تاريخ

تاريخ | لماذا فشل العثمانيون في الوصول إلى المغرب ؟

خلال القرن السادس عشر ميلادي، استدارت الحملات العسكرية العثمانية في اتجاه قارتي آسيا وإفريقيا، وتمكن العثمانيون من بسط سيطرتهم على مجمل المشرق العربي (الشرق الأوسط حاليا)، كما تحققت مساعيهم بإلحاق بلدان شمال إفريقيا لمجال سيادتهم باستثناء المغرب، الذي بات يتاخم جيرانا جدد يرمون إلى الوصول إلى المحيط الأطلسي وتهديد المصالح والسفن الإسبانية، وربما استرجاع “الفردوس المفقود”، كما أن انفلات المغرب من السطوة العثمانية لا يعزى إلى مقدرته العسكرية بقدر ما يرتبط أشد الارتباط بالحنكة الدبلوماسية والدهاء السياسي للدولة السعدية.

في هذا السياق، سيتحتم على السلالة السعدية الناشئة – والحالة هاته – تطبيع علاقتها بآل عثمان بوصفهم أعظم قوة في العالم آنذاك، وسنقوم في هذه اللمحة الخاطفة بجولة تاريخية نحاول من خلالها ملامسة أطوار العلاقة التي جمعت المغرب في شخص السعديين بالعثمانيين خلال القرن السادس عشر.

بقلم: ذ. محمد جباري

تتمة المقال تحت الإعلان

أستاذ باحث في التاريخ والفكر

طموح عثماني وصد مغربي

    بعد تمكن محمد الشيخ السعدي من توحيد المغرب وفتح فاس سنة 1549م، تاقت نفسه لإحياء الدور الطلائعي للمغرب في الغرب الإسلامي، وهذا ما دفع به للقيام بحملة عسكرية على تلمسان في سنة 1550م، بما يعنيه ذلك من اعتداء على الدولة العثمانية ومس بسيادتها على اعتبار أن الجزائر تعتبر آنذاك ولاية عثمانية، بيد أن رد الباب العالي لم يتأخر كثيرا، حيث تمت ملاحقة محمد الشيخ إلى فاس، بل وطرده منها وتنصيب أبي حسون الوطاسي، اللاجئ عند الأتراك.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي مبادرة منه لرأب الصدع والارتقاء بعلاقات الجوار ووحدة الدين، بعث السلطان العثماني سليمان القانوني سفارة برئاسة الخروبي سنة 1552م، يدعو فيها السلطان المغربي/ السعدي إلى نقش اسم السلطان العثماني على السكة، والدعاء له في المنابر، والاعتراف بالسيادة العثمانية، إلا أن هذه البنود لم تكن إلا لتؤجج التوتر وتزيد من حدته، حيث كان جواب محمد الشيخ كالآتي: ((لا جواب لك عندي حتى أكون بمصر إن شاء الله، وحينئذ أكتب لسلطان القوارب))، وقد أثارت قسوة الجواب هاته حفيظة الباب العالي، مما حمله على تدبير مؤامرة اغتيال أقل تكلفة وجهد، بعدما تبين فشل كل محاولات الاستمالة للسلطان المغربي.

ولم يكن اغتيال محمد الشيخ إلا ليذكي الصراع القائم، حيث خاض ابنه الغالب بالله، معركة ضارية ضد حسن باشا، الوالي التركي على تلمسان، بمقربة من وادي اللبن، وإذا كانت المواجهة في السابق عسكرية في عهد محمد الشيخ الأب، فإنها مع الابن الغالب بالله، ستنحو منحى آخر لا يقل أهمية عن الصراع العسكري، إذ تنازل – انتقاما من العثمانيين وضربهم بخصم مناوئ- على عدد من الثغور المغربية لصالح الدول المسيحية، لاسيما إسبانيا، العدو اللدود للإمبراطورية العثمانية.

بعد استعراضنا لمختلف أشكال المواجهات بين المغرب والعثمانيين، ووقوفنا على ملامحها البارزة، نستخلص أن العلاقات المغربية العثمانية دخلت ومنذ وقت مبكر، طورا من الصراع والتوتر، تعددت أشكاله وسماته، ساهمت فيه القوى الفاعلة آنذاك: إسبانيا والبرتغال، ويبقى السؤال المطروح: ما مصير المغرب بعد كل تلك الأحداث التي وسمت علاقة المغرب بالعثمانيين؟

تتمة المقال تحت الإعلان

السلطان أحمد المنصور الذهبي يبعث نفسا جديدا

    في الحقيقة، لم تثن كل تلك الأحداث والوقائع سالفة الذكر، حلم وأمل الباب العالي في كسب مراهنة تحصيل المغرب إلى جانبه.. فلم يبخل السلطان العثماني مراد الثالث، عن تقديم المساعدة للاجئين عبد الملك وأخيه أحمد المنصور، المطالبين بعرش أبيهما بعدما استحوذ عليه عمهما محمد المتوكل، فقد استجاب لهما السلطان العثماني ودعمهما حتى استعاد عبد الملك العرش، بيد أن اتصال عبد الملك بعد ذلك بالممالك المسيحية وتقوية علاقته بهم، أقنع الباب العالي بأن تلك المراهنة كانت خاسرة، فعاد التوتر والجفاء ليطفو مرة أخرى على علاقة الطرفين.

لكن الحلقة الأهم في تاريخ العلاقات المغربية العثمانية، ستظهر مع شخصية أحمد المنصور الذهبي، الذي سيغير – بعد وصوله للحكم – مسارها ويوجهها على أساس أبعاد أخرى، فقد فطن لبناء سياسة تقوم على الدبلوماسية أكثر من المواجهة، ولعل ذلك ما سنلاحظه إثر تثاقل هذا الأخير عن الجواب على مراد الثالث، الذي اقترح عليه عقد حلف عسكري ثنائي ضد إسبانيا، مما حدا بالسلطان العثماني إلى تكليف علوج علي باشا لتجهيز حملة اكتساح ضد المغرب، الذي لطالما أعاق أهداف الدولة العثمانية في غرب المتوسط، وفي هذه الأثناء تحركت الآلة الدبلوماسية والحنكة السياسية للمنصور لاتقاء هذا الخطر الجارف، فبعث بسفارة على وجه الاستعجال إلى القسطنطينية/ إسطنبول برئاسة التمكروتي، لشرح دواعي التراخي المذكور، كما تحججت السفارة بصغر سن المنصور وقلة إلمامه بآداب مخاطبة الملوك العظام، وقد تزامن كذلك مع هذه السفارة، إيفاد المنصور لسفارة أخرى إلى ملك إسبانيا، فليبي الثاني، يمنيه فيها بمدينة العرائش، ليكون المسعى واحدا، ألا هو حماية وحدة المغرب واستقلاله من السيطرة الخارجية، عثمانية كانت أم إسبانية.

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا يبدو أن علاقة المغرب بالدولة العثمانية انتقلت من سكتها الأولى الموسومة بالصراع، ونحت سبيلا آخر دشنه السلطان أحمد المنصور الذهبي بدبلوماسيته الفذة، ما جعل المغرب بهذا النهج، وفي ظل المتغيرات والصراعات الدولية الدائرة في الساحة المتوسطية آنذاك، في منأى عن الأخطار الخارجية، من خلال تحكيم مسألة “موازين القوى” أثناء اتخاذ القرارات الحاسمة في التعاطي مع التهديدات العثمانية من جهة، والأطماع التوسعية الإسبانية من جهة أخرى، ولعل هذه الاستراتيجية الممنهجة من قبل السلطان أحمد المنصور الذهبي هي التي عبر عنها الراهب الإسباني، خوان دي سيلفا، في رسالة بعثها إلى ملك إسبانيا فليبي الثاني قائلا: ((إن إمبراطور المغرب يسخر منا، فهو متأرجح بين مصانعتنا ومصانعة الأتراك، فعندما يطالبه صاحب الجلالة بالعرائش يقول له: هيا بنا إلى الأتراك في الجزائر، وعندما يهدده الأتراك يقول لهم: هيا بنا إلى إسبانيا))، وهكذا استطاع أحمد المنصور أن يدشن عهدا جديدا في علاقة المغرب بالعثمانيين، وتمتين أواصر المودة والعلاقات الطيبة، كما يظهر من رسالة مراد الثالث لأحمد المنصور والتي جاء فيها: ((لك على العهد أن لا أمد يدي إليك إلا للمصافحة، وأن خاطري لا ينوي لك إلا الخير والمسالمة)).

لم تقدر الدولة السعدية الناشئة في المغرب خلال القرن 16، على إجادة أسلوب التخاطب الدبلوماسي وتطبيع العلاقة بالأتراك العثمانيين، الجار الجديد للمغرب، فطبعت علاقة الجانبين في مرحلتها الأولى بالتوتر والصراع، ولم تصل إلى مستوى الارتقاء والنضج إلا مع السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي عمل جادا على تحسين والنهوض بهذه العلاقة، وجعلها في خدمة المغرب ومصالحه الإستراتيجية، فتبدلت ملامحها من طابع العنف وشدة اللهجة إلى مستوى الصداقة وحسن الجوار.

تتمة المقال تحت الإعلان

تعليق واحد

  1. مجرد تساؤل.
    ما منع “العثمانيين” من البقاء في فاس!!!؟؟؟
    جاء في المقال ما نصه:
    ” بيد أن رد الباب العالي لم يتأخر كثيرا، حيث تمت ملاحقة محمد الشيخ إلى فاس، بل وطرده منها وتنصيب أبي حسون الوطاسي، اللاجئ عند الأتراك.” انتهى الاقتباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى