نهاية لتجربة حضارية فريدة عمرت لثمانية قرون، وكان التسليم والتنازل على يد أبو عبد الله الصغير، الذي ستلازمه الهزيمة والسخرية والسخط والتهكم على مدار التاريخ، منذ أن مرغته أمه في تراب الذل والمهانة، في قولتها المأثورة: “ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال”.
منذ هذه اللحظة، اعتبر أبو عبد الله الصغير مثالا في صياغة خطابات النقد السياسي في التاريخ المعاصر/ الراهن، لكن، أليس من المجحف أن نتهمه بالتخلي ونسخط عليه فقط لأن آخر صفحة من صفحات الأندلس طويت في عهده؟
صحيح أن هذا الأخير كان قليل الخبرة والحنكة السياسية، وارتكب أخطاء فادحة عجلت بسقوط غرناطة، غير أنه لا ينبغي أن نحمله وزر انهيار صرح حضاري بكامله، لأن هذه مسؤولية يتقاسمها جميع من سبقوه من الملوك الضعاف، أضف إلى ذلك أن سقوط غرناطة كان حتمية تاريخية فرضها السياق الدولي آنذاك، ومنطق سير الأحداث.



