المنبر الحر

المنبر الحر | هل هو التعليم عن بعد أم البعد عن التعليم ؟

بقلم: زهير أهل الحسين

    ظهر تعبير “التعليم عن بعد” تزامنا مع أزمة “كورونا”، أي أنه تعبير أزماتي، لكن عمل التيار التكنوفيل الذي يمجد الرقمنة وتحتضنه الحكومة المشكلة ثلتها من تكنوقراط، لا يرون من السياسة إلا الشق التقني بمعزل عن المجتمعي، (عمل) على استغلال الأزمة على أكمل وجه من أجل الترويج لخطاب يعتبر أن الرقمنة ساهمت بشكل كبير في تفادي انقطاع التلاميذ والطلبة عن الدراسة، وكم كنت أجد صعوبة في إقناع أصدقائي بأنه إجراء مرحلي ليس إلا ويتعارض مع ما هو بيداغوجي، لذلك لن يطول به المقام في المنظومة التربوية، لكن قد يتعرض لعملية شرعنة من طرف الحكومة الموالية للوبي الرقمي، من خلال اعتباره رافعة لمحاربة الهدر المدرسي أو ما شابه، وهذا ليس بغريب، وقد أصبح له مناصروه في السياسة الاقتصادية رغم أنه يصطدم بفراغ قانوني.

التعليم عن بعد بكل بساطة، هو أن يتم إعطاء دروس بين الأستاذ والتلميذ عبر وسائط تكنولوجية، أي الأنترنيت، وهي عملية تتطلب ضرورة التوفر على الأنترنيت وشحن مستمر للهاتف المنقول، وصفاء الجو للتلميذ داخل المنزل، وإذا كانت بعض الدول قد عملت بتنسيق مع الشركات الرقمية، على توفير الأنترنيت مجانا خلال فترة الأزمة، فإن وزارة التعليم بالمغرب لم تكن لها الجرأة الوطنية في إقناع الشركات الرقمية بتسهيل الحصول على الأنترنيت، بل وقفت موقف المتفرج على التلميذ، لا سيما الذي ينتمي إلى العالم القروي، ولكم أن تتخيلوا أن أبا يكابد الزمن ويأتي عنده ابنه مطالبا بنقود من أجل شراء التعبئة، فينهره: “سير علي لقيت حتى ما نوكلك بقا غير شري لي التعبئة”.

تتمة المقال بعد الإعلان

لكن التعليم عن بعد له العديد من السلبيات من الزاوية البيداغوجية، فهو بعد عن التعليم والتعلم، أي أنه يلغي العلاقة التعلمية والتفاعل الفصلي بين من ينتج المعرفة (الأستاذ) وبين من يتلقى المعرفة (التلميذ)، كما أن التقنية الرقمية تحمل كفنها بين أيديها، فقد تتوقف بسبب عطب تقني أو بنفاذ الرصيد، والمتضرر الأكبر طبعا هو التلميذ، الذي يتلقى المعرفة، وقد وقعت في بعض الدول، عندما استنتج أستاذ محاضر في نهاية الحصة، أن طلبته لم يكونوا متصلين معه رقميا، وهو الذي بحت حنجرته من الشرح والتفسير.

خلاصة القول: التعليم عن بعد ينضاف إلى المشاكل العويصة التي يعاني منها التعليم العمومي، مثل الاكتظاظ وتدني المستوى والهدر المدرسي وعدم التجانس بين المعطى الكمي والمعطى الكيفي، وهذا يعطي مصداقية أكبر للأطروحات التي تزعم بأنه ليس في صالح الدول حديثة العهد بالديمقراطية، أن يكون مستوى التعليم عاليا جدا، لأنه يشكل خطورة سياسية على الوجود السياسي للدولة، التي لا زالت تشتغل بمصادر تقليدانية لمشروعيتها السياسية، لكن لا باس أن يتوفر أبناء الطبقات البورجوازية على تعليم عال في مدارس البعثات الفرنسية أو في الجامعات الأجنبية، وهذا ما يسمى بالتناقض السياسي الذي يبرع فيه سياسيونا بشكل كبير، عوض إعادة تعريف السياسة بكونها فن التجانس بين الفاعلين الذين يساهمون في بناء السياسات العمومية مثل سياسة التعليم.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى