المنبر الحر

المنبر الحر | حرب غزة.. ضربة أخرى للمشروع العربي الإسلامي

بقلم: بنعيسى يوسفي

    لطالما تحدث الكثير من المثقفين والمفكرين منذ زمن بعيد، عن أن الحروب المستقبلية بين الشعوب ستكون ذات طابع ثقافي بغلاف عسكري، وستتعقد الأمور أكثر حينما تصبح هذه الحروب بهذه الصفة بين حضارات مختلفة أو بين أقطاب بعينها، ويمكن القول أن أكبر تجل لهذه الحرب، بين قطبين كبيرين هما القطب الغربي المسيحي والقطب الشرقي الإسلامي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ولعل ما يحدث اليوم بين إسرائيل وفلسطين أكبر دليل على صدق نبوءة ما ذهبت إليه هذه الطبقة المثقفة، فعلى الرغم من الطابع العسكري الذي يهيمن على الصراع، إلا أنه ينطوي على خلفيات ثقافية تذهب إلى أعمق نقطة قصد قلب الموازين وتجريد الإنسان الفلسطيني المسلم، ومعه طبعا الإنسان العربي عامة، من ثقافته وهويته حتى يسهل السيطرة عليه، وتكون إسرائيل باعتبارها الدولة الوظيفية، أداة لتحقيق هذا المبتغى، وذلك من منطلقين اثنين كما يذهب إلى ذلك الدكتور حامد ربيع (مفكر ومؤلف سياسي مصري)، يكمل كلاهما الآخر: تنظيف الطابع القومي اليهودي من جانب، وتشويه الطابع العربي الإسلامي من جانب آخر، ولعل الخطاب الذي يروج تزامنا مع الحرب الدائرة حاليا بين حركة “حماس” وقوة الاحتلال الصهيوني، من أنها حرب بين قوى النور وقوى الظلام، يسير في هذا الاتجاه، وفي كلا التطبيقين، فإن التنظيف أو التشويه لا يقتصر على السلوك الفردي للمواطن، وإنما يتسع ليشمل التاريخ والمعتقد والهوية والقيم وطبيعة الولاء، وما إلى ذلك، لنجد أنفسنا في النهاية أمام ثقافة صهيونية بمساعدة غربية متفوقة عسكريا وتكنولوجيا دون أن تكون طبعا ثقافته أهلا واستحقاقا للبقاء، هدفها هو تهديد ثقافة أخرى بالاضمحلال والزوال، وهذا المشروع حقيقة ليس وليد اليوم، بل تعود جذوره إلى بدايات القرن العشرين، وذلك وفق خطة مدروسة وتدريجية، ابتدأت أولا على أساس رؤية ثقافية اندماجية، وترتكز على حالة من الاعتراف بحقوق الشعب العربي والتقدير لحضارته الإسلامية ودورها التاريخي في حماية الأقليات اليهودية، وذلك بهدف تغلغل المشروع الصهيوني في فلسطين بالحسنى نتيجة اختلال موازين القوى وميلها لصالح الشعب الفلسطيني في ذلك الإبان، ولغياب النفوذ الغربي عن تلك الأرض، ولكن سرعان ما انبثقت ملامح استراتيجية ثقافية أخرى، وخاصة بعد نكبة 1948، وتقوم على الاستعلاء الحضاري والديني والعنصري، وعلى ترسيخ العداء والكراهية لكل ما هو عربي إسلامي، وعلى مبدأ تغيير موازين القوى لتميل لصالح العمل الصهيوني، حتى تأتي اللحظة المناسبة لتطبيق سياسة القوة الصهيونية لفرض أطماعها، وهذا ما تنفذه الآلة الصهيونية بالحرف منذ مدة ليست باليسيرة، ويبدو أنه وصل ذروته في الحرب الراهنة التي لا زالت رحاها تسحق أبناء الشعب الفلسطيني رويدا رويدا، في إطار حرب قذرة ممتدة في الزمن تستمد مقوماتها من ثلاث أدوات، وهي ذات بعد نفسي، كما حددها الكاتب المصري المعروف حمدي عبد العزيز، تتجه الأداة الأولى إلى المجتمع، وتتأسس على خلق القناعة بالارتقاء أو السمو العنصري، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل نظام القيم، وبالتالي، فرض العزلة بين المجتمعات العربية، وضرب مفهوم الأمة، الذي كان إلى عهد قريب يعتبر اللحمة التي تجمع هذه الشعوب ومكمن قوتها وصمام أمان أمام أي قوة خارجية تستهدفها. والأداة الثانية، هي تعميق الهوة بين الحاكم والمحكوم، بما يعني اهتزاز التماسك القومي، أما الأداة الثالثة، فهي التسميم السياسي الذي أفضى إلى إنشاء دولة إسرائيل، والتي ساهم فيها بشكل كبير ما يمكن تسميته بعناصر الجاذبية من قبيل صناعة العملاء، وتدعيم مراكز البحوث لإضفاء الصبغة العلمية على حركة التعامل النفسي، وشراء وتطويع الفئات المختارة، ثم توجيه النظم الإعلامية من خلال البرامج المعدة لهذا سلفا، وأخيرا، خلق حالة من الذعر الجماعي، الذي قد يفضي إلى استسلام ورضوخ جماعي، وبالتالي التحكم في مفاصل الشعوب العربية وإخضاعها لمصيرها المحتوم.

هكذا يبدو إذن، أن الآلة الصهيونية تشتغل بدون هوادة على خلق زلزال نفسي لدى الإنسان العربي المسلم، وهي قاب قوسين أو أدنى من إلحاق هزيمة نفسية له، وعلى أنقاض هذه الهزيمة النفسية تؤسس لمشروعها الثقافي المبني على السيطرة والهيمنة بأسهل الطرق، وما يزيد من ترسيخ هذه الفكرة في الوعي الجمعي العربي الإسلامي، هو سيادة اعتقاد كبير بأن سبب التفوق العسكري الذي أحرزته إسرائيل هو تفوق قيمي وأخلاقي وحضاري وثقافي، وتستغرب وتتملكك الدهشة حينما يظهر بين ظهرانينا مفكرون وكتاب يصدقهم الكثير من الناس، يدعون إلى اقتفاء أثر إسرائيل والاحتذاء بها، ليس فقط تطبيق التكنولوجيا الحديثة، بل في أسلوبهم في التنظيم والإدارة والنظام السياسي وعلاقتهم وقيمهم الاجتماعية ونمط سلوكهم.. وكأني بتفكيرهم أو يتصورهم هذا فيه دعوة صريحة إلى نوع من التماهي الثقافي مع كل ما تنتجه إسرائيل، دون أن يدركوا أن بذلك يقدمون خدمة مجانية لإسرائيل لتحقيق أولى أهدافها الثقافية المتصهينة، وتجني ثمار مشروعها الثقافي التغريبي المدعم من طرف القوى الغربية بطبيعة الحال، والسير فيه قدما.

تتمة المقال بعد الإعلان

وعلى هذا الأساس، نخلص إلى القول أن خطر الغزو الثقافي الذي تتزعمه إسرائيل، هو تهديد حقيقي للمشروع الحضاري العربي الإسلامي، الذي يقوم على اعتبار الوطن العربي وحدة سياسية وثقافية، وهنا بالذات ينبثق السؤال الجوهري وهو: ماذا نحن فاعلون لمواجهة هذا الخطر الداهم؟ تذهب بعض الأصوات في هذا الصدد إلى أن المشروع الحضاري العربي يحمل على مدار التاريخ جينات القوة والصمود.. فلقد تعرض طيلة هذا التاريخ لهزات عنيفة، واستطاع المحافظة على كينونته والقدرة على البقاء، وسرعان ما يسترجع عافيته، لكن لنكن شيئا ما واقعيين، فقد نتفق مع هذا الطرح، ولكن هذا لا يعني أن هذا المشروع الحضاري، بعد كل الهزات والارتجاجات، سيحافظ على نفس قوة مناعته، وخير دليل هو ما تتعرض له فلسطين اليوم من تخريب وتدمير وتقتيل وتهجير، لكن الشعوب العربية تتفرج على أبشع مأساة في التاريخ ولم تحرك ساكنا، لأن المشروع الذي تحدثنا عنه مخترق وتم تفتيت المجتمعات الحاضنة له، حتى صرنا أمام فيلقين متضادين: فيلق يناصر القضية الفلسطينية، وفيلق لا يهمه الأمر تحت مسوغات مختلفة، وبالتالي، يبدو أن الرهان على إجماع الأمة العربية لتحقيق النصر على الصهيونية العالمية رهان على حصان خاسر، ليبقى الخلاص في النهاية هو دعم المقاومة الفلسطينية ومن يتزعمها، بمعنى البحث عن رد فعل قوي تجاه إسرائيل يفسد وظيفتها ويهدد وجودها تلعب فيه الحركات الإسلامية بزعامة “حماس” دورا كبيرا أولا في تحقيق استقلال الدولة الفلسطينية، في انتظار أن تلتحق بها باقي القوى الأخرى، سواء الفلسطينية أو العربية، وثانيا، وقف مسار هذا الغزو الثقافي الذي تقوده الحركة الصهيونية لنسف دعائم الثقافة العربية الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى