تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل يتم إلغاء صندوق المقاصة في عهد الدولة الاجتماعية ؟

70 سنة من المقاربات

اقترب فاتح ماي وانطلق معه الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات من أجل الخروج بقرارات تهم الزيادة العامة في الأجور، وإصلاح نظام التقاعد وإخراج قانون الإضراب إلى حيز الوجود، غير أن ما يغيب عن النقاش العام والخاص هو سياسة الدولة في مجالي التشغيل والحماية الاجتماعية، وبصفة عامة، النموذج التنموي المتبع في هذا الباب، ويقترح هذا الملف الذي يصادف العيد الأممي للشغل على قرائنا، أهم المحطات التي قطعها المغرب في مجال الشغل والحماية الاجتماعية من الاستقلال إلى الآن، وأهم المقاربات التي اعتمدتها الدولة في ذلك.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان
 

المرحلة الأولى: الدولة الاجتماعية

تتمة المقال تحت الإعلان

    بعد حصول المغرب على استقلاله ومن أجل مواجهة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وجدت حكومات السنوات الأولى للاستقلال نفسها مجبرة على إيجاد نموذج يمكن اتباعه في مجال الرعاية الاجتماعية بمختلف فروعها، بما فيها توفير فرص الشغل للشباب، والحق في التعليم، ومجانية التطبيب، يومها كان هناك نموذج يقتدى به على الصعيد العالمي وهو النموذج الفرنسي، وقد اختاره المغرب على اعتبار الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، دون نسيان أن فرنسا كانت هي المستعمر السابق للمغرب، ومن هذا المنطلق تعمق توجه الدولة نحو ما يعرف بالدولة الاجتماعية، نتيجة انتشار الاشتراكية في دول العالم الثالث.

وبدى واضحا توجه المسؤولين على البلد نحو ما يعرف بالدولة الاجتماعية خلال تنصيب حكومة بلافريج في منتصف ماي 1958، حيث خاطب الملك محمد الخامس رحمه الله أعضاء الحكومة مذكرا إياهم بضرورة القيام بإصلاحات اجتماعية بما يناسب تطلعات الطبقة العاملة، واستمر التوجه الاجتماعي للدولة على عهد الملك الجديد الحسن الثاني، حيث نص أول دستور في تاريخ البلاد سنة 1962، على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، وفي مقدمتها حق الشغل، والتربية، والملكية العقارية، واتضح توجه الدولة نحو الرعاية الاجتماعية من خلال مصادقتها سنة 1979 على الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الصادر سنة 1966، الذي ينص على احترام حق الشغل وحق ممارسة العمل النقابي وحق الإضراب والحق في الرعاية الصحية، وتنفيذا لهذه القناعات والالتزامات والتوجهات السياسية، تبنت الدولة مجموعة من الاختيارات والبرامج الاجتماعية، همت مجالات التشغيل ومحاربة الفقر، والرفع من القدرة الشرائية للمواطن، والصحة، والسكن، والتعليم، وحماية الطفولة، والضمان الاجتماعي.

وما يهمنا هنا هو تتبع النهج الذي اعتمدته الدولة في مجالين حيويين هما توفير الشغل للشباب العاطل كنقطة أولى، ثم الزيادة في الأجور وحماية القدرة الشرائية للمواطن، فبخصوص النقطة الأولى المتعلقة بالشغل، يمكن القول أن المملكة المغربية عانت قبيل الاستقلال من أزمة اجتماعية حادة بسبب السياسات الاقتصادية الاستعمارية، وهروب رؤوس الأموال الأجنبية إثر انتشار أعمال المقاومة المسلحة، حيث ارتفعت نسبة البطالة في صفوف المغاربة، وكانت البادية الأكثر تضررا على اعتبار أنها كانت تأوي حوالي 80 في المائة من السكان، وقد جاءت في التقرير السنوي لبنك المغرب لسنة 1960، إشارة واضحة إلى الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المغاربة وارتفاع حجم البطالة، لذلك أوصى بـ((التوسع في المشاريع التي تستوجب استخدام اليد العاملة بصفة مباشرة واعتبار مسألة توفير العمل بأقصى ما يستطاع من سرعة لأكبر عدد ممكن من الأشخاص الذين لا يجدون عملا من المقاصد الرئيسية في الوقت الحاضر (1960))).

ومن أجل محاربة هذه الآفة، أطلقت الدولة أول برنامج اقتصادي اجتماعي في تاريخها وهو “الإنعاش الوطني” انطلاقا من شهر يوليوز 1961، استهدف بالأساس توفير فرص الشغل للساكنة القروية والارتقاء بأوضاعها الاجتماعية، وكان من بين نتائج نجاح البرنامج – بعد حوالي سنة من انطلاقه – توفير حوالي 8 ملايين يوم عمل، همت بالأساس مشاريع فتح الطرق والمسالك، وأشغال الري وحماية التربة والتشجير وتسوية الأراضي، وإصلاح الشوارع والمباني، ومد قنوات مجاري المياه.

وبخصوص النقطة الثانية، وهي مسألة الزيادة في الأجور وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، فإن الدولة لم تقر زيادات ملموسة منذ حصولها على الاستقلال إلى سنة 1983 إلا في سنوات 1962 و1971 و1973، غير أن الظروف المعيشية لأغلبية المغاربة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت سيئة، وخصوصا في البادية، وعلى هذا الأساس حاولت الدولة المغربية التخفيف من الأثار الاجتماعية الناجمة عن الاختلال وعدم التوازن بين الأجور والأسعار، وذلك من خلال إحداث “مديرية للأسعار” للاضطلاع بدور الرقابة الإدارية على الأسعار والسعي إلى ضبطها ومحاربة المضاربات بالأسعار وكافة أشكال التلاعب في الأسواق، لكن الوسيلة الأكثر فعالية في هذا الباب هي سياسة دعم الأسعار التي نهجتها الدولة بشكل واضح ابتداء من سنة 1977، وذلك للحفاظ على استقرار الأسعار، والحيلولة دون ارتفاعها من خلال صندوق المقاصة، الذي تأسس سنة 1914، حيث صدر ظهير سنة 1977 يتممه، ومن ثم، فقد ضخت الدولة أموالا مهمة في هذا الصندوق، استهدفت دعم أسعار بعض المواد الأساسية، وفي مقدمتها السكر والمواد الحليبية والمواد الدهنية (الزيوت)، ثم المواد النفطية .

المرحلة الثانية: التقويم الهيكلي وتخلي الدولة عن الرعاية الاجتماعية

    وإذا كانت سياسات التحكم في الأجور من جهة، وتدخلات صندوق المقاصة من جهة ثانية، قد خففا نسبيا من حدة هذه المشكلة، وخاصة فيما يتعلق ببعض المواد الأساسية كالسكر والزيت والوقود، فإن هذا الحل ستكون له أثار سيئة على توازن الميزانية في المستقبل، وسيفاقم العجز المالي للدولة.. وهكذا بدأت مؤشرات أزمة مالية واقتصادية تخيم على المغرب في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، كان سببها ارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الأجنبية، وارتفاع أسعار فائدة القروض الممنوحة للدول النامية، وارتفاع فاتورة دعم المواد الاستهلاكية الأساسية والذي يقدمه صندوق المقاصة للمنتجين والموردين للحفاظ على استقرار الأسعار، بالإضافة إلى الجفاف الحاد الذي ألجأ الدولة إلى الاستيراد لتلبية حاجيات الطلب الداخلي على المواد الغذائية، وأيضا صعوبة ولوج المنتجات الفلاحية المغربية إلى السوق الأوروبية بسبب المنافسة الإسبانية، الشيء الذي فاقم عجز الميزان التجاري المغربي، وعجز الميزانية.

وبالتالي، فإن هذه الأزمة الاقتصادية الحادة التي دخلتها المملكة في تلك الفترة، تسببت في عجز كبير ومزمن في ميزانية الدولة المغربية، الشيء الذي ألجأ البلاد إلى نهج ما عُرف بسياسات التقويم الهيكلي أو “سياسات التصحيح”، والتي كان الغرض منها استعادة التوازن المالي للدولة والتحكم في نفقاتها، وقد اتجهت هذه السياسة منذ البداية إلى التخفيف من النفقات الاجتماعية، وخاصة في ميادين الصحة والتعليم والسكن والتشغيل، وقد عبر القانون المالي المُعدَّل لسنة 1983 بوضوح عن هذه التوجهات.

المرحلة الثالثة: السياسة الليبرالية

    غير أن هذا الوضع لم يستمر على هذا الحال.. فقد كانت سنة 1987 سنة التفكير السياسي الجدي في هذه الأسئلة، والشروع في ورش الإصلاح السياسي والاقتصادي بالمغرب، والذي ستعود معه المسألة الاجتماعية إلى الواجهة، وقد عبر تقرير بنك المغرب لسنة 1987 عن الخطوط العريضة لهذا الإصلاح، حيث جاء فيه ما يلي: ((… وذلك بالنظر في إمكانية تحرير مجالي الإنتاج والمبادلات مع متابعة إصلاح النظام الجبائي، ومراجعة قانون الاستثمار، وتخفيف العراقيل الإدارية، والتفكير في تفويت بعض المؤسسات العمومية إلى القطاع الخاص”، وذلك بهدف تحفيز التنمية.

وقد كان الحل المقترح هو تبني إصلاح سياسي واقتصادي يقوم على مبدأ أساسي، هو تحقيق مزيد من الليبرالية الاقتصادية وتحرير الاقتصاد، وسياسة الخوصصة، ومكنت هذه السياسة الدولة من دعم موارد الخزينة العمومية من خلال عائدات الخوصصة التي بدأت عمليا سنة 1993، وقد انعكس ارتفاع مداخيل الدولة على المستوى الاجتماعي في: الرفع من الأجور في القطاعين العام والخاص سنة 1996، وتحسين الأوضاع الاجتماعية للعمال؛ إطلاق برنامج تشغيل حاملي الشهادات في القطاع العام، وخصوصا في الجماعات المحلية خلال سنة 1996، حيث بلغت نسبة الدولة في التشغيل في هذه السنة أكثر من 21 في المائة؛ تأسيس الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات سنة 2001؛ وبرنامج الأولويات الاجتماعية، الذي استهدف حل مشاكل البادية على مستوى التشغيل والسكن والصحة.

اجتماع سابق لوزير التشغيل مع نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب

المرحلة الرابعة: النيوليبرالية

    غير أن هذه الانتفاضة لم تكن حاسمة.. ففي سنة 2005 ظهرت مؤشرات تذكر بسنوات الثمانينات، حيث سرعان ما عادت الاختلالات البنيوية للظهور من جديد، مذكرة الجميع بظرفية التقويم الهيكلي في بداية الثمانينات، وتجلى ذلك بشكل واضح وصريح في تدهور مؤشرات المالية العمومية، حيث تفاقم عجز الميزانية من جديد، وتراجعت موارد الخوصصة، وارتفعت فاتورة المحروقات بسبب ارتفاع أسعار البترول في السوق الدولية، وتزايد نفقات الموظفين… إلخ.

وقد هيأت هذه الظروف الأسباب لطرح سؤال الإصلاح من جديد، وكان صانع القرار في البلاد مدعوا إلى تجاوز المقاربة الليبرالية التي تم تبنيها من سنة 1993 إلى 2005، وتبني منظور إصلاحي نيوليبرالي يقتصر دور الدولة فيه على تنشيط وتفعيل الإنتاج والاستثمار ودعم الأعمال بدل التحفيز على الطلب والاستهلاك، ويعفيها من المسؤولية الاجتماعية، ويلقي بها على عاتق السوق، حيث تتحول الخدمة الاجتماعية إلى سلعة، وقد “تجلى المنظور الإصلاحي النيوليبرالي بالمغرب بشكل صريح وواضح في النمو الكبير للقطاع الاجتماعي الخاص”، وخاصة في مجالات التعليم والصحة والسكن والتأمين الاجتماعي، حيث أمسى هذا القطاع فاعلا اجتماعيا قويا، وشريكا حقيقيا للدولة في بداية الألفية الثالثة، ويمكن القول أن هذه المقاربة النيوليبرالية التي نهجتها الدولة المغربية أعفتها من الكثير من النفقات والمسؤوليات الاجتماعية، وأنهكت بالمقابل جيوب الأسر، وخاصة أسر الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها بطريقة أو بأخرى مدفوعة إلى تحمل نفقات جديدة، مثل التعليم والصحة والتأمينات التكميلية.

وقد علق الباحث امحمد جبرون في كتابه: “الملكية في أفق جديد: أسئلة الدين والديمقراطية والنموذج التنموي” على اتباع المغرب السياسة النيوليبرالية بما يلي: ((إن السياسة النيوليبرالية شأنها شأن السياسة الليبرالية التي نهجتها الدولة في عقد التسعينات، كان هاجسها الأساس استعادة التوازن المالي للدولة، والتخفيف من حدة عجز الموازنة والتحكم في النفقات، وقد نجحت إلى حد ما في ذلك، لكنها بالمقابل زادت من عمق الأزمة الاجتماعية، ونالت من مصداقية سياسات الحماية الاجتماعية التي يلح عليها الخطاب الرسمي، وأيضا فاقمت من الفوارق الاجتماعية))، وتابع نفس الباحث تحليله قائلا: ((ربما نتفهم أو نلتمس الأعذار للميولات النيوليبرالية لدى الطبقة الحاكمة في المغرب في السنوات السالفة، باعتبارها آلية لعقلنة السياسات العمومية، والتخفيف من التحملات الاجتماعية التي تُكره الدولة على اللجوء للقروض وإلى المؤسسات المالية الدولية للتغلب على العجز، وتلبية الطلب، لكن غير المُتفهم والخطير في الآن نفسه، أن تتحول الدولة إلى أداة وظيفية في يد “نخبة نيوليبرالية” تحقق من خلالها مزيدا من الرفاه، والثروات، دون أدنى اعتبار للمسؤوليات الاجتماعية للدولة، وقد لاحظنا شيئا من هذا في مقاربة الحكومة لأسعار المحروقات التي أمست غير متوازنة وظالمة ومفتقدة للحس الاجتماعي، حيث عجزت الدولة عن ضبطها ومراقبتها، ولم تنفع المحاولات التي بذلها البعض من داخل الحكومة للتحكم فيها، ولاحظناه أيضا في موقف الدولة من سياسات الأسعار في المصحات الخاصة، والتعليم الخصوصي… إلخ)).

المرحلة الخامسة: مرحلة النيوليبرالية الاجتماعية

    إن النيوليبرالية التي تقترح نفسها مرجعية لبناء وتصميم السياسات العمومية بشكل صريح وواضح منذ نهاية القرن العشرين وإلى اليوم، ربما تحقق للدولة في العالم الثالث توازنها المالي وتحفظ لها مكانتها ومصداقيتها الدولية، وخاصة أمام المؤسسات المانحة والمقرضة، لكنها في الجوهر تهدد شرعيتها السياسية باعتبارها كيانا أخلاقيا مهتما بالتضامنات الداخلية ومستأمنا على المصير المشترك للأمة أو الوطن، ويدرك معظم المعنيين بمصير الدولة في الوقت الحاضر من المفكرين والسياسيين هذا الخطر المحدق بالدولة، والذي يدفع بها تدريجيا، وبسرعة نحو الفشل، ومن ثم، وتفاديا لهذا المصير، اقترحت بعض المؤسسات، وعدد من الباحثين، إطارا مرجعيا للدولة النيوليبرالية يحفظ لها حدا أدنى من المصداقية الاجتماعية، وينأى بها عن ظروف الفشل، ومنها التأكيد على الدور الفعال للدولة في التنمية.

ويمكن القول أنه منذ انتخابات سنة 2021، التي تصدر نتائجها حزب التجمع الوطني للأحرار، رفعت الحكومة شعار الدولة الاجتماعية، وقد بدأت تظهر بعض ملامح هذا التوجه تظهر من خلال تقديم الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، مقابل توجه نحو تصفية صندوق المقاصة بصفة نهائية.. فهل يعتبر هذا توجها اجتماعيا للدولة، أم تركا للمواطن في مواجهة تقلبات السوق، أم سنشهد نموذجا تنمويا مغربيا خالصا بعيدا عن التوجهات العالمية الكبرى ؟

كل هذه الأسئلة تبقى معلقة وسيجيبنا عنها المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى