تاريخ

تاريخ | رحلة في كتابات المرأة التي انتقلت من خيمة الفلاح إلى قصر السلطان

المغاربة قبل مائة عام.. عادات ومعتقدات وطقوس شعبية

يقال أن “سياسة الدول في جغرافيتها”.. ولعل في هذا القول الكثير من الحقيقة، فعندما نستحضر بلدا مثل المغرب، وكيف فرضت عليه جغرافيته خصوصية سياسية واقتصادية وثقافية ودينية، وفي علاقاته الدولية التي مارسها بكثير من التعقل والحذر والحيطة والتريث الدبلوماسي، وتتبدى هذه المسألة بوضوح إبان التغول الإمبريالي والضغوطات الأوروبية التي تعرض لها خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولعل هذا الحذر الشديد الذي نهجه السلاطين المغاربة تجاه الآخر المخالف في الدين والثقافة، هو ما حدا بالمغامرين والرحالة والجواسيس الأوروبيين الذين زاروا المغرب في تلك الفترة، إلى وصف المغرب بـ”الغموض” و”الانغلاق”، والمفارقة هنا، أن هذا الغموض نفسه هو الذي دغدغ فضول هؤلاء وحملهم على القيام برحلات ومغامرات إلى المغرب، والتنقل عبر مناطقه، والتقرب من سكانه للتعرف على ثقافتهم واعتقاداتهم وسلوكياتهم وممارساتهم الثقافية بشكل عام.
ومن بين الكتابات الهامة التي أنتجها هؤلاء الرحالة حول المغرب كتاب: “المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام” للطبيبة فرانسواز أورسول إنتر، التي توقع كتاباتها ومقالاتها بالاسم العائلي لزوجها “الدكتورة ليجي”.

بقلم: خولة التاقي
باحثة في السوسيولوجيا جامعة السلطان مولاي سليمان

الدكتورة ليجي.. طبيبة مراكش

تتمة المقال تحت الإعلان

    رأت فرانسواز أورسول إنتر النور في الجزائر عام 1872، وتخرجت من كلية الطب بباريس، ومارست المهنة عام 1902 بالجزائر. تزوجت المحامي جول ليجي، وخلال إجازتها الصيفية عام 1909، زارت مراكش رفقة زوجها، وهي المدينة التي شهدت مقتل الطبيب موشان سنتين قبل ذلك (1907)، مخلفا كتابه عن السحر في المغرب، وقد كانت واقعة قتل موشان من بين الدوافع التي جعلت الدكتورة ليجي تستقر في مراكش، وتواصل ما كان يقوم به موشان من أبحاث. إبان هذه الزيارة، تعرفت ليجي على باشا المدينة، التهامي الكلاوي، الذي استضافها في قصره، ووضع رهن إشارتها منزل أخيه المدني الكلاوي، لقضاء عطلتها الصيفية.

وفي سنة 1910، كلفت ليجي بمهمة طبية دائمة بمراكش من طرف وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية، ثم استدمجت بعد سنتين في سلك “المساعدة العامة”. وقد منحها الباشا الكلاوي قطعة أرضية لإقامة مستوصف لعلاج الأطفال المغاربة، قبل أن يتحول إلى دار للتوليد والولادة، حيث كانت النساء يطلقن على هذه “المصحة” اسم “دار مدام لوجي”.

كانت ليجي تتقن العربية وتتعامل بلطف وود مع النساء المغربيات، مما جعلها تنال ثقتهن وتقنع الكثيرات منهن بأهمية العلاج والطب العصري عوض زيارة الأضرحة والأولياء والسحرة والأعشاب، وبالفعل، فقد نجحت في مسعاها وتضاعف عدد المعالجات لديها إلى ستة آلاف سنة 1925، وأنشأت كذلك مركزا لتكوين ممرضات وقابلات مغربيات لمساعدتها في العمل، وتجدر الإشارة إلى أنها تزعمت الدفاع عن حقوق النساء المغربيات، وأن من واجب سلطات الحماية أن تجعل ضمن أولوياتها إلغاء العبودية وإصلاح نظام الحريم، وتم نقل ذلك من طرف جريدة “نيويورك تايمز” في 5 يناير 1913، تحت عنوان: “من أجل تحرير النساء المغربيات”.

تتمة المقال تحت الإعلان

يبدو إذن، أن الدكتورة ليجي استطاعت بمواهبها ومهارتها في التواصل، أن تتقرب من المغاربة نساء ورجالا، بسطاء وأغنياء، وهو ما أشارت إليه في كتابها سالف الذكر بـ: ((من خيمة الفلاح ذات سقف القش إلى قصر العاهل سيد هذه الإمبراطورية الميمونة، حيث استُقبلت بثقة كاملة))، وتضيف كذلك أنها استطاعت ((بفضل علاقات تعمقت وديتها، أدركت ما كان يدور حولي ورؤية المغرب من زاوية جد جديدة، ومن اللازم علي القول إن هذا الإدراك للروح المغربية هو ما يولد نجاحي كطبيبة لمساعدة الأهالي، ويجلب إلى مصلحتي الطبية عددا متزايدا من المرضى كل يوم)).

قضت ليجي 15 سنة في المغرب، وهي مدة أسعفتها لإنجاز بحثها الذي اعتمدت فيه على مؤلف الباحث الأنثروبولوجي الفرنسي بول سيبِيو، حول “فولكلور فرنسا”، من أجل محاولة فهم ودراسة وتنظيم وتصنيف وتبويب المعطيات والمعلومات التي راكمتها حول المعتقدات والطقوس الشعبية عند المغاربة واليهود، في مختلف مناحي ومجالات الحياة في مغرب عشرينيات القرن 20. وقد أنهت كتابها الذي وصفته بـ”أبحاث في الفولكلور المغربي” سنة 1925 وصدر في السنة الموالية، وأهدت نسخة إلى المارشال ليوطي، تعبيرا عن احترامها وتقديرها له، وبطبيعة الحال، فقد رد عليها ليوطي برسالة قائلا: ((قرأت بمتعة أساطيرك المغربية، لكن دعيني أهنئك، وأحتج على خاتمة تصديرك للكتاب.. فكيف، في ظل هذه المهمة التي تضطلعين بها الساعة تلو الأخرى، وجدت الوقت لتجميع ومواءمة هذه الأساطير والحكايات بهذا القدر من البهاء؟ إنك في هذا المجال أيضا تقدمين عملا ذا أهمية عالية، فأدب هذه البلاد الشعبي، العربي والبربري، يزخر بالإبداعات الفتانة، وكذلك الجميلة في كثير من الأحيان، والتي من الأهمية بمكان الحفاظ عليها في طراوتها. أهنئك بحرارة على تخصيص قريحتك لهذا الأدب خلال أوقات فراغك النادرة)).

 

تتمة المقال تحت الإعلان

التغذية.. طقوس وعادات ومعتقدات

    يمثل القمح والشعير أساس التغذية لدى المغاربة، وتشير الدكتورة ليجي إلى أن زراعة هذه الحبوب تتم وفق طقوس ومعتقدات قصد تحقيق محصول جيد ووفير نهاية السنة الزراعية، فخلال موسم البذر ((يستيقظ الفلاح فجرا، ويتوضأ ويصلي، ثم يلتحق بحقله، وهناك يحمل في يده أولى البذور التي سيذرها أرضا.. والباذر لا ينزع الشعر من بدنه طيلة موسم البذر، لكي لا تظهر في الحقل جزر صغيرة جدباء، كما أن زوجته، خلال الموسم نفسه، تفك شعرها، وتمشطه وتدليه على كتفيها حتى تكون السنابل مليئة بالحبوب، غير أن الزوجة ذات الشعر القصير أو الصلعاء لا تكشف عن رأسها لإظهار شعرها للأرض، وإلا كانت سيقان السنابل قصيرة بشكل غير مرغوب فيه))، ومن الطقوس أيضا أن ((الزوجة تقوم بخبز خبز تضعه فوق المحراث قبل إطعامه لأطفالها، اعتقادا أن ذلك يجعل الأرض أكثر خصوبة، كما يتم كسر الرمان فوق سكة المحراث ويلقى فوقها التمر، من أجل سنابل ممتلئة بالحبوب)).

ويعتقد المغاربة أن الفلاح عندما يتزوج زوجة حديثة، فإن المطلوب من الزوج أو من والدها، أن ((يحفن ملء كفه من أول مكيال قمح يريد بذره، ويحك به رأسها وإثرها، حيث يبذر هذا القمح أولا وهو يقول في نفس الوقت: “هاذ الكَمح عْلى سَعْد لَعْروسة”، فإذا كان حاصل الحصاد وفيرا، فهذا دليل على حسن اختيار الزوجة وعلى البركة التي تحيط بها))، كما تشير الدكتورة ليجي إلى أن ((الفلاح مالك الحقل، هو من يحصد الحزمة الأولى من القمح أو الشعير مرددا: “حْصدت البركة، ما حصدتش الزّْرَع”، ويتم ربط هذه الحزمة بصوف غير مغزول، وتعلق على السارية المركزية التي يرتكز عليها سقف “الخيمة” وتسمى “غْمارة البركة”))، ويفضل بعض المغاربة إعداد خبز منها يودع في مخزن الغلة لضمان البركة في الحبوب المخزنة.

تتمة المقال تحت الإعلان

تؤكد الدكتورة ليجي أن الخبز يعتبر أكلة مقدسة في الأوساط المغربية، حيث يحرم تدنيسه، فقد ((تعرضت زنجية للسحر في القمر بسبب تنجيسها خبزا))، لهذا فعندما يصادف أحدا كسرة خبز مرمية، عليه أن يلتقطها ويقبلها ويضعها في مكان لا تدنس فيه، بل إن بعض الناس من يأكل منها قليلا، ومن جهة أخرى، لاحظت ليجي أنه يحضر إعطاء الخميرة لأحد بعد الساعة الثالثة زوالا، كما يمنع تزويد أحد بالنار مساء، أو بطاجين طهي الخبز، أو بالسمن، فإن ذلك ينبغي أن يتم في النهار، ويعتقد المغاربة أنه عندما نصادف أحدا يحمل حليبا أو لبنا حامضا أو عسلا، فإنه ينبغي لنا غمس أصابعنا في ذلك السائل ولعقها، تفاديا لإصابة حامله بالعين الشريرة، والمحظور كذلك، إخماد نار الطبخ بالماء أو البصق على الجمر، لأن الجن يحتاجونها لطهي طعامهم أو للتدفئة.

 

الحب والزواج والسحر..

تتمة المقال تحت الإعلان

    تقول ليجي أن ((الحب يهيمن على حياة المرأة المغربية كلها))، غير أن تعدد الزوجات والحريم وانتشار الفساد، تولد الغيرة في نفوس النساء، وفي إطار المنافسة على الرجل أو الزوج، تلجأ المرأة إلى ممارسات سحرية غريبة، إلا أن الممارسات السحرية المنجزة تختلف مدتها ومفعولها بين جنس الساحر ذكر/ أنثى، إذ يعتقد المغاربة أن الأذى السحري المنجز من طرف الساحر الذكر، مؤقت لا يتجاوز أثره أربعين يوما، فيما يستمر المنجز السحري الأنثوي إلى الأبد، ولهذه المسألة صداها في المثل الشعبي القائل: “سْحور النساء غْلب الطلبة ولِيهود”.

تشير الباحثة ليجي، إلى أنه في ليلة عاشوراء، يزدهر السحر والسحرة، حيث يعد السحر المنجز في هذه المناسبة خطيرا وله مفعول قوي، إذ تذهب الساحرات إلى المقابر لتجميع ماء القمر، كما يقمن بمجموعة من الممارسات والأعمال من أجل جذب الجن والتقرب إليه والتحدث معه، حيث يطلب منهن مبتغاهن، وبعد انتهاء هذه الطقوس، تعتقد الساحرة أن القمر سقط في “كصعة” الماء وانطفأ فيها، فيتحول السائل إلى رغوة تشبه الصابون، فتقوم بملء قنينة بهذه الرغوة وتخزنها لاستعمالها في أعمال سحر المحبة والكراهية، كما تقوم الساحرات بتوظيف يد الميت في المقابر لفتل الكسكس، الذي يستخدم في سحر المحبة بين الأزواج، أو في ترويض الزوج حاد الطباع حتى يتحول إلى رجل ساكن كالميت.

استنتجت ليجي ء من بحثها ء أن الزواج يشكل المآل الطبيعي لحياة الفتيات في المغرب، لكن ليس كل الفتيات يحققن هذه الأمنية، فثمة من لا تتمكن من الزواج، وهو ما يجعل عائلتها والمقربين منها يعتقدن أنها تعاني من “العكْس” أو “الثْقاف”، تقول الدكتورة ليجي، أنه ((في حالة عدم زواج شابة مغربية، تُنقل سبعة أيام سبت متوالية إلى مقبرة يهودية، تُنزع عنها ملابسها هناك وتغتسل بماء المكان، ثم تُحرق عطور كريهة الرائحة للحصول على أدخنة: شوك قنفذ، وأظلاف حمار، والفاسوخ والكبريت، ويبخر جسم الفتاة عن آخره بهذا الدخان، كما يتم إبعاد الفتاة عن الأنظار، ولا تشارك في الحفلات المقامة في بيت أسرتها، حيث تبعد إلى المطبخ أو غرفتها، وذلك لتجنيبها العين والحسد)).

تتمة المقال تحت الإعلان

على الرغم من عدم تناولنا لجميع الموضوعات التي قاربتها الدكتورة ليجي في كتابها “المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام”، فنعتقد أن ما حاولنا ملامسته وعرضه في هذه المقالة يعد كافيا لإعطاء فكرة عامة عن الكتاب من جهة، وعن طبيعة الثقافة الشعبية التي كانت ولا يزال بعضها منتشرا بين المغاربة، كمعتقدات وطقوس شعبية، لفهم وتفسير العديد من الظواهر الاجتماعية والأنثروبولوجية.. هذا علما أن الباحثة ليجي نفسها، تعترف بأنها لم تحط بجميع جوانب الموضوع، بل لامسته فقط كما تقول بصريح العبارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى