المنبر الحر

المنبر الحر | إليك غزة المناضلة.. أسف يخنقني !!

بقلم: محسن الأكرمين

    أفظع الجرائم الكبرى في التاريخ ارتكبت باسم المحبة المزيفة، وباسم الطاغوت الذي غلا في سفك الدماء، فالطاغية نيرون أحرق روما بدواعي الحب والسيطرة، وكان يقف على مرمى تل عال، وكلما زادت حدة اللهب غَنَّى للحب وثمل شرابا، لكن، للتاريخ حكاية عكسية، فقد مات نيرون من شدة الحنق والإخفاق وحب الامتلاك، ولم تمت روما من وقيد نيرانه، وقد فضل ممارسة سادية العذاب اللحظي، ولم يفكر في لحظات موته وتلفه في العذاب اللاحق.. إنه منطق نهاية الطغاة عند مشارف خط حصار الزمن (ما بقي الزمن).

فالحكمة التالفة توجد في مضامين حضارة الكلمة الشرقية “لا يقرأ أحد الماضي لتجديده، بل يضيف إليه لتجاوزه”، وفي أحداث التاريخ (الإثبات والنفي)، ويمكن البرهنة الدالة على أحداث الحاضر والمستقبل بأقل تكلفة (التراث والاختلاف)، مع إمكانية النبش في قضايا الأحداث التاريخية، واستيفاء الأثر بالتثبيت و”الفيد باك” (FeedBack)، وهي المعلومة الطيعة التي تُقدّم لك في الحاضر على تصرف صدر في الماضي – الموروث القديم – لتحسين المستقبل.

تتمة المقال بعد الإعلان

“نيرون مات كُرها، ولم تمت روما”.. هي النتيجة الحتمية التاريخية بالحضور (الماضي والحاضر)، فالحرب بغزة تقتل وتدمر العمران، وتبقى غزة حية شاهدة، ولن يموت إحساس الانتماء للوطن أبدا حتى بعد نهاية بداية المعركة ((يا دامي العينين والكفين: إن الليل زائل.. لا غرفة التوقيف باقية.. ولا زرد السلاسل.. نيرون مات، ولم تمت روما.. بعينيها تقاتل (غزة) ! وحبوب سنبلة تجف.. ستملأ الوادي والأرض الطاهرة سنابل.. والرقص مع الحياة)) (محمود درويش بتصرف).

الحرب على غزة أطلقت أفكارنا من مُعتقل الانتماء، حررت شعوبا من الخوف و”التكمش” الهوياتي، ومن فزع القنابل العنقودية المترامية على أطراف المدينة، حررتنا غزة من أحاديث ومشاهد التفاهة التي أسقمت حياتنا، ودمرت قيم أمة جمعاء!! الحرب على غزة جعلتنا نشتاق للحديث إليك يا فلسطين.. بالحب ونخوة رجال من مغرب الشمس دار الإسلام. نعم، قد نبدأ الحديث المطول والمشوق عن الشهداء في صمت العالم المتحضر، المتصالح مع الدمار الشامل. اليوم باكرا غادرت شاشة التلفاز حنقا، ولن أبكي دمعا في الزمن الحاضر عن ماضي أمة دول المواجهة، اليوم غادرت مكاني المتكلس، وتاريخ الطغاة يتوافد تباعا على تفكيري من هُولاَكُو خان الإمبراطور، حفيد جنكيز خان، قاتل الملايين من البشر، إلى فلسطين المحترقة بغزة.

يؤرقني التذكر حين أمسي، فتردعني أقساط ثقل الأحزان من فرط نكسي عن غزة الشواهد (رجال في الشمس/ غسان كنفاني)، يؤسفني ما تبقى من نخوة شرق لا أعرف أدناه من أقصاه ! أعيني جودا ولا تجمدا.. ألا تبكيان لغزة الندى.. ألا تبكيان الشهيد.. ألا تبكيان الفتى والطفل في عمق النيران (الخنساء بتصرف).

تتمة المقال بعد الإعلان

يؤسفني المجد العربي مدَّ يديه بالفراغ والتوصيات، والبكاء على الأطلال، فلا بنية العقل العربي (عابد الجابري) حرك الثورة على ازدواجية أخلاقية نعيشها، فنحن لازلنا نستمرئ (نستسيغ) الجهل ونجتّره، وبتنا ذات ليال حرب دامية نسوغُ البلاغات بالأسف والتأسي، ونبرر المواقف بحرقة الحرف، ونعلن للعالم الردَّة عن الدم العربي بأرض غزة الأبية.

والله أن العنف المستشري على غزة يصنع فينا ثقافة الحزن، ويُعلمنا أن الشعور بالألم يؤدي إلى نوع من “الكاثرسيس” التطهير عن عوز المسؤوليات، وردة الفعل العربية والكونية الماغولية، حينها يبيت العَورُ بعيوننا جميعا.. علمتنا غزة صحوة الأرواح فينا، ففي غزة فك لغز الحرف وربح رهان الحرب دفاعا عن الأرض والإنسان.

مرت ساعات مهرولة أمام تلفاز الحرب، والمحللون المأجورون يزيدون من الشخصانية والوجودية العربية شدة، حينها حدثني صديقي عن شجرة النكبة والنكسة، عن ثمار الأرواح الشهيدة من قطوفها الدانية بريح الجنة، حدثني عن شطحات العالم العربي والإسلامي والعالم المتحضر، حدثني وهو يهمّ بالانصراف بأن شمس الحرية ستسطع من سماء غزة.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى