تاريخ

تاريخ | بين الملك محمد السادس والسلطان محمد الثالث

من خلال البحث في بعض صفحات تاريخ المغرب، سواء من منطلق الاستزادة المعرفية الشخصية، أو بغاية البحث العلمي لمحاولة البحث في الباراديغمات والتصورات المستمدة من التاريخ، لفهم وتفسير بعض سلوكات الدولة أو بعض مواقفها وسياساتها، أو لمحاولة النظر في إمكانية وجود نموذج قوة وتطور ربما يكون قد صنع في فترات من تاريخ المغرب ويستحق التفكير فيه لاستلهام الحاضر منه، أو من أجل العودة إلى جذور وأسس بعض المؤسسات السياسية للتفكير في مرجعيتها التاريخية، لاسيما وأننا نرصد تموقعا مغربيا جديدا على المستوى القاري والدولي، وعلى مستوى تدبير النفوذ العالمي.. لاحظت وافترضت بعين الباحث أن هناك تماثلا مع مسار الدولة المغربية في نقطة تاريخية محددة دون غيرها، قد يكون مشروع بناء الدولة الحديثة توقف عندها.

بقلم: د. إدريس بنيعقوب
باحث في علم الاجتماع السياسي

    هي بمثابة عودة إلى مسير للتاريخ كان قد انقطع وتوقف بعد وفاة المولى سيدي محمد بن عبد الله، وظهرت بعده فترات ضعف وتجاذبات داخلية وخارجية.. فقد تميزت مرحلة السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757م-1790م)، أحد أحفاد السلطان مولاي إسماعيل، والذي وصفه المؤرخون بمهندس المغرب الحديث ومجدد مجد المغرب وقوته وإشعاعه على المستوى الدولي آنذاك، (تميزت) باستكمال عدد من مشاريع القوة الدبلوماسية والعسكرية والتجارية التي كان قد أسسها السعديون، وهو السلطان الذي قال عنه بعض المؤرخين أنه كان أهم سلطان علوي معجب بسياسات وشخصية أحمد المنصور الذهبي، وأكاد أفترض وبدون مجازفة، أنه إذا كانت هناك من شخصية علوية تاريخية ألهمت الملك محمد السادس في مقارباته الحالية، فهي شخصية سيدي محمد بن عبد الله.

فلماذا سيدي محمد بن عبد الله وليس أي سلطان أو ملك آخر؟

تتمة المقال تحت الإعلان

أفترض مع مراعاة الجوانب الإبستمولوجية والحذر العلمي في التعامل مع منهج المقارنة ومع خصوصية الحقول المعرفية المتعددة، وأيضا بدون أي إسقاطات لا تستقيم مع المفارقات التاريخية والأحداث والوقائع (anachronismes)، أن زمن السلطان محمد الثالث، وحسب المؤرخين، تميز بوجود مشروع إصلاحي تحديثي قوي على المستوى الداخلي والخارجي، وأن السلطان توفق في إنجاز أجزاء عظيمة من هذا المشروع، خلافا لعدد من السلاطين الذين تولوا العرش بعده.

فمنذ ولاية السلطان المولى سليمان، ثم جميع الذين تلوه، عرف المغرب من جديد مراحل صراع حول الحكم، وصعود المواجهات الداخلية العنيفة أضعفت الدولة، كما دخل المغرب في حروب خارجية خاسرة، لاسيما مع فرنسا وإسبانيا ساهمت في إضعاف البلاد، وفي فرض إبرام اتفاقات مهينة، وتقديم تنازلات صعبة، انتهت بفرض الاستعمار الفرنسي والإسباني على المملكة، لذلك، فإنه يمكن القول أن جميع السلاطين الذين أتوا بعد المولى محمد الثالث، وجدوا أنفسهم في مواقع ضعف لسبب أو لآخر، وورثوا عن بعضهم البعض هذا الضعف، وحجما متزايدا من ابتزاز بعض الدول الأوروبية، ومساحات من التدخلات في الشأن الداخلي، مع ظهور ما افترضه بعض المؤرخين من ظهور خيانات وصراعات داخلية، لذلك، فإن إدارتهم للأوضاع اتسمت بكثير من الحذر والتوجس والتردد من اتخاذ قرارات المواجهة، والانقطاع عن أي مشاريع تنموية داخلية كبرى، وبعدم الحسم في الصراعات وبعض التنازلات المؤلمة أحيانا كثيرة، مخافة الأطماع أو الانشغال عن مراقبة الحكم أو المؤامرات..

هذا الموضوع وهذه الفرضية يحتاجان إلى دراسة علمية مفصلة، تحدد التواريخ والأحداث والأماكن والشخصيات والتماثلات العقدية التي أسست لسياسات هذين الحاكمين، وأن من بين أسباب التفكير في بناء مشروع أو نسخة أولية لهذه الفرضية، هو كون الاشتغال بالعلوم السياسية يلتقي مع علوم أخرى ومنها دراسة التاريخ، خصوصا إذا كان الهدف هو تتبع مراحل القوة والضعف والأزمات وتطور البنيات ومظاهر الصراع الداخلي والخارجي، وغيرها، لسبر أهم الخلاصات التي وضعها المؤرخون والباحثون في التاريخ، ومنطلق ذلك أن بنية اليوم وسلوكها، أو قوة اليوم وامتدادها، ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج صراعات تاريخية كثيفة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو مرتبط بتبدل أو ثبات المحددات الجيوسياسية المحيطة بالبلد.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد يطرح السؤال المنهجي والمشروع حول عناصر التشابه التي أدت إلى اختيار هذه الفرضيات، قبل أي اختيار منهجي تجريبي سابق في أعمال علمية محكمة، تؤكدها أو تفندها، لكنني أقول أن المسألة هي مسألة افتراضات، لا تتجاوز مجال اهتماماتي في المعرفة العلمية للظواهر السياسية المغربية دون مجادلة علمية لأهل الاختصاص العلمي في علم التاريخ.

مشاريع الأجوبة التي يمكنني أن أقترحها حول هذا التساؤل المشروع، حول حصر التشابه الكبير بين سياسات الملك محمد السادس وجده السلطان المولى سيدي محمد بن عبد الله دون غيره من السلاطين، وألخصها في مسارات اختبار ثلاثة:

التشابه السياسي في عناصر البيئة الداخلية

تتمة المقال تحت الإعلان

    تميز السياق الداخلي الذي تولى فيه السلطان سيدي محمد بن عبد الله الحكم، بأنه جاء بعد ثلاثين سنة من أزمة في العرش، منذ وفاة السلطان مولاي إسماعيل سنة 1727.. لقد كانت فترة تقلبات وصراعات حول الحكم، وفترة مبايعة وخلع السلاطين، ومنهم من تولى العرش سبع مرات على فترات متقطعة، هذه الفترة أنتجت انقسامات وتصدعات كثيرة، وضعف في المجتمع المغربي بين المدن والجهات والقبائل والزوايا، وتميزت أيضا بتسلط جيش البخاري، وبفترات حصار وغلاء القوت والمواجهات العنيفة.. لقد شكلت هذه المرحلة تهديدا حول استمرارية الاستقرار السياسي للنظام الملكي، لذلك أفترض أنها مرحلة تشبه الفترة التي سبقت تولي الملك محمد السادس، نظرا للتهديدات الكبيرة التي واجهها العرش في زمن الملك الراحل الحسن الثاني، من تحديات داخلية واحتجاجات ومحاولة انقلابات عسكرية ومواجهات مع الأحزاب والتيارات الدينية وغيرها، ثم احتواؤها فيما بعد في عهد الملك محمد السادس، الذي انبرى إلى تحقيق مصالحات وطنية كبرى، ثم انتشار دولي لم يعهده المغرب منذ عدة قرون.

خلال نفس ولاية السلطان محمد الثالث، تميز زمنه أيضا بالتوتر مع إيالة الجزائر حينها، لعدة أسباب، منها حسب ما قال بعض المؤرخين، أن داي الجزائر انسحب من حلف مبرم مع السلطان، كان الغرض منه طرد الإسبان من سبتة ومليلية وضمها إلى المغرب، وقال بعض المؤرخين، أن الجزائريين ومن معهم من العثمانيين انسحبوا من هذا الحلف مخافة أن يتصدر المغرب المنطقة وترتقي مكانته الرمزية والسيادية في المنطقة وأمام دول العالم والقوى الكبرى، ويبدو أن هذا المحدد النفسي لازال يحكم القادة السياسيين والعسكريين للجزائر إلى حد الآن، وقد تعامل السلطان المغربي في القرن الثامن عشر مع بعض انحرافات الجزائريين بكل هدوء، وبدون لجوء للعنف، رغم غضب الدولة العثمانية من بعض أفعال الجزائريين التي ارتبطت باعتداءات على قوافل مغربية، ويرجع المؤرخون سلوك السلطان محمد الثالث تجاه الجزائر بعدم القيام بأي عمل عدائي ضدها، أنه يعود إلى حسن نيته تجاه أهلها، وإلى الحرص على العلاقات الحسنة التي كانت تربطه بالدولة العثمانية، وأنه عندما كان يصدر عن الجزائريين تصرف مؤذي، فإنه كان يطلب من السلطان العثماني التعامل معهم نظرا لسلطته حينها على الجزائر..

وفيما يتعلق بتونس، فقد ذكر بعض المؤرخين سابقة تاريخية مهمة مرتبطة بالدفاع عن تونس، عندما قصف أسطول الملك الفرنسي لويس الخامس عشر سواحل سوسة، بتاريخ 21 فبراير 1776، حيث راسله حفيد المولى إسماعيل معطيا إياه مهلة 4 أشهر لسحب أسطوله من سواحل تونس.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد شهدنا كيف اهتم الملك محمد السادس أيضا بتونس وسافر إليها في فترة أزمة داخلية كبيرة، وفي فترة تعرضها للإرهاب، ويكاد يكون نفس الموقف من ليبيا التي سافر السلطان محمد الثالث إلى طرابلس، وكانت له علاقة طيبة مع الليبيين، لاسيما مع الأسرة القرمانلية، وكانت هناك علاقات مصاهرة بين العائلتين الحاكمتين، وأيضا علاقة نصح واستشارة مع عائلاتها الحاكمة أزعجت العثمانيين حينها.

التشابه في السياسات الداخلية 

    أفترض أن هناك خطوط التقاء حد التماثل أو المحاكاة من حيث الأهداف والغايات في عدد من السياسات الداخلية بشكل منظم وواعي ومحدد في كل المجالات، بين مشاريع سيدي محمد بن عبد الله والملك محمد السادس، ونجد ذلك في الاهتمام بالتعليم وبناء المدارس وتغيير مناهجه، وإعادة تنظيم جامع القرويين وتخصصات الدراسة فيه، وتشجيع دراسة العلوم المفيدة في الحياة على حساب تدريس علم الكلام والفلسفة وغيرهما، وإنشاء ودعم استمرار المجالس العلمية الخاصة والعامة، والاهتمام بالقرآن الكريم وبالحديث الشريف بشكل ملفت، وبالفقه ورفض الأفكار الدينية الدخيلة من المشرق، وتشييد المساجد والكتاتيب..

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي موضوع آخر، سعى السلطان محمد الثالث إلى توحيد المؤسسات الإدارية وإعادة تنظيم عملها، وعلى رأسها مؤسسة الصدر الأعظم أو الوزير الأول، ووزير البحر المكلف بالعلاقات الخارجية والتجارة، وتم تقسيم المملكة إلى 19 عمالة، وأعيد تنظيم القضاء وطرق مراقبته، كما وضع برنامج لتكوين القضاة، ونظم المالية العمومية والجبايات والتجارة الداخلية والخارجية مع الدول البحرية أو مع الدول الإفريقية، وأبرم الاتفاقيات التجارية الدولية، واهتم ببناء الموانئ وبالزراعة وبالإنتاج الفلاحي وتصديره، كما تم ضبط حركة المجتمع واندفاعاته القبلية والثقافية والدينية وتهدئة الثورات والانتفاضات، وأعيد بناء القوة العسكرية والأمنية البرية والبحرية، وأعطيت صحة الرعية ومحاربة الأوبئة مكانة خاصة، خصوصا مع عودة الطاعون في النصف الأول من القرن 18، وتم توزيع المساعدات على الساكنة في فترات الأزمات الغذائية، كما صان السلطان سيدي محمد بن عبد الله حقوق وحريات اليهود في المغرب الذين كانوا يسكنون مع باقي المغاربة ولم يكونوا ينفردون في عهده بأحياء خاصة، كما استعملهم في التجارة والبعثات الدبلوماسية بشكل لافت.

ما قام به السلطان العلوي خلال القرن 18 الميلادي، يذكر إلى حد بعيد بما يقوم به الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، في طي صفحات مؤلمة من الماضي وبداية عهد جديد، والاهتمام بالتعليم والدين والحديث والعلماء، وبصحة المواطنين وأمنهم الغذائي، وبتدعيم أسس القوة العسكرية والأمنية وتحديثها بشكل مستمر.

الترابط على مستوى تدبير العلاقات مع الدول 

تتمة المقال تحت الإعلان

    يبرز هذا الترابط بشكل جلي في وجود تشابه على مستوى الأهداف والمساعي، بين التدبير السلطاني والملكي، في إدارة العلاقات مع الدول ومع القوى العالمية، وفي دعم العمل الدبلوماسي، وفي إبرام اتفاقات مع قوى دولية في آن واحد، مع إنجلترا وفرنسا وإسبانيا والدانمارك والسويد والنمسا والولايات المتحدة الأمريكية والدولة العثمانية.. فإذا كانت أهم المواجهات والعلاقات في عهد السلطان محمد الثالث قد تركزت بالأساس في مواجهة إسبانيا وفرنسا، ومواجهة البرتغال التي طردها السلطان من البريجة، بعدما ضمن المهادنة والصلح مع فرنسا والتوافق معها، فقد عرفت العلاقات مع فرنسا في بداية عهده توترا وصل إلى درجة المواجهة العسكرية البحرية، وذلك بسبب الحصار التجاري والبحري المغربي، كما أن العلاقات مع إسبانيا عرفت فترات شد وجذب وحصار، تمكن بعدها السلطان المغربي من إبرام اتفاقات مع المملكة الإيبيرية وتحرير الأسرى، من بينهم أسرى جزائريون، كما كان هناك توجس من بريطانيا العظمى، غير أن السلطان تمكن من إبرام الصلح معها بعد فترات توتر عصيبة معها.

لقد كان تفكير السلطان متميزا، بحيث أنه اعتمد فكرة التوجه نحو المحيط الأطلسي، خاصة على المستوى التجاري، وأنشأ موانئ أطلسية وأحدث خطا بحريا مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما اعترف بها، وأبرم معها الاتفاقات، وأنه كان ذا بصيرة حيث انتبه إلى أن هذه الدولة المستقلة حديثا جدا قد تعرف صعودا كقوة قادمة، وأنه يمكن خلق علاقات معها للتوازن مع الأوروبيين، وهو يبدو نفس التوجه الذي يسير عليه الملك محمد السادس منذ توليه العرش.

وقد ازدهرت التجارة في الزمن السلطاني المذكور، سواء التجارة الصحراوية مع بلدان إفريقيا أو مع الأوروبيين، كما تعامل تجاريا مع روسيا، واقتنى بعض أنواع الأسلحة من الدولة العثمانية وفتح معها سبل التعاون رغم توجسها من إبرامه علاقات مع الإمبراطور النمساوي، أحد خصوم العثمانيين، لكنه في نفس الوقت قاطع الروس ودعم العثمانيين بعد اندلاع حرب بينهما، وهي أمور تدل على قدرة هائلة في إدارة التناقضات الدولية، وتنويع الشركاء بشكل يشبه على مستوى الأهداف والخطوات ما يقوم به الملك محمد السادس حاليا.

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أرسل السلطان محمد بن عبد الله السفارات والبعثات إلى المنطقة العربية والإسلامية، ومن أشهرها بعثات ابن عثمان المكناسي، وعلى رأسها بعثته إلى الدولة العثمانية والشام والحجاز وفلسطين وتونس والجزائر، والتي وثقها في كتاب عنوانه: “إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والخليل والتبرك بقبر الحبيب”، والذي يعد من المصادر التاريخية العالمية المهمة في وصف المنطقة والعلاقات الدولية حينها، وفي إبراز مكانة القدس.

وإذا حاولنا وضع بعض المقارنات بين ذلك الزمن وهذا، فإننا سنلاحظ أن مواجهات الملك محمد السادس الدولية، وطريقته في السعي لحسمها، أو التوافق حول المصالح مع القوى الكبرى، لا تختلف كثيرا عن عهد جده المولى سيدي محمد بن عبد الله في تعامله مع نفس القوى، ومع الصراعات حول مساحات النفوذ والمصالح، ويكاد يكون تدبير هذه الوضعيات بنفس الأسلوب وبنفس الطريقة البراغماتية حينا، والندية حينا آخر، مع الاعتماد على الذات ومعرفة استعمال إمكانات المغرب..

وبذلك أفترض أن ذلك المشروع الإصلاحي التحديثي الكبير الذي أطلقه سيدي محمد بن عبد الله توقف عند وفاته، ويبدو أن الملك محمد السادس في دورة تاريخية مهمة يسعى إلى العودة لهذه النقطة تحديدا، ما قبل قرنين من زمن الضعف والتراجع، لتصحيح مسار المغرب وإعادته إلى سكة هذا المشروع الكبير.

ختاما، من بين بعض مشاريع الاستنتاجات التي خلصت إليها مؤقتا أثناء البحث في طرق إدارة الصراعات الخارجية للزمن السلطاني، أن بعض الدول الغربية لم تكن تفهم المغرب بشكل عميق في مراحل من تاريخه، وأنها ربما اليوم، في هذا الزمن الملكي، قد تكون أصبحت أكثر تفهما أو فهما للمملكة من خلال ما نشهده من خلاصات في بعض الصراعات الأخيرة، وقد يكون تعاملها مع المملكة لم يعد محكوما بباراديغمات الغرب الديمقراطي أو بتصورها الخاص والأحادي للديمقراطية، وأنها أصبحت تنظر إلى المغرب بمنظور الاستقرار وتشارك الموارد والإنتاج بدون أستاذية “ديمقراطية”، وذلك منشأه، في نظري، أن تجارب الدول الغربية مع الديمقراطية مرهقة جدا، خصوصا فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، وفيما يتعلق بتغير الحكومات، وبالتالي، تغير السياسات.. فهذا ديمقراطي أو يساري اشتراكي يقر شيئا أو يوقع اتفاقا، وهذا جمهوري أو يميني أو محافظ ينقضه ويقر عكس ذلك، مما خلق تقلبات عالمية نتجت عنها فترات توتر ولااستقرار، كما حدث في انسحابات ترامب من اتفاق المناخ واتفاقات تجارية وعسكرية أخرى، أو مع نقض حكومة نتنياهو اتفاقات إنشاء الدولة الفلسطينية، وغيرها كثير من الأمثلة…

في المقابل، لا يحدث هذا اللااستقرار الاتفاقات في أنظمة ملكية منفتحة كالمغرب، وإلا كانت استثمارات أوروبية وغربية كثيرة في مهب الريح، وربما عدد من الدول الأوروبية أدركت فقط مؤخرا أهمية هذا المعطى في عالم يتميز باقتصاد نيوليبرالي مالي معولم، وبذلك، فإن هذه الملكية التي تصارعت معها قوى أوروبية لقرون طويلة، ربما أدركت هذه الدول أن هذه الملكية هي أكبر ضمانة لاستقرار العلاقات الخارجية، واستقرار الاتفاقيات الدولية والاستثمارات، وهي غير خاضعة للمزاج الانتخابي، وبالتالي، أكثر فائدة من أنظمة متقلبة ولو كانت ديمقراطية بمعايير الغرب، الذي ظهر في أزمات كثيرة أنه ليس ديمقراطيا بما يكفي أو بما يطابق ما نظر له “علماء الديمقراطية” لديه، ويكفي أن نورد مثال حرب غزة كنموذج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى