المنبر الحر

المنبر الحر | حين تنهار اليقينيات وتصبح السخافة حقيقة

بقلم: عبده حقي

    اليقينيات هي الأسس التي نبني عليها قناعاتنا وفهمنا للعالم.. إنها توفر لنا إحساسا بالاستقرار وإطارا للتغلب على تعقيدات الحياة، ومع ذلك، فقد أظهر التاريخ أن ما كنا نعتبره يقينا بالأمس يمكن أن ينهار في مواجهة المعرفة الجديدة أو الظروف غير المتوقعة.

لقد انقلبت النماذج العلمية، التي كانت تعتبر في زمن سابق حقائق لا تقبل الجدل، رأسا على عقب، بفضل الاكتشافات العلمية الرائدة، إذ كان يُعتقد في السابق أن الأرض هي مركز الكون، وأمرا مؤكدا لا جدال فيه حتى قدّم كوبرنيكوس وجاليليو نموذج مركزية الشمس، وبالمثل، أفسحت الفيزياء النيوتونية، التي بدت أساسا لا يتزعزع، المجال أمام نظريات النسبية وميكانيكا الكم الأكثر دقة.

تتمة المقال بعد الإعلان

حتى في حياتنا الشخصية، يمكن لليقين أن ينهار، فالعلاقات التي تبدو غير قابلة للكسر يمكن أن تنتهي، والمهن التي كانت تعتبر آمنة في السابق يمكن أن تتعثر، والمعتقدات الراسخة يمكن أن تتطور، وتؤكد هشاشة اليقينيات هاته على عدم الثبات الذي يحدد التجربة الإنسانية، ومع انهيارها، يظهر فراغ في أعقاب ذلك، هاوية تظهر فيها العبثية كبطل غير متوقع.. إن العبثية، التي غالبا ما تكون مرادفة للاعقلانية أو التناقض، تتحدى مفاهيمنا المسبقة وتجبرنا على مواجهة طبيعة الوجود الفوضوية وغير المتوقعة.

في الأدب والفلسفة، تم استكشاف مفهوم العبث من قبل مفكرين مثل ألبير كامو، فالعبث بالنسبة إليه هو الصراع بين رغبتنا في المعنى واللامعنى الواضح للكون. وعندما تختفي اليقينيات ونواجه العبث، تأخذ الحقيقة شكلا جديدا، وهو شكل متناقض يوجد في قبول اللاعقلاني واحتضان السخافات المتأصلة في الحياة.

ولاختفاء اليقينيات وظهور العبثية كحقيقة أثار عميقة على إدراكنا للواقع، ففي عالم تتغير فيه الأرض تحت أقدامنا باستمرار، يصبح فهمنا للحقيقة نسيجا ديناميكيا ومتطورا.

تتمة المقال بعد الإعلان

ويتجلى هذا التصور المتغير في عالم السياسة، حيث تطمس “الحقائق البديلة” وسرديات ما بعد الحقيقة، الخط الفاصل بين الواقع والخيال، وفي مشهد حيث اليقين بعيد المنال، فإن السرد الذي يكتسب قوة قد لا يكون بالضرورة متجذرا في حقائق يمكن التحقق منها، ولكن في القوة المقنعة لسرد القصص، علاوة على ذلك، أدى العصر الرقمي إلى تضخيم هذه الظاهرة، ذلك أن سهولة النشر السريع للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات عبر الإنترنت، يمكن أن يحول الادعاءات السخيفة إلى حقائق منتشرة، مما يشكل الرأي العام ويغير مسار الأحداث.

إن التناقض بين اهتزاز اليقينيات وتحول السخافة إلى حقيقة، يتطلب اتباع منهج دقيق للتعامل مع إشكاليات وجودنا.. إنه يدعونا إلى التوازن بين الشك والانفتاح، والرغبة في التشكيك في افتراضاتنا مع الاعتراف بعدم اليقين المتأصل في واقعنا، كما أن اعتناق عبثية الحقيقة لا يعني الاستسلام للعدمية أو النسبية، وبدلا من ذلك، فهو يدعونا إلى إيجاد المعنى في خضم حالة عدم اليقين، لاستخلاص الهدف من فعل التنقل في التضاريس الغامضة للمجهول.

في الختام، فإن التفاعل المتناقض بين اختفاء اليقينيات وصعود السخافة كحقيقة، هو شهادة على الطبيعة المعقدة للتجربة الإنسانية.. إنه يتحدانا لإعادة تقييم علاقتنا باليقين، مما يدفعنا إلى استكشاف أعمق لرمال الإدراك المتغيرة باستمرار والروح الإنسانية المرنة التي تجد المعنى حتى في زوايا الوجود الأكثر سخافة.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى