تاريخ

تاريخ | مذكرات سفير مغربي في ضيافة إسطنبول العثمانية

ظل الآخر/ الغير حاضرا بقوة، صراحة أو ضمنا، في خطابات وذاكرة المجتمعات على الدوام، وفرض سطوته على تفكيرها وتصوراتها وسلوكياتها، بل كان المحدد والموجه لها أحيانا كثيرة، فتأرجحت العلاقة بين الذات والآخر، بين التقبل والرفض، والسخرية أحيانا.

نظرة الذات للآخر، تعتمد على معايير ومحددات تحدد مسافة الاقتراب أو البعد من الآخر، وطبيعة العلاقة معه، والموقف منه، كالعقيدة والعرق واللغة والثقافة والانتماء الاجتماعي… إلخ، وعادة ما ينظر للآخر بوصفه الأجنبي الغريب والعدو القابع خلف الحدود المختلف عن الذات في الدين والعقيدة، لكن الأمر ليس كذلك البتة، فالآخر قد يكون بين ظهرانينا وتجمعنا به مشتركات عدة، قد يكون الزوجة أو الصديق، كما قد يكون المسلم العربي أو الصيني أو التركي، وهو ما سنتناوله في هذا المقال.

بقلم: ذ. محمد جباري
أستاذ باحث في التاريخ والفكر

    لقد سعت تركيا، في إطار مشروعها الاستراتيجي، إلى توظيف السينما والدراما كأداة من أدوات “القوة الناعمة”، من أجل الترويج لنفسها ولثقافتها لدى العالم، ولاسيما لدى المشاهد العربي تحديدا، وبالفعل، فقد لقيت الدراما التركية إقبال واهتمام التلفزيون العربي، الذي اجتهد في نقل وعرض المسلسلات التركية المدبلجة، والتي عرفت استحسانا كبيرا من قبل العرب، وحققت نسب مشاهدة عالية جدا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا كانت المسلسلات التركية اليوم، كظاهرة ممتدة في العالم العربي، قد مكنت المشاهد العربي عامة والمغربي خاصة، من التعرف وملامسة بعض ملامح الثقافة والحضارة والجغرافيا التركية، فإننا سنسعى في هذه الورقة، إلى تناول صلة المغاربة بالثقافة والحضارة التركية العثمانية وفق مقاربة تاريخية، تعتمد الرحلة كوثيقة تاريخية وأنثربولوجية وإثنوغرافية، ووسيلة للتواصل السياسي والدبلوماسي والثقافي والروحي بين الدول والشعوب، قبل بروز الحداثة والعولمة ووسائط التواصل الحديثة، ذلك أن معرفة المغاربة بهذه الثقافة، لم تكن تتعدى العلاقات السياسية والدبلوماسية المحدودة التي لم تتجاوز منطق الظرفية، من خلال استقبال الوفود العثمانية الرسمية، الحاملة لمقترحات ومشاريع سياسية مشتركة مع السلاطين السعديين، أو التهنئة بمناسبة الانتصار على الخصوم الكفار كما حدث في معركة “وادي المخازن” عام 1578م، عندما حل وفد عثماني يحمل رسالة تهنئة إلى السلطان أحمد المنصور الذهبي بمناسبة الانتصار الكبير على الإمبراطورية البرتغالية، لذلك، فإن سفارة التمكروتي إلى الباب العالي، كانت فضلا عن مهمتها السياسية والدبلوماسية، محاولة لتغطية هذا النقص المعرفي للمغاربة بجيرانهم الأتراك، من خلال تسليطه الضوء على جوانب ومظاهر عديدة من البلاد والثقافة التركية العثمانية، في رحلته المسماة “النفحة المسكية في السفارة التركية”.

التمكروتي.. سفيرا إلى إسطنبول

    صاحب الرحلة هو علي بن محمد التمكروتي، نشأ في منطقة تمكروت بوادي درعة في الجنوب الشرقي للمغرب، وهو سليل عائلة معروفة بالعلم والصلاح، وكان والده من العلماء وأولياء الله المتقين، وعمه من رجالات التصوف، وكذلك أخوه محمد كان فقيها صوفيا عارفا بطرائق التدريس وشؤون البلاد الإسلامية. كل هذه المؤهلات جعلت السلطان عبد الغالب (السعدي)، يعين هذا الأخير سفيرا سنة 1572م، لدى السلطان سليم الثاني، مما يظهر أن عائلة التمكروتي كانت معروفة وتحظى بمكانة متميزة لدى البلاط السعدي كعائلة توكل إليها مهام دبلوماسية بين المغرب والدولة العثمانية، وتجدر الإشارة إلى أن التمكروتي استفاد كثيرا من الشهادات والمعلومات التي دونها أخوه عقب سفارته إلى إسطنبول، قبل انطلاق رحلته عام 1578م على عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي.

تتمة المقال تحت الإعلان

خلفيات ودواعي الرحلة

    شكل تأزم العلاقة بين البلاط السعدي ونظيره العثماني، بفعل الأسلوب المتسم بالتراخي الذي قابل به السلطان أحمد المنصور الذهبي المقترحات العثمانية، هوة أمام مصير المغرب ووحدته الترابية، ونظرا لحنكة السلطان المنصور الذهبي ودبلوماسيته المتفردة في التعامل مع المتغيرات الدولية آنذاك، فقد استقرت ملكته على ترتيب سفارة برئاسة التمكروتي، حملها رسالته وهداياه للسلطان العثماني مراد الثالث، في محاولة لإثناء الباب العالي عن خطته في الإجهاز على المغرب أسوة بجيرانه في الشمال الإفريقي، وللإشارة، فإن السفارة تنتمي للقرن 16، حيث وقعت بالضبط سنة 1589، وكانت السفارة قد عرجت أثناء رحلتها إلى القسطنطينية/إسطنبول، على عواصم شمال إفريقيا كمحطات للاستراحة والتزود بالمؤونة، وقد أبدى التمكروتي، وهو في طريقه إلى إسطنبول، رفضه وامتعاضه من النظام السياسي العثماني، لقاء ما شاهده في هذه المناطق من انتفاضات في طرابلس والقمع العثماني العنيف لها، وهي أحداث جلعت التمكروتي يصرح بأن شعوب هذه المناطق تتطلع إلى المغرب واستعدادها للدخول تحت سلطة الشرفاء السعديين، للتنعم بالسلم والمساواة والخيرات إلى جانب إخوانهم المغاربة.

إعجاب ودهشة وانبهار بدار الخلافة العثمانية

تتمة المقال تحت الإعلان

    منذ حلوله ببلاد الأتراك، اجتهد التمكروتي في نقل ووصف عوائد الأتراك وسلوكهم اليومي وكل ما يلفت النظر في الحياة التركية.. لقد وقف مشدوها أمام العاصمة القسطنطينية (إسطنبول)، فهي مدينة عظيمة قاهرة من أعظم مدن الدنيا وأشهرها، فكيف لا تنعت بهذا الوصف وهي التي ربطتها الأحاديث النبوية بالجنة حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم))، ولم يفت التمكروتي الوقوف على شساعة المدينة، وكثرة الأبواب والعمارة والمساجد والأسواق والحمامات والفنادق، ولأن البحر يطوق المدينة من جهاتها الثلاث، فقد شد انتباه التمكروتي مرسى المدينة، الذي يعج بأصناف السفن، فهي، كما قال السفير، بمثابة الدواب في التواصل وقضاء حوائجهم اليومية، فكان أن شبهها بالنمل، بيد أن دهشته ستكون أكبر حين وقوفه على معمار جامع “آية صوفيا”، فهذا البنيان لا يحيط به الواصف ولا يدرك إلا بالمشاهدة، ولما عجز لسان السفير عن التعبير والوصف قال: “ليس الخبر كالمعاينة”، بل إن دهشة واستغراب السفير من هذه المعلمة الحضارية أدت به إلى الحد الذي شبهها بصناعة الجان، كما يذكر الكاتب أن محاولة الأتراك مضاهاة هذا الجامع ببناء جامع السليمانية باءت بالفشل.

وقف التمكروتي أيضا عند بعض عادات السلطان العثماني مراد الثالث، كزيارته لقبر أبي أيوب الأنصاري، الذي يعد من بين الأماكن المقدسة والمزارات عند الأتراك عامة، حيث يتهافت الناس على زيارته، بينما يتنافس كبار رجالات الدولة، على شراء مواضع للدفن بجانبه، ولذلك لم يُفوِّت أعضاء السفارة المناسبة للتبرك بهذه المزارة الشهيرة عند الأتراك، ومما تجدر الإشارة إليه، أن أيوب الأنصاري هو أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، توفي أثناء المحاولات الأولى للمسلمين لفتح القسطنطينية عام 670، ويسود اعتقاد بين الأتراك بأن الحج لا يكتمل إلا بزيارة ضريح هذا الصحابي، بل إن هذا الأخير تحول إلى وسيلة يستخدمها السلاطين لاكتساب شعبية في البلاد، ومنهم من جعل زيارته عادة سنوية، وكذا إبان القيام بحملات عسكرية، مثلما عند سليمان القانوني، الذي تبرك به قبل شن حملتي بلغراد 1521، وموهاكس 1526، ومن جهة أخرى، يتحدث السفير عن وجود قصر في السليمانية، يتم فيه تعليم بنات “الكفار” آداب القصور تحت إشراف نساء أمينات، وكلما تعلمت واحدة منهن، ترفع لقصر السلطان.

أما على مستوى المعمار التركي، فيشير الكاتب إلى أنه يشيد بالخشب، ويربط ذلك بوفرة هذه المادة ببلاد الأتراك، ومن تم يرى السفير أنها (أي منازلهم) ضعيفة ومعرضة للنار، وفيما يخص المناخ، فإن هذه البلاد شديدة البرد، مما يستدعي مداومة إيقاد النار طيلة فصل الشتاء، ولعل ذلك ما يفسر طغيان مادة الجلد على مكونات لباس الأتراك، حسب التمكروتي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعند زيارته لأحد بيوتات الأتراك، وهو بالمناسبة منزل وزير السلطان، وجد أن الأتراك لا يبالون بقيمة المفروشات الثمينة والمذهبة.

الجانب الديني هو الآخر كان حاضرا في مشاهدات السفير، فأشار إلى سيادة المذهب الحنفي عند الأتراك، بينما مذهب مالك غير معروف عندهم، وأن خطبة الجمعة عند الأتراك قصيرة وفصيحة، حيث أبدى إعجابه بطريقة صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يلتفت الخطيب عند صلاته على النبي إلى يمينه من الناس ويصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة بليغة بصوت جهير حنين بخشوع وخضوع، ثم يعود فيلتفت نحو اليسار، أما أثناء دعائهم للسلطان، فيخفضون صوتهم.

ومما استرعى انتباه التمكروتي، حرص الأتراك على الدنيا، فالطمع يحملهم على القيام بأي شيء يطلب منهم ولو كان ذلك مقابل فلس واحد، الأمر الذي أدى بالسفير للقول أن الأتراك فاقوا الأمم الأخرى في حب وجمع زينة الحياة الدنيا، أي المال، وفوق هذا وذاك، يبقى الأتراك، حسب التمكروتي دائما، معظمون للدنيا ويعرفون قدرها، فتراهم يتمتعون بها باللباس الرفيع والأكل الموسع.

تتمة المقال تحت الإعلان

علاوة على ذلك، فقد صرح سفيرنا أن الأتراك أشد إقبالا في زواجهم على المملوكات، وأزهد الناس في الإقبال على الحرائر وطلب الأولاد.. إن المماليك يتمتعون بمكانة خاصة ومتميزة، فالسلطان لا يزوج بناته إلا لمماليكه، الذين يتكون منهم جيش السلطان وحاشيته وموظفو إدارته ومدبرو شؤون الدولة، لكن الغريب هنا، هو عدم السماح للجنس التركي بالانخراط في الجيش العثماني، فالأتراك ينحصر دورهم الوظيفي في ممارسة مختلف الأنشطة الحرفية، وغيرها من الأعمال الحرة.

حينما آن موعد استقبال السلطان العثماني للسفارة المغربية-السعدية، استأنف التمكروتي وصف مشاهداته، فأخبرنا أن أيام السبت والإثنين والأربعاء، تعتبر أيام الديوان، حيث تجتمع النخبة العثمانية من وزراء وقضاة وكتاب وأمناء وكبار الجيش، حتى يستقبلهم الوزير الذي يتولى قضاء مآربهم، في البداية، يؤذن لقاضيين اثنين بالدخول على السلطان، وهم “قاضي الرملي”، وهو المشرف على العدوة المتصلة بالنصارى إلى الأندلس، و”قاضي ناضولي”، الذي يشرف على العدوة المتصلة بالشام ببر العرب، ويحتل القاضي الأول مكانة أرفع من القاضي الثاني، ولم يخف التمكروتي إعجابه بآداب هؤلاء والاحترام الذي يميزهم، فمدحهم قائلا: “يتقدم قاضي الرملي ويتبعه قاضي ناضولي وراءه لا يساويه في المشي، بل يتأخر وراءه، وإن ساواه فقد أساء الأدب”، ويسري هذا “القانون” على كافة الحاشية، مما حمل سفيرنا على القول: “ما رأيت من يراعي حرمة الأدب ويحافظ عليه مثلهم”، فكل فرد منهم يلتزم أثناء تكلمه مع السلطان بالمسافة المخصصة لذلك ولا يتعداها، وعند حديثهم مع السلطان، يتخذون هيئة وضع اليد فوق الأخرى، كما يذكر السفير أن السلطان العثماني يحظى بمكانة رفيعة في نفوس الأتراك، حيث يكنون له محبة عظيمة، فإذا أكلوا طعاما يدعون للسلطان ويطلبون من الله صلاحه وبقاءه.

على ضوء ما سبق، يتبين أن السفير التمكروتي استطاع أن يضمن كتابه معطيات ومعلومات وافرة عن حضارة وثقافة الأتراك، في مختلف جوانبها وعوائد أهلها، وبذلك كانت رحلته بمثابة الوصف الإثنوغرافي، ومصدرا تاريخيا وأنثروبولوجيا مهما، يمكن الرجوع إليه لاكتشاف بلاد الأتراك التي نالت إعجاب وانبهار النخبة المغربية إلى الحد الذي قال فيها التمكروتي: “هنيئا لمن بهذه البلاد من المسلمين”.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى