المنبر الحر

المنبر الحر | الإبداع بين الحق في الاقتباس وآفة القرصنة

بقلم: عبده حقي

 

    في العديد من المنظومات القانونية الدولية، هناك مفهوم يعرف باسم “الاستخدام العادل”، الذي يسمح بالاستغلال المحدود للمواد المحمية بحقوق الطبع والنشر دون الحصول على إذن من المالك الأصلي، وينطبق هذا عادة على المواقف التي يتم فيها اقتباس مقتطف أو جزء قليل من العمل الإبداعي أو استخدامه لبعض الأغراض، مثل التناص أو الاستشهاد أو النقد أو البحث العلمي أو إعداد التقارير الإخبارية.

تتمة المقال تحت الإعلان

يعتبر الحق في الاقتباس سندا هاما للغاية لتعزيز حرية التعبير وتبادل الأفكار، ويساعد على تقييد حق المؤلف إلى حد ما من السيطرة الشمولية على الإبداع وأي خطاب بشكل عام.

ومن ناحية أخرى، فالقرصنة هي الاستنساخ غير المصرح به، أو توزيع أو مشاركة المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر دون الحصول على إذن صاحب حقوق الطبع والنشر، ويتضمن ذلك إجراءات مثل تحميل أو تنزيل الأفلام أو الموسيقى أو البرامج أو الكتب أو النصوص الأدبية بشكل غير قانوني، وغالبا ما يكون ذلك بهدف الاستفادة من هذه الاستنساخات غير المصرح بها، وهي (القرصنة) تعتبر سلوكا غير قانوني بشكل عام، وانتهاكا لقانون حقوق الطبع والنشر.

إن التمييز بين هذين المفهومين (الاقتباس والقرصنة) أمر بالغ الأهمية، فالحق في الاقتباس يدعم مبادئ حرية التعبير والتعلم والنقد، في حين يتضمن الحق في القرصنة أنشطة غير قانونية تقوض حقوق المبدعين والحوافز الاقتصادية والمادية لإنتاج الأعمال الإبداعية في مختلف المجالات.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن التوازن بين حماية الملكية الفكرية وتعزيز حرية التعبير، هو نقاش معقد ومزمن، حيث تختلف القوانين والمساطر الإدارية بين البلدان والمجتمعات، وهي ما تزال تستمر في التبلور والتطور مع تغير التكنولوجيا لكيفية إنشاء المحتوى ومشاركته واستهلاكه.

لذلك، فإنه من الواجب على كل شخص، احترام قوانين حقوق الطبع والنشر والحصول على الأذونات المناسبة عند استخدام المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر، مع الدعوة أيضا إلى أهمية الاستثناءات، مثل التوظيف العادل للسماح بالاستخدامات المشروعة والمفيدة للأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر.

ومن المؤكد أن هناك بعض النقاط الإضافية التي يجب مراعاتها عند مناقشة “الحق في الاقتباس” و”الحق في القرصنة”، ومن بينها على الخصوص موازنة المصالح بين الأطراف المعنية، حيث يعكس التوتر بين الحق في الاقتباس والحاجة إلى مكافحة القرصنة، التحدي الأوسع المتمثل في تحقيق التوازن بين مصالح المبدعين والمستهلكين على حد سواء.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتهدف قوانين حقوق الطبع والنشر إلى تحقيق هذا التوازن من خلال منح المبدعين حقوقا حصرية لفترة محدودة مع السماح أيضا باستثناءات يستفيد منها المستهلك والمجتمع.

في عصرنا الرقمي هذا، أدت القرصنة الرقمية بالفعل إلى خسائر اقتصادية كبيرة في عديد من الصناعات الفنية والتكنولوجية، مثل الموسيقى والأفلام والبرمجيات.. مما حتم على جميع الأطراف تكثيف الجهود المبذولة لتعزيز تنزيل وتنفيذ حقوق النشر وتدابير مكافحة القرصنة.

ويرى بعض المهتمين، أن القرصنة تكون “مقترفة” باحتياجات المستهلكين المحتاجين، مثل توفر المحتوى وعدم القدرة على تحمل تكاليفه، وقد ظهرت خدمات البث القانونية والأسواق الرقمية بأسعار معقولة كبدائل للقرصنة، مما يسهل على المستهلكين الوصول إلى المحتوى مع تعويض المبدعين بشكل غير مباشر.

تتمة المقال تحت الإعلان

بالإضافة إلى الجوانب القانونية، هناك اعتبارات أخلاقية، إذ غالبا ما تنطوي القرصنة على مصادرة الإيرادات من المبدعين والعاملين في الصناعات الإبداعية، ويمكن أن تكون لهذا عواقب وخيمة، خاصة بالنسبة للفنانين المستقلين ومنتجي المحتوى المبتدئين، وغالبا ما تتضمن مكافحة القرصنة مزيجا من التنفيذ القانوني والتعليم العام.

تعمل المؤسسات الصناعية ومنشئو المحتوى معا، لتنفيذ قوانين حقوق الطبع والنشر، بينما تهدف حملات التوعية العامة إلى تثقيف المستهلكين والجمهور عامة حول الآثار الوخيمة المترتبة على القرصنة، ثم إن قوانين حقوق النشر ليست ثابتة، بل تتكيف باستمرار مع التقنيات الجديدة والاحتياجات المجتمعية، وسيستمر التوازن بين الحق في الاقتباس والحاجة إلى منع القرصنة في التطور مع تحديث الضوابط  القانونية.

باختصار، يؤكد “الحق في الاقتباس” على أهمية حرية التعبير والتعلم مع احترام حقوق منشئي المحتوى الأصليين، ومن ناحية أخرى، يتضمن “الحق في القرصنة” أعمالا غير قانونية تضر بالمبدعين والصناعات الإبداعية، ويشكل تحقيق التوازن بين هذه الحقوق والمسؤوليات تحديا مستمرا، ومن المهم أن يواصل المجتمع المدني والمؤسسات المسؤولة، مناقشة الإطارات القانونية والأخلاقية وتكييفها وتحديثها لتعكس المشهد التكنولوجي والثقافي المتغير.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى