تاريخ

تاريخ | الجذور التاريخية لاستعمار أرض فلسطين

الربط بين الديانة اليهودية والحركة الصهيونية

وقع الشعب الفلسطيني ضحية استعمار كلاسيكي مهد لاستعمار استيطاني إحلالي، ثم احتد الصراع لتصبح فلسطين قضية كل مسلم، ومدينة القدس، كما يراها كل الدارسين والمهتمين، حاضرة في وجدان الأجيال العربية والإسلامية منذ القدم.. فقد كانت قطب الرحى لعقيدة إبراهيم التوحيدية، ومن بعدها لعقيدة المسيح عليه السلام، التي تبلورت وانطلقت من هذه المدينة المقدسة، وجعل الإسلام القدس محورا أساسيا للقداسة، كثيرا ما جارت قداسة الكعبة المشرفة ومكة المكرمة والمدينة المنورة، لذلك، فاستشراف مستقبل فلسطين يكون من خلال أشراط الساعة، لأن مدار علامات هذه الأخيرة سيكون بأرض فلسطين، وهي لعمري من بشارات الرسول صلى الله عليه وسلم البشير النذير، مما يبث روح الأمل في الأمة الإسلامية.

بقلم: ذ. الحسن العبد

    لقد ظلت فلسطين عربية منذ أن استوطنها الكنعانيون، وحسب المؤرخين والدارسين، فقد بدأت أولى الهجرات البشرية الهامة إلى فلسطين في بداية الألف الثالثة قبل الميلاد، وهي هجرة الكنعانيين الذين عرفوا باسم الأماكن التي نزلوا فيها، وبعد فترة أصبحت هناك ثلاث لغات: الكنعانية والآرامية (لغة المسيح عليه السلام) والعربية، وظلت فلسطين تسمى أرض كنعان حتى العام 1200 ق.م حينما غزتها القبائل الكريتية، ثم هجرة إبراهيم عليه السلام في الألف الثالثة قبل الميلاد، حيث هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام من بلدة أور في العراق إلى فلسطين.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد أخذت فلسطين اسمها من اسم القبيلة الكريتية الغازية، والتي اندمجت مع الكنعانيين العرب، السكان الأصليين لفلسطين، ثم بعد ذلك شهدت فلسطين سلسلة من الغزوات قامت بها القبائل الكريتية التي استقرت في شواطئ يافا وغزة، وأطلق اسم فلسطين على جميع الأراضي الساحلية والداخلية التي كان يسكنها الكنعانيون، ومع مرور الزمن، غلب العنصر الكنعاني وأصبح سكان البلاد كلهم من الكنعانيين العرب.

لقد كانت فلسطين العربية على مر الزمان، محط أنظار العديد من الأمم والحضارات التي رأت فيها أرضا مقدسة حفلت بكثير من الأحداث التاريخية والدينية، وقد شكلت أيضا جزء مهما من اهتمام المسلمين ضمن مشروع نشر الإسلام، وفتح البلدان.

لقد حاصر المسلمون بيت المقدس وتم الفتح مع القائد أبي عبيدة بن الجراح، ثم دخل الخليفة عمر بن الخطاب إلى القدس فاتحا والتقى ببطريرك القدس صفرونيوس، الذي سلمه مفاتيحها، ويكفي أن في هذه الأرض المباركة المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث المساجد التي يشد الرحال إليها، مسرى سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم الذي أمّ فيه بالأنبياء والرسل.

تتمة المقال تحت الإعلان

من خلال كل ما سبق من حقائق تاريخية، يحق لنا التساؤل المشروع: هل لليهود حق ديني وحق تاريخي في فلسطين ؟

مما لا شك فيه، وبكل تأكيد، ففلسطين عربية إسلامية، والصهاينة غاصبون للأرض مهما اختلقوا من حجج واهية، فاليهود يزعمون أن لهم حقا تاريخيا، وحقا دينيا في فلسطين، والواقع، أنهم مغتصبون لأرض غيرهم، وليس لهم أدنى حق في هذه الأرض، لا من الناحية التاريخية، ولا من الناحية الدينية، وقبل أن ندخل في مناقشة الحق المزعوم لليهود في فلسطين، نسألهم: لماذا لم يظهر هذا الحق طوال القرون الماضية؟ بل لماذا لم يظهر في أول الأمر عند ظهور الصهيونية السياسية المنظمة على يد هرتزل؟ فمن المعروف أن فلسطين لم تكن هي المرشحة لتكون الوطن القومي لليهود، بل رشحت عدة أقطار في إفريقيا وأمريكا الشمالية كذلك، ولم تظهر فكرة فلسطين – باعتبارها أرض الميعاد – إلا بعد فترة من الزمن، لذلك، فـ”الحق التاريخي” لليهود في فلسطين، محض افتراء،

فمناطق أخرى غير فلسطين اقترحها المفكرون الصهيونيون للهجرة إليها،

تتمة المقال تحت الإعلان

ولقد حاول هرتزل الحصول على مكان في الموزمبيق وفي الكونغو البلجيكي، وكذلك كان زملاؤه في إنشاء الحركة الصهيونية السياسية، فقد كان ماكس نوردو يلقب بالإفريقي، وحاييم وازيمان بالأوغندي، كما رشحت الأرجنتين عام 1897 وقبرص عام 1901، وسيناء في 1902 ثم أوغندا مرة أخرى في 1903 بناء على اقتراح الحكومة البريطانية، ولهذا أصيب تيودور هرتزل بخيبة أمل كبيرة، لأن اليهود في العالم لم ترق لهم فكرة دولة يهودية سياسية، سواء لأسباب إيديولوجية أو لأنهم كانوا عديمي الرغبة في النزوح عن البلاد التي استقروا فيها، بل إن مؤتمر الحاخامات الذي عقد في مدينة فيلادلفيا في أمريكا في أواخر القرن 19، أصدر بيانا يقول: “الرسالة الروحية التي يحملها اليهود تتنافى مع إقامة وحدة سياسية يهودية منفصلة، وإزاء هذا فكر هرتزل في طريقة يواجه بها هذا الوضع، وهداه تفكيره إلى أن يحول الموضوع إلى قضية دينية يلهب بها عواطف جماهير اليهود، ورأى أن فلسطين هي المكان الوحيد الذي يناسب هذه الدعوة الجديدة، ولليهود بفلسطين علاقة تاريخية، وبالطبع ليس حقا تاريخيا، ولهم فيها مقدسات دينية (معابد عادية كغيرها من المعابد في العالم)، لذلك ارتفعت راية الدين على سارية المشروع والتهبت العواطف، وانتصر رأي هرتزل ولو بعد وفاته، حيث احتضن المؤتمر اليهودي العالمي فكرة الوطن اليهودي في فلسطين سنة 1905، أي بعد موته بسنة.

يؤكد كل الباحثين، أن فلسطين ظلت خاضعة للإمبراطورية العثمانية حتى سنة 1920، وهي السنة التي فرض فيها الانتداب الانجليزي الذي تحالف مع الحركة الصهيونية لإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، إذن، ما جذور القضية الفلسطينية؟ وما أشكال التمركز الصهيوني بفلسطين وردود الفعل الفلسطينية؟

لقد تبلورت الصهيونية على يد عدد من المفكرين اليهود، أمثال ليون بنسكر، الذي كان من أبرز الداعين إلى عقد المؤتمر الصهيوني العالمي في بازل بسويسرا سنة 1897، وكان من أخطر مقرراته الإعلان أن “الحركة الصهيونية تعتبر حركة سياسية ذات إيديولوجية استعمارية واستيطانية وتوسعية هدفها إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين”، كما أعلن هرتزل بعد مؤتمر بازل عن دعمه لتأسيس دولة لليهود على فلسطين (أرض الميعاد)، بالإضافة إلى تصريح كامبل بانرمان سنة 1907 حول “ضرورة خلق كيان صهيوني غريب وسط العالم العربي لضرب السيادة العربية”، وليس هذا فحسب، بل أصدر بلفور وعدا للزعماء اليهود (وعد بلفور سنة 1917) يتعهد فيه بأنه سيبذل قصارى جهوده لتحقيق أطماع الصهاينة في فلسطين، ومن أجل تحقيق أطماع اليهود، عملت الحركة الصهيونية على إنشاء مؤسسات وأجهزة إدارية، اقتصادية وعسكرية منها: المصرف الاستعماري اليهودي 1898 (نفقات الخدمات العامة)، الصندوق القومي اليهودي 1901 (شراء الأراضي)، مكتب فلسطين 1908 (استعمار الأراضي وتوطين اليهود)، الصندوق التأسيسي 1917 (جمع التبرعات وتمويل الهجرة)، الميليشيات العسكرية (حفظ أمن اليهود)، الوكالة اليهودية 1929 (الإشراف على تنظيم الهجرة والاستيطان).

تتمة المقال تحت الإعلان

وبطبيعة الحال، فإن دور الانتداب البريطاني في بروز القضية الفلسطينية كان كبيرا، حيث تحملت بريطانيا على عاتقها مسؤولية دعم اليهود من خلال قبول مشروع الانتداب المشروط بتوفير الأرضية المناسبة لخلق دولة إسرائيل على حساب استقلال فلسطين، بعد فرض الانتداب الانجليزي بموجب مؤتمر سان ريمو 1920، فحصلت بريطانيا على امتيازات، كما التزمت بـ”حق التدخل الإنجليزي في التشريع والإدارة الفلسطينية”، و”ضمان إنشاء وطن قومي مقابل دعم اليهود للإنجليز ضد الفلسطينيين خلال فترة الانتداب”، ثم “توسيع مهام الوكالة اليهودية لتشمل تدبير بعض الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وتشجيع الاستيطان في فلسطين عن طريق دعم الهجرة”.

وبعد مرور أكثر من 15 عاما عن الانتداب الإنجليزي، قررت “لجنة بيل” اقتراح مشروع تقسيم فلسطين المحتلة إلى ثلاثة مناطق: دولة اليهود في الضفة الغربية، منطقة تحت إشراف بريطانيا (القدس ويافا والناصرة)، ودولة فلسطين فيما تبقى من الأراضي.

وبعد نهاية الانتداب البريطاني في فلسطين سنة 1948، دعمت هيئة الأمم المتحدة مطالب الصهيونية وتم الإعلان عن دولة إسرائيل بتاريخ 14 ماي 1948.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا تعددت أشكال التمركز الصهيوني بفلسطين ليسيطر اليهود على كافة الأنشطة الاقتصادية فور وصولهم إلى أرض الميعاد، وقد تمثل التمركز البشري في انطلاق وفود اليهود المهاجرين من مختلف دول العالم منذ أواخر القرن 19، واستمر ارتفاع المهاجرين إلى أن بلغ أقصاه سنة 1939 بـ 239100 يهودي بسبب الاضطهاد الذي عانوه من طرف الأنظمة اليمينية المتطرف (النازية) في أوروبا، أما التمركز الاقتصادي، فيبرز في سيطرة اليهود على الاستثمارات الصناعية والأجور المدفوعة، ومناصب الشغل، وكذا هيمنتهم على الأراضي الفلاحية الخصبة بسب الإجراءات القاسية لهربرت صمويل (المندوب البريطاني في فلسطين) والتي أرغمت الفلسطينيين على بيع أراضيهم الزراعية، فيما تجلى التمركز العسكري في إنشاء منظمات إرهابية لترهيب الفلسطينيين وضمان أمن اليهود (الهاغانا، أركون، الهستدروت وشتيرن…)، لكن الدارسين لقضية فلسطين وتاريخ المقاومة الفلسطينية، يؤكدون على رد الفلسطينيين عن المعمر البريطاني والأطماع الصهيونية بالمقاومة المسلحة والاشتباك مع الأعداء، وكانت الردود تتأرجح بين العفوية خلال المرحلة الأولى والتنظيم خلال المرحلة الثانية، فالمرحلة الأولى (1917-1935) تميزت بكونها عفوية ومحلية وضعيفة التنظيم وقصيرة زمنيا، وكانت الردود على شكل احتجاجات ومظاهرات، وعقد مؤتمرات، وكذا تقديم عرائض ومذكرات والدخول أحيانا في اشتباكات عابرة (أحداث القدس 1920، أحداث يافا 1921، أحداث البراق 1929)، والمرحلة الثانية (1935-1948) هي مرحلة الدفاع عن الوطن، والتي تزعمها عز الدين القسام سنة 1935، كما تشكل الوعي بأهمية المقاومة المسلحة، إذ اندلعت الثورة الكبرى (1936-1939) وكبدت المستعمر خسائر مادية وبشرية، بالإضافة إلى تنظيم إضرابات طويلة الأمد تجسدت في مقاطعة المنتجات الإنجليزية ورفض الالتحاق بالعمل في مؤسسات الانتداب، بالإضافة للحروب العربية والإسلامية المتعددة كحرب 1967 وحرب 1973… وهو ما يصطلح عليه بالصراع العربي الإسرائيلي.

وقد عملت الكثير من الدول العربية منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، على اتخاذ عدة مبادرات للسلم مع الإسرائيليين، نتيجة الإخفاقات والهزائم، بما فيها فلسطين، انتهت بعضها إلى التطبيع في مستهل هذا القرن، وفي السنين الأخيرة،

فما هو مستقبل هذه الأرض المغتصبة؟ قال الله تعالى: ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)) (سورة القصص، الآية 5).

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى