المنبر الحر

المنبر الحر | إضرابات الشغيلة التعليمية والمسؤولية المشتركة بين الوزارة والنقابات

بقلم: بنعيسى يوسفي

    يبدو أن الهوة بدأت تتسع يوما بعد يوم بين الشغيلة التعليمية بمختلف أطيافها والوزارة الوصية على القطاع، وأصبح ردمها أو تجسيرها أمرا صعبا على المدى المنظور على الأقل، ويبدو أنها مناسبة لرفع سقف المطالب المشروعة، فإذا كانت كل الإضرابات التي خاضتها هذه الشغيلة والوقفات والمسيرات التي قامت بها بذلك الزخم وبتلك الطريقة الحضارية التي تعكس تضامنا وتأييدا غير مسبوق لها، وإلى حد الآن، الوزارة الوصية أو الحكومة برمتها تنهج سياسة الآذان الصماء، وأغلب الذين أعطيت لهم الفرصة لكي يتحدثوا حول ملف الشغيلة التعليمية والتي يتقدمها “النظام الأساسي للتعليم”، الذي يريدون فرضه عليها كرها، كلهم لم يستطيعوا تركيب جملة مفيدة مفهومة، ويبدون فاقدي البوصلة وليس لديهم ما يقولون، ويظهر أن الركب قد فاتهم بأميال كثيرة، وكلما خرج مسؤول للكلام سقط في المحظور، والأمر نفسه ينطبق على النقابات التي تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية فيما آلت إليه الأوضاع.. فإذا كان بعضها قد التزم الصمت، فإن بعضها تتطلع إلى تسجيل حضورها ولو بشكل باهت من باب ها نحن هنا رهن الإشارة، ولكن للأسف، الشغيلة لم تعد قادرة على اللدغ من الجحر مرتين، ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من الأكاذيب والسفاسف التي دأبت على تبرير مواقفها بها، سياسة “سيفي مع علي وقلبي مع عثمان”، أي رجل مع الشغيلة ورجل مع الحكومة، التي تعكس ازدواجية خطيرة في الخطاب، أصبحت لعبة مكشوفة ولا يمكن أن تجدي نفعا مع شغيلة ناضجة وواعية بالحال والمآل، وأمست لا تّعول إلا على نفسها في انتزاع ما عجزت عنه هذه التنظيمات المترهلة والمهترئة التي تسمى نقابات، الشغيلة سئمت وتبرمت من مقولات مثل أن النقابات شريك أساسي للحكومة للوصول إلى حلول للمشاكل العالقة عن طريق الحوار، لكن الحوار يجب أن يكون بنفس الندية ومن موقع قوة، أما حوار إرضاء الخواطر واستغباء الشغيلة، فهذا ما فطنت إليه هذه الشغيلة، وانفضح الأمر مع هذا النظام الأساسي الأحادي الجانب، الذي كشف بالملموس أن النقابات مؤتمنة من طرف القواعد ولو على مضض، لأن أغلبية الشغيلة غير مطمئنة البتة على قيادة هذه النقابات للحوار والعمل على إخراج نظام أساسي موحد منصف وعادل، ومنها من تبرأ منها منذ زمن بعيد، قد خانت الأمانة ولم تبلغ الرسالة، ولم تدافع عن مطالب الشغيلة بالشكل المطلوب، والغريب في الأمر، أن إحداها من المشاركات في مهزلة النظام الجديد، خرجت علينا ببيان تدعو فيه “مناضليها ومنخرطيها” إلى العودة إلى الفصول الدراسية من منطلق حسن النية، على اعتبار أن الجهات الوصية على القطاع جادة في الوعود التي أعطيت لحلحلة الأزمة من قبيل “تجويد النظام الأساسي”، وما إلى ذلك من المقولات الفضفاضة التي تحتاج إلى ضبط وتدقيق كبيرين، فباقي النقابات تراودها نفس الفكرة، لكنها لم تستطع أن تبوح بها، في انتظار ما ستؤول إليه الأمور، وهي رغم حجم الخطأ الذي سقطت فيه، فلا زالت تريد الحفاظ على شعرة معاوية مع الشغيلة، وليس هذا فحسب، بل هناك دعوة إحداها إلى خوض إضراب من يومين في نفس الوقت الذي دعت فيه التنسيقيات المشكلة في عز هذه الأزمة الراهنة، إلى إضراب مماثل، ولست أدري ما هي الرسالة التي تريد هذه النقابة التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن تمررها بهذه المناسبة؟

في اعتقادي، لا أرى ضرورة لانخراط هذه النقابة أو غيرها في أي إضراب في الوقت الحالي، لأن التنسيقيات بمختلف تلاوينها قد سحبت البساط من تحت أقدامها، ويبدو أنها تشتغل بتناغم تام مع الشغيلة، وتستجيب لها في كل محطة نضالية تدعو إليها ولا تحيد قيد أنملة عن البرنامج النضالي المسطر بهذا الخصوص، اللهم إذا كانت هذه النقابة وغيرها تريد أن تعرف بالملموس ما تبقى من وزنها في المشهد النقابي والسياسي، وإن كنت أخشى عليها من هول الصدمة إذا وجدت الساحة فارغة، وتكون نسبة الاستجابة ضعيفة.

تتمة المقال بعد الإعلان

يؤخذ علينا كثيرا أننا نوجه سهام نقد لاذعة للنقابات التي تمثل الشغيلة التعليمية، ولا نوجهها بنفس القدر للوزارة الوصية أو للحكومة أو لرئيسها، وردنا على هؤلاء، أن الشغيلة هي التي تعطي الشرعية التفاوضية للنقابات وتتكلم بلسانها، وأي تخاذل منها يجعلها تحت طائلة المسؤولية وحتى العقابية إذا اقتضى الأمر، ويجب أن تأخذ كامل احتياطاتها أثناء الحوار، أما المسؤول عن القطاع أو غيره، فهو يتعامل مع الوقائع والمواقف بمنطق سياسي براغماتي، وأي نتيجة جيدة حققها ينسبها لنفسه أو لحزبه أو للحكومة التي ينتمي إليها، وهو محكوم بولاية قد تنتهي في أي لحظة، أما النقابي فهو رفيق رجل التعليم، وصوته الصداح الذي يصرخ باسمه حينما تخرس الأصوات، فمحاسبته هي ضمن بنود التعاقد الذي يجمعهما، كما يمكن التصفيق والافتخار به إذا حقق إنجازا ما، والنقد لم يكن يوما خصلة ذميمة في أي مجال من المجالات بقدر ما هو دعوة إلى مراجعة الأوراق وتصحيح المسار وتقويم الاختلالات، وأي إطار أو مؤسسة لا تقبل النقد والمساءلة، فمصيرها الفشل والانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى