تاريخ

تاريخ | روح الاستعمار حاضرة في الخطاب السياسي الفرنسي بإفريقيا

من رئيس لرئيس

بقلم: ذ. محمد جباري
أستاذ باحث في التاريخ والفكر

    “هل الإنسان دائم التغير أم هو هو نفسه؟”.. هذا التساؤل طرح إشكالية اختلف حولها الفلاسفة، وتعددت بشأنها المواقف والأطاريح، لذلك سنسعى إلى توظيف هذه الإشكالية الفكرية والفلسفية لمناقشة ومقاربة موضوع سياسي بالدرجة الأولى، يتعلق بتطور طبيعة حضور إفريقيا في الخطاب السياسي الفرنسي، ونظرة فرنسا لدولة لها سوابق استعمارية لإفريقيا والأفارقة، ونعتقد أن هذا الموضوع يكتسي أهمية وراهنية تبرر تناوله والخوض فيه، وذلك في سياق النكسات والخسائر السياسية التي تعرضت لها فرنسا مؤخرا في العديد من الدول الإفريقية، وخطابات الرفض والممانعة والنقد والمطالبة بالرحيل، التي عمت كثيرا من الشعوب الإفريقية تجاه الحضور الفرنسي بإفريقيا، دولة استعمارية غاصبة وناهبة لخيرات ومقدرات هذه القارة، لهذا سنحاول تقديم قراءة في خطابات متفاوتة زمنيا واحدة الهوية الفرنسية لذلك، سنتوقف عند ثلاث لحظات مختارة بدقة، نقيس بها طبيعة الحضور الإفريقي في الخطاب الفرنسي:

1) لحظة الاعتقال:

    يعتبر جول فيري، رمز اللحظة الأولى بامتياز، فهو وليد القرن 19 والشخصية البارزة في الساحة السياسية آنذاك كسياسي فرنسي ووزير للمستعمرات الفرنسية، في سعينا لمساءلة فيري عن ماهية الخطاب أو الطرح الإيديولوجي الذي يحمله، فإنه يقول: “لسنا فلاسفة وإنما رجال عمل نريد لمستعمراتنا التوسع والقوة، ولذلك يجب علينا التصرف عمليا وفعليا”.. إنها مقولة تعبر أصدق تعبير عن الروح الإمبريالية التي كان فيري من أشد المتحمسين لها، باعتبارها كما يرى هو نفسه، استجابة فعلية للتحولات والحاجيات التي طرحتها الثورة الصناعية، بشريا واقتصاديا وسياسيا، ويعني ذلك أن المستعمرات تمثل للإمبريالية فضاء شاسعا للتصدير والاستثمار، أما من الناحية الأخلاقية، فإن فيري يجسد كذلك الوجه الثاني للعملة الإمبريالية، وفي هذا الصدد، فإنه يتبنى بكل افتخار الادعاء القائل بـ”المركزية الغربية”، ذلك أن “القانون الإلهي” كرم كما فضل الرجل الأبيض، وكلفه بحمل رسالة “تمدينية” إلى الشعوب “البدائية”، القاصرة عن تدبير شؤونها، ومدها بمبادئ “العبقرية الفرنسية”، وقد عبر فيري عن ذلك قائلا: “نشر ونقل حضارتنا عمل جليل يشرف المؤسسة الكولونيالية”، وليس غريبا هذا الأمر ما دام الله خلق نوعين من البشر، نوع يوجد في الشمال، خلق ليسيطر ويقود النوع الثاني من البشر الموجود بالجنوب، على حد تعبير فيري.

تتمة المقال تحت الإعلان

2) لحظة الإفراج مع بقاء التهم:

    إذا انتقلنا من العصر الكولونيالي إلى القرن 21 حيث الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والعدالة، وغيرها من الشعارات الرنانة التي يتشدق بها الغرب الأوروبي وصديقه الأمريكي، فسنقف على لحظة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي اعتمد في خطاب له أثناء زيارته الأولى لإفريقيا، على “التراث الكولونيالي” في صياغة مضامين الخطاب وبنيته المفاهيمية، فالإنسان الإفريقي – حسب ساركوزي – شخص تعوزه المبادرة والتحدي وروح التغيير والتطور، مقابل الركون إلى الطبيعة والاكتفاء بالذات.. لقد اعتبر ساركوزي الصورة التي اختزلتها الذاكرة الإفريقية عن المستعمِر بوصفه غازيا جبارا، سلب من إفريقيا هويتها ودنس روحها وأشبع غريزته من خيراتها… هو عند ساركوزي قول يفتقد لـ”الفهم والتحليل العقلاني”، ذلك أن الخدمات الجليلة والإنجازات الباهرة التي قدمها “العقل الأوروبي” لإفريقيا ترفع عنه كل الزلات والانزلاقات التي صدرت عنه، فكون “الأوروبي رسول رسالة حضارية إلى إفريقيا، قصد تهذيبها وتلطيف غرائزها”، وكون “الأوروبي سفير وهب نفسه في سبيل مد الشخصية الإفريقية بالحضارة وفك عزلتها وجهلها، مقابل تربيتها على الانفتاح وتخليصها من الخرافة والأسطورة”.. أمام كل هذه “المبادرات” – مع ساركوزي – لا يبقى مجال لنعت وقذف “الأوروبي” بالمتسلط، بل هو إنسان نبيل قدم ليهدي إفريقيا إلى الصواب ويخرجها من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة، ويهديها قيمة “الحب” كأسمى قيمة في الكون، ولعل مسألة إفريقيا والتاريخ تعد من أكبر المآسي والعقد التي تكبل الإفريقي الذي “لم يدخل التاريخ بما فيه الكفاية”.. فهل لأن إفريقيا لم تدون تاريخها، وظلت تعتمد على الشفهي اتهمت بأن ليس لها تاريخ، وبالتالي، فسحت المجال للآخر ليكتب تاريخها وفق إرادته ومشيئته؟

إن خطاب ساركوزي إذن، ليس إلا انبعاثا واستمرارا للنظرة العنصرية لأوروبا/ فرنسا الاستعمارية، فجاءت أحكامه وخلاصاته متطابقة تماما مع النسق الفكري الكولونيالي.

تتمة المقال تحت الإعلان

3) مصالحة أم مصلحة ؟

    على النقيض من الأطروحة الكولونيالية لساركوزي، حاول الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، أن يؤسس لتصور جديد في السياسة الخارجية الفرنسية، حيث أكد في جولة له بالقارة السمراء، أن “إفريقيا الفرنسية” قد ولت، ودعا إلى تأسيس علاقة بين الطرفين كمجالين قائمين بذاتهما، قوامها المساواة والتضامن و”الصدق”، وبالتالي، فإن سياسة هولاند بما هي محاولة لتجاوز “سياسة إعطاء الدروس الأخلاقية” أو فرض النموذج الفرنسي، فهي تتطلع إلى فتح صفحة جديدة مع إفريقيا أساسها نسيان الماضي والتركيز رأسا على المستقبل، ويكون ذلك من خلال اعتبار الأفارقة أصدقاء فرنسا، حسب هولاند.

ومن جهة أخرى، نجد أن سياسة هولاند تعترف بالتحولات والإنجازات التي حققتها إفريقيا، ومن ضمنها الإشادة بالتجربة السنغالية في مجال الديمقراطية والحفاظ على الأمن والاستقرار، فإفريقيا – عند هولاند – تحتل مكانة الشريك الاستراتيجي، لأنها بكل اختصار أمن فرنسا القومي، ولعل ذلك ما حمل هذا الأخير على القيام بتدخلات عسكرية في شمال مالي ضد الوحدات الجهادية هناك. ويمكن تفسير إعادة الصياغة هاته في الخطاب الفرنسي ومراجعة أشكال التموقع في إفريقيا، بالمنافسة الصينية الشرسة، فالصين أضحت تلعب دورا اقتصاديا جد هام، أضعف من النفوذ والتمركز الفرنسي في المنطقة، أما إذا كان هولاند يريد من شركائه الأفارقة علاقات أساسها الاحترام والحقيقة، فإن العديد من المراقبين يرون أن هولاند رغم قوله بـ”طي الماضي”، لم يبد رغبته في التراجع عن القانون الذي سبق ووضعه سابقه نيكولا ساركوزي، والقاضي بتمجيد الاستعمار الفرنسي في الخارج، كما لم يقدم اعتذارا للأفارقة كما هو الشأن مع اليهود الذين قدمتهم فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية للنازية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ختاما، وعلى ضوء القراءة التي أدلينا بها توا حيال الخطاب الفرنسي على اختلاف زمنيته، فإننا نعتقد، إجابة عن الإشكالية التي افتتحنا بها مداخلتنا، أن التصور المَاهَوِي الذي يرى بوجود ماهية ثابتة للشخص، أي أن الشخص هو هو نفسه أقرب إلى الواقع، وحجيتنا في ذلك، ذاك التطابق الواضح والاستمرارية التي بانت لنا من خلال النماذج المدروسة، وإن كانت لحظة هولاند توحي في ظاهرها وتعبيراتها بأن ثمة انعطاف ما وتحول في أسلوب تواصل الشخصية الفرنسية مع بقية الشعوب، لاسيما الإفريقية جنوب الصحراء، وربما كان المحرك الاقتصادي وحماية المصالح الفرنسية بالمنطقة حاملا قويا لهولاند من أجل تشكيل سياسته الإفريقية، وحتى إذا ما سلمنا – جدلا- ببراءة مسعاه، فإننا نقول: لطالما هناك تيارات فكرية وحزبية متباينة الرؤى والإيديولوجيات، واستمرار الأحكام الكولونيالية/ “الكليشيهات” الجاهزة في المقررات التعليمية بأوروبا بوجه عام، علاوة على موجة اليمين المتطرف الآخذة في الاستفحال والصعود في عدد من الدول الأوروبية، فلا يمكن الاطمئنان بتاتا لبعض اللحظات “العرضية” في السياسة الخارجية الغربية/ الفرنسية، فسرعان ما تتلبد السماء الغربية بالغيوم والرياح الكولونيالية لتعاود نسج خطاب الأجداد، وبالتالي، أمكننا هنا الحديث عن مفهوم سيرورة وليس صيرورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى