الحقيقة الضائعة | دعم المغرب للجزائر جر عليه عداوة فرنسا
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 57"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إننا نذكر مراحل الدعم الذي قدمته الدولة المغربية للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، تلك الثورة التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري أيام السلطان عبد الرحمان بن هشام، والتي دفعت فرنسا إلى تأديب المغرب وضربه بعنف في إيسلي، لكنه رغم تخاذل المجاهد الجزائري – كما سبق ذكره – فإن هناك حقيقة واقعية بقيت صامدة أمام التاريخ، وهي وحدة شعوب الجزائر والمغرب في وجه الاحتلال.
لقد بقي الفرنسيون منذ سنة 1884 يعتبرون حق متابعة الثوار الجزائريين في الأراضي المغربية ذريعة لاحتلال المغرب، وفي سنة 1896، أي على مدى اثنتي عشر سنة، بقيت هذه الذريعة مبررا لدى القوات الفرنسية لضرب المغرب، بل إنها كانت تختلق الثوار وتمولهم وتدعمهم للقيام بمناوشات تبرر لها حق التدخل.
إلا أن روح الجهاد الحقة بقيت نابضة في أعماق الشعب الجزائري أو بعضه، إذ سرعان ما فطن أحرار الجزائر إلى لعبة الاستعمار، فشكلوا سنة 1896 جيشا للتحرير وجه الضربات الكبرى للقوات الفرنسية والعملاء الجزائريين داخل الجزائر.
وقد بلغت هذه الضربات حدا من القسوة جعلت الحاكم الفرنسي بالجزائر، كامبون، يأتي بنفسه ليتفقد منطقة الواد الغربي، حيث كان الثوار الجزائريون يوجهون الضربات إلى الجيش الفرنسي، وعندما وصل الحاكم الفرنسي في جوان 1896 إلى الوادي الغربي، اكتشف مرة أخرى أن الثوار الجزائريين يتلقون الدعم على طريق توات، حيث يتنقلون بحرية في المناطق المتجهة نحو الهوكار ويتجند في صفوفهم عدد من التوارك، وأنهم مسنودون غربا بحدود واد الزوزفانة.
ولم يطق الفرنسيون صبرا عندما اغتال الثوار الجزائريون الليوتنان كولو مع عدد كبير من رفاقه في تعظمايت.
وعاد كامبون إلى الجزائر ليضع المشكل من جديد: ((إن حماية المغاربة للثوار الجزائريين هي سبب المتاعب بالنسبة لفرنسا، وأن على فرنسا أن لا ترتاح قبل احتلال توات والساورة)).
وفي نفس الوقت، قرر الفرنسيون تقديم الدعم مجددا لقطاع الطرق الغنانمة بزعامة العميل ولد الشيخ، ليتحركوا بشكل أكبر ويخلطوا الحابل بالنابل، مما اضطر سكان توات إلى تشكيل جيوش موازية لحماية أرواحهم وممتلكاتهم، وكان أول جيش موازي تشكل في المنطقة هو جيش شرفاء زاوية الخنتا، وحصلت معارك بين قطاع الطرق والجيوش المغربية خصوصا، لم تكن دائما تنتهي لفائدة المغرب، خصوصا بعد أن تسرب قطاع الطرق إلى منطقة كورارة وخاضوا معركة في تيصابيت ضد جيش موازي مغربي كان يقوده نقيب الشرفاء مولاي التوهامي، الذي سقط مقتولا في المعركة.
والتفت سكان الصحراء الشرقية مرة أخرى إلى الغرب طالبين نجدة السلطان، لكن أي أحد منهم لم يكن يعرف حقيقة وضع السلطان الشاب، الذي كان باحماد هو الوصي عليه، والقوات الأجنبية لا تفتأ تزيد من ضغطها عليه.
ذلك أن فرنسا لم تكتف فقط بإثارة قبائل الغنانمة في الصحراء، بل إنها أثارت فتنا أخرى في الداخل، إذ تحركت قبائل الشاوية مهددة لمدينة الدار البيضاء بينما أحاطت قبائل دكالة بالصويرة، واشتعلت حرب بين المهاية وأنجاد قرب وجدة.
وقرر باحماد “إبعاد” السلطان الشاب لمحل آمن، وفي أكتوبر 1895، نقله إلى مراكش، ونصب أخاه مولاي عرفة خليفة له بفاس، ومولاي عرفة هذا هو أب محمد بن عرفة الذي نصبه الفرنسيون سلطانا على المغرب بعد نفي الملك الزعيم محمد الخامس سنة 1953.
وكان حادث انتقال السلطان عبد العزيز إلى مراكش بداية المتاعب بالنسبة إليه، وعربونا عن فشل باحماد وعدم استطاعته اللعب على الحبلين ولا مجاراة المناورات الأجنبية، كما أنه لم يكن في حسبانه أن الرأي العام الوطني في المدن الداخلية والأطراف الصحراوية، وهو الذي كان هادئا كماء البحيرة طوال حكم الملك الحسن الأول، سيصبح بين يوم وآخر بحرا مزمجرا عاتي الأمواج.
ولقد فتحت هذين القوسين لأعطي صورة موجزة عن الوضع الذي وضع فيه المحيط السلطاني هذا الملك الشاب حتى ينشغل عن مناطق تبعد عن عاصمته بآلاف الكيلومترات، وكيف يفكر في الوضعية العسكرية لأقاليمه الصحراوية وهو يتعرض للرصاص في زعير حين ينطلق نحو موكبه.. أليس ذلك من باب التخويف والترهيب؟وسنعود إلى الحديث عن دراسة الأوضاع الداخلية في نفس المرحلة، وما طرأ فيها من أحداث كان لها الأثر الكبير على تدهور الوضعية في الصحراء الشرقية.. فكيف كانت الوضعية في الصحراء الشرقية ؟
لقد كانت مرحلة حاسمة في تاريخ مواطنينا في توات وكورارة وتيدكلت.. هاته التي كانوا يعيشونها بعد موت ملكهم العظيم الحسن الأول.
كانوا كركاب الباخرة التي تتقاذفها الأمواج بعد أن مات ربانها وأسلمت قيادتها لعدد من عديمي الخبرة، ومن الطامعين، هذا يرغب في توجيه الباخرة نحو هذا الشط لإفراغ حمولتها، وهذا يتمنى إغراقها حتى يبقى له ما سيطفو على وجه الماء من كنوزها، وهذا منتشي سكران بالتلاعب بهذه الباخرة، ولعله أقرب تشبيه للوضعية في تلك السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر.
لقد كان بإمكان المواطنين المغاربة المهددين باحتلال بيوتهم وقتل أبنائهم وهتك أعراضهم من طرف الغزاة الفرنسيين، أن يستسلموا ويسلموا خصوصا بعدما أيقنوا بضعف السلطة المركزية وتواطئ السلطة المحلية مع الاستعمار.
وكان بإمكانهم أن يكتفوا بإلقاء نظرة فيما حولهم ليزدادوا يقينا بأنهم على بعد مسيرة شهر من أي قوة وطنية قد تأتي لنصرتهم أو دعمهم.. كانت لهم إذن، كل مبررات الاستسلام.
وعندما اهتزت جنبات الصحراء على وقع هدير القوات الفرنسية التي أعلنت التحرك الحسمي في شتنبر 1897، وأدخلت للميدان أول تشكيلة جديدة من جيش الصحراء الذي يسمى “الميحارست” مكونا من المرتزقة والمجندين الجزائريين، ووصلت تلك القوات إلى مركز أوكروت كمرحلة أولى، ولم يعترضها جندي واحد من جنود العامل، أيقنت قبائل سفيان وايحماد أن نهايتها حلت، وأن أمجادها وعلمها وثراءها وشرفها وإسلامها سيدفن في رمال كورارة وتوات وتيدكلت وإلى الأبد، لكن إرادة شعب توات كانت أكبر من أن تسمح له بالاستسلام، وحصلت المعجزة، لكنها كانت نابعة من رفض قبائل سفيان وايحماد للاحتلال.
ولم تكن عملية الاحتلال، التي خططت لها الأدمغة الفرنسية، نزهة ثلاثة أيام كما كان يقول الضباط الفرنسيون، بل كانت حربا دامت سنوات.. وعدة سنوات.
وسجل سكان توات وتيدكلت وكورارة في صفحات التاريخ أروع أمثلة التضحية والجهاد، وكانت تلك التضحيات من الشهامة والعظمة بحيث أن الخبراء الفرنسيين قرروا دفنها في عالم النسيان، ومسح معالمها من أمجاد الشعب المغربي، لأنها كانت من جانب الشعب المغربي في تلك المناطق ملاحم نادرا ما عرف التاريخ العربي نظيرا لها، وكانت من جانب قوات الاحتلال الفرنسي مسحا مجردا وعنيفا وأزليا لحضارة مغربية إسلامية، ولشهامة وبطولة حولت رمال كورارة وتيدكلت وهضاب الساورة إلى قبور لآلاف الجنود الفرنسيين والضباط الكبار، دفنت معها جنون وعجرفة السياسة الفرنسية في جب عميق مظلم سرعان ما سماه المتعقلون الفرنسيون بعد مراجعة أثاره بـ”المصيدة”.
فكان من الأفيد بالنسبة لفرنسا أن تدفن هذه المرحلة المظلمة في بحور النسيان، ولم يكونوا يرون من الأفيد أن نعرف نحن الجيل المتحمل للرسالة، والمحق للأمجاد، والمسترد للحقوق، كل شيء عن الظروف التي أقبرت فيها حضارتنا وديننا وآباؤنا وأجدادنا وأرضنا.
ولكن هيهات.. لقد مرت سنوات طويلة على استقلالنا، وها هي حقائق المواقف المشتركة لأجدادنا هناك في توات، تعود لتطفو على صفحة الأحداث مشرقة مشرفة.
وإن لم نستلهم منها شيئا في ظروفنا الحاضرة حيث المسخ المستمر للأحداث، فلنأخذ منها نماذج للكفاح الحقيقي والجهاد النموذجي.



