المنبر الحر | شظايا حرب غزة تصل إلى المغرب

بقلم: بنعيسى يوسفي
يبدو أن شظايا غزة قد وصلت إلى المغرب، وهو الذي يبعد بأميال كثيرة عن ساحة المعركة، لكنه قريب وجدانيا ونفسيا إلى القضية الفلسطينية العادلة، بل هناك من يرتقي بها إلى مرتبة القضية الوطنية الأولى في المغرب “قضية الصحراء المغربية”، ولن نناقش ما يحدث في القطاع من أحداث ووقائع، فالصورة أصبحت في الوقت الراهن أبلغ من الكلام، ولعل الصور التي تتناقلها وسائل الإعلام على مستوى العالم قمينة بأن تمدنا بصور تعكس بجلاء كبير حدة وخطورة ما يحدث هناك بين المقاومة وبين الجيش الاسرائيلي، ولذلك آثرت في هذه الزاوية أن أناقش تداعيات هذه الحرب على المستوى الوطني، ليس على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وإنما على مستوى ردود الأفعال التي عبر عنها الكثيرون حيال هذه الحرب ودرجة الاختلاف فيما بينها، ولماذا هذه التفاوتات في الرأي إزاءها؟ وهل يمكن أن نستبق الأحداث ونقول أن هناك ثمة شكوك حتى لا نقول شيئا آخر، تحوم حول الإجماع الوطني على التعاطف مع القضية الفلسطينية، أم ما يصدر من بعض الأشخاص ما هو إلا تعبير عن رأي شاذ لا يمكن القياس عليه ولا يلزم إلا أصحابه؟ وفي المقابل، وحتى تستقيم المعادلة، كيف يمكن تفسير بعض الخطابات والسلوكات التي لم نألفها حقيقة في مجتمعنا والتي تجاهر بالتطبيع التام مع الكيان العبري وإنشاء علاقات طبيعية معه وإن كان هذا لا يفسر ولا يبرر ما تقترفه إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني من جرائم إنسانية، ليس في هذه الحرب وحسب، لكن منذ عقود طويلة؟
إلى هنا، يمكن أن نفهم ونتفهم ما يرمي إليه أصحاب هذا الطرح أو أصحاب هذا الموقف، خصوصا إذا استحضرنا مجموعة من السياقات والمستجدات الأخيرة التي عرفتها علاقات المغرب بإسرائيل، والتي تسير ولو بحذر في هذا الاتجاه، وهذا شأن الدولة الرسمية وهي الوحيدة التي تعرف دواعي وأسباب النزول، لكن الذي يستعصي على الفهم هو حينما تتجاوز الأمور هذه الحدود، وتجد أصواتا وبطريقة استفزازية تقول أننا “كلنا إسرائيليون”، فهنا مكمن الخطورة، ومكمن التحول والشكوك التي تراود الكثير منا حول الإجماع الوطني حول القضية الفلسطينية، لأنه لم يسبق ربما في التاريخ المغربي أن صدرت مثل هذه العبارات من أي مواطن مغربي، فمثلما انبرى صاحب مقولة “حماس حيوانات” في إحدى البرامج التلفزيونية إلى تبرير ما يعتقده سوء فهم لكلامه، فلم يقنع أحدا، وتبين أنه سقط في المحظور، فنفس الشيء هو ما قامت به ثلة ممن يصعب تصنيفهم هل من الصحافة، أم من المثقفين، أم من أي صنف آخر يصعب تحديده، في إحدى الإذاعات الخاصة، والذين اجتهدوا هم أيضا في لَيِّ عنق الكلمات والمفردات عنوة لإيجاد مخرج يرفع عن صاحب المقولة الحرج والتحرج، لكن للأسف لم يحالفهم التوفيق، لأن المقولة صريحة وواضحة ولا تحتاج للتأويل، ويبقى المثير للدهشة في هذا كله، هو الكلام الذي جاء على لسان أحدهم وقد استبدت به الحماسة والشجاعة والجرأة الممكنة كما قال، وهو إعلانه عن تأييده المطلق للتطبيع مع إسرائيل، وأنا إن كنت متأكدا أن كل هذه البروباغندا الزائفة لا يمكن أن تغير من الواقع شيئا، إلا أن الجهر بهذه المواقف واستغلال وسائل الإعلام في ذلك والحرب مستعرة، لا يمكن قبوله البتة، احتراما لمشاعر المغاربة أولا المتضامنين مع إخوانهم في غزة، وثانيا من الناحية الإنسانية، يجب احترام الشعب الفلسطيني الذي يمر من محنة كبيرة وهو يشيِّع على مدار اليوم عددا لا يستهان به من القتلى، فقليلا من المروءة يا سادة! وإذا جاز لنا أن نعتبر أن ما صدر عن هؤلاء من مواقف تعكس حبهم لإسرائيل وبتلك الطريقة هي مواقف متطرفة غير معهودة وغير مسبوقة، فدعونا نكشف النقاب عن موقف آخر يبدو مغايرا للموقف الأول، لكن يتقاطع معه في أشياء كثيرة، وهو أيضا لا يخلو من خطورة وتطرُّف، إنه ذلك الذي صدر عن مَن طالما يتبجح بمرجعيته الحقوقية الكونية، ولطالما يردد في كتاباته أو استجواباته أنه ينحاز تماما إلى القضايا العادلة في العالم، إلا إذا اعتبر أن القضية الفلسطينية ليست عادلة، فهذا كلام آخر، مما قد يُفهَم من ذلك العكس، وتصبح القضية الإسرائيلية بذلك هي العادلة، وهذا قلب غير بريء للمعادلة وينطوي على خطورة كبيرة في الواقع، ومهما كانت التبريرات والمسوغات التي يسوقها صاحب هذا الطرح للدفاع عن رأيه هو وبعض من أتباعه ومن يدور في فلكه من بعض الأمازيغيين، وإن كنت أجزم أنه لا يمثلهم كلهم، وبالتالي، أتساءل عمن أعطاه هذه الصلاحية للحديث باسمهم، من قبيل أنه يرفض الانخراط في خطاب القومية العربية الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب، ويتحفظ على خطاب الإسلاميين الذي يخلط الإسلام باليهودية مما قد ينتج عنه ما يسميه هو بـ”كراهية الأديان” وقس على ذلك من التبريرات الأخرى التي تزكم فيها رائحة الإيديولوجية والتعصب الأنوف، وهذا ما يجعل هذه التبريرات وكأنها تغريد خارج السرب، ولا تنسجم مع القيم التي يدافع عنها وبعيدة كل البعد عن الشعور العام والجمعي الذي يبصم عليه المغاربة تجاه فلسطين منذ زمن بعيد.
ختاما، ونحن نتابع هذا النقاش الدائر اليوم حول حرب غزة وظهور أصوات تجاهر بما كانت تضمره سابقا، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معها، فهي تعطي صورة واضحة على مستوى حرية التعبير والرأي التي تسود في المجتمع، لكن دون أن يكون ذلك مدعاة لتثبيط العزائم أو تبخيس الجهود التي يبذلها شعب اغتصبت أرضه أمام مرأى ومسمع العالم ولا من يحرك ساكنا.



