المنبر الحر

المنبر الحر | عن أي دخول سياسي يتحدثون ؟

بقلم: بنعيسى اليوسفي

    لطالما يتم الحديث في المغرب في بداية شهر شتنبر من كل سنة، عن شيء اسمه “الدخول السياسي” أو “الدخول الاجتماعي”، أو ما شابه، وبقدر ما تثيرني هذه المقولات، التي تجعلني أتذكر الدخول الحقيقي الذي نعرفه جميعا “الدخول المدرسي”، لأنه بالفعل ينطبق عليه فعل الدخول، بقدر ما تنتصب أمامي أسئلة عديدة مرتبطة بالخصوص بالدخول السياسي، فلن أطرح السؤال حول المفهوم أو الهدف أو الغاية والأبعاد، لأنه لا يمكن أن نتحدث في علم السياسة عن شيء اسمه “الدخول السياسي”، وحتى نظريات الفكر السياسي لم تتحدث عن هكذا مقولات، ما يعني أنها مستحدثة في سياق سياسي معين، والمسألة تكاد تكون تقليدا أو عرفا شفويا لا يضيف أي شيء للواقع السياسي وسيرورته المجتمعية، لذلك تجدني أطرح السؤال فقط: ما الداعي إلى التمسك بهذه المقولة في الحقل السياسي المغربي؟ وأقول المغربي، لأنه من الصعب أن تجد من يتحدث عنه في جل المجتمعات، وحتى إن وجدت من يتحدث عنها في بعضها، فإنها غالبا ما تدل على شيء عملي وفعلي، وهي تعني الرجوع الفعلي للرئيس، أو الوزير الأول في الأنظمة البرلمانية من العطلة الصيفية، فينعقد مجلس للحكومة الأول وتثار فيه في الغالب أهم ملفات السنة المقبلة، وكذلك الملفات العالقة والحارقة، وهذا ما لا ينسحب على الحكومة المغربية والسياسيين المغاربة الذين يتحدثون عن “الدخول السياسي” دون تنفيذ الأجندة المطلوبة من خلاله كما هو الشأن عند بعض الدول أو المجتمعات الديمقراطية التي يعتبر عندها الدخول السياسي حدثا بارزا للتقييم والمحاسبة والانطلاق.

فـ”الدخول السياسي”، رغم أني غير مقتنع بما يرمز إليه، ويبدو وكأنه بدعة سياسية لا أقل ولا أكثر، إلا أنه حينما يتم الحديث عنه في بعض الأوساط السياسية في المغرب، فإن المسألة مرتبطة عندهم بالزمن فقط، ذلك أنه حينما نقول “دخولا سياسيا جديدا”، فهذا يعني أننا أمام موسم جديد منفصل عن سابقه زمنيا، ولكن رغم معرفتنا بالبداية، فلا أحد يتحدث عن النهاية، بمعنى متى يبدأ هذا الموسم السياسي؟ إن صح التعبير، ومتى ينتهي؟ لأن لا أحد يتحدث عن النهاية بالخصوص.

تتمة المقال تحت الإعلان

من نافلة القول أن ممارسة الشأن السياسي وتنفيذ البرنامج الحكومي، هي عملية تكون محددة سلفا بأجندة زمنية مضبوطة، وكل ورش من أوراش البرنامج الحكومي مقيد بزمن معين دون مراعاة المواسم أو الارتباط بهذا الدخول السياسي أو ذاك، فهناك أوراش تفتح في بداية الولاية الحكومية وقد تستغرق مدة هذه الولاية نفسها، ومنها التي قد تبقى ممتدة في الزمن إلى ولاية لاحقة في إطار سيرورة أو استمرارية سياسية محكمة، ومنها من تنجز في مدة زمنية قصيرة حسب طبيعة ونوعية الورش، إذن، فالمسألة لها ضوابط وشروط معروفة يجب الخضوع لها، وهي غير مرتبطة بدخول أو خروج سياسي، فالدخول السياسي الحقيقي، هو حينما يتم تنصيب حكومة جديدة لتدبير شؤون البلاد لمدة زمنية محددة دستوريا، ونهايته هو حينما تستنفذ هذه الحكومة ولايتها وتتم محاسبتها على كل الأعمال التي قامت بها، وإلى أي حد توفقت في تجسيد بنود برنامجها الحكومي على أرض الواقع؟ والمواطن وحده هو المخول له تقييم عملها، وهل هو راض عن أدائها أو ممتعض منه، وهو الذي يمتلك أدوات التنويه بها أو معاقبتها؟ هذا هو السلوك الديمقراطي الذي تتأسس عليه الممارسة السياسية الحقيقية التي يكون فيها الفرد أو المواطن هو الحكم، وهذا ما نلمسه حقيقة في جل الدول الديمقراطية، لكن أعتقد أنه حينما يتعلق الأمر بالممارسة السياسية في الدول المتخلفة كالمغرب مثلا، فإن الأمور تسير عكس الإرادة الشعبية، وكلمة المواطن فيه غير مسموعة بالشكل الكافي، ولا تُعطى لها تلك الأهمية التي تستحقها، وتكاد لا تجد أي تناغم بين النخب السياسية والقواعد أو الجماهير الشعبية، وفي غياب هذا الانسجام، تبقى الهوة كبيرة بينهما، فتجد متطلبات وحاجيات المواطن في واد والسياسة الحكومية في واد آخر، ناهيك عن الارتجالية التي تطبع بشكل كبير هذه السياسة، الشيء الذي يجعل أثرها على أرض الواقع ضعيفا، أو منعدما، وتزداد الأمور ضبابية حينما تكون الحكومة ضعيفة من الأصل، أي منذ تشكيلها، ففضلا عن عدم انسجام أعضائها ومكوناتها لأنها منبثقة عن أحزاب متضاربة من الناحية المرجعية والمصالح، فإنها أيضا تضم وزراء بعينهم تنقصهم الكفاءة المهنية اللازمة لتدبير شؤون وزاراتهم، وهذا أمر واضح وأصبح حديث القاصي والداني في المجتمع، ولعل الحديث الذي يروج مؤخرا حول تعديل حكومي مرتقب هو أكبر جواب عن المشاكل حتى لا نقول الأزمة التي تعيشها الأغلبية الحكومية التي توصف – للأسف الشديد – من طرف جل المحللين والمتتبعين بأنها أضعف حكومة عرفها المغرب منذ الاستقلال.

إذا سلمنا جدلا أن “الدخول السياسي” مؤشر على مباشرة العمل الحكومي والسياسي وبداية موسم سياسي جديد، ففي المقابل يجب أن تكون هناك أولا حكومة قوية ماضية في تحقيق أهدافها المسطرة على أرض الواقع، حكومة منبثقة من نخبة سياسية لها استراتيجية عمل واضحة، حكومة منسجمة نابعة من صناديق الاقتراع بطريقة شفافة ونزيهة تتكون من أعضاء لهم من الكفاءة والخبرة والكاريزما ما يجعلهم قادرين على الاضطلاع بالمسؤوليات المنوطة بهم، أما والحال عكس ذلك، فإن من الصعب أن نتحدث عن الدخول السياسي أو غيره ما دمنا لا نتوفر على شروط ومقومات هذا الدخول، فلنترك السياسة في المغرب تسير على هواها.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى