الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الجواسيس والاتفاقيات الدولية التي أنهكت المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 25"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

جذور المناورات السياسية

تتمة المقال بعد الإعلان

    عندما تولى الحسن الأول مقاليد الملك سنة 1873، وجد نفسه بين أمسه كأمير خليفة لأبيه، ويومه كملك للمغرب محاصرا من كل الجهات بشباك المعاهدات الدولية التي أمضاها قبله أبوه وجده، والتي كانت كل واحدة منها متوجة لمراحل طويلة من المراس السياسي والدهاء الدبلوماسي.

فمنطلق تلك الاتفاقيات كلها بسيط في مظهره، لكنه خطير في جوهره.

لقد دخل العالم آنذاك عهد المبادلات التجارية والدبلوماسية، ولابد للمغرب أن يسمح لبعض أصدقائه بمزاولة هذه الأنشطة بمقتضى موافقة ملوكه وإعطاء بعض التسهيلات للرعايا المغاربة في تعاونهم مع التجار والدبلوماسيين الأجانب.. هذا هو الظاهر.

أما الباطن، فقد كان محشوا بالرغبة الاستعمارية في التوسع، والدخول بأي وسيلة إلى أعماق دولة مغلقة قوية وشرسة كانت هي المغرب.

تتمة المقال بعد الإعلان

واحتراما للأعراف الدولية، ورغبة في كسر طوق الحصار، كان المغرب قد أمضى عدة اتفاقيات:

– اتفاقية 1763 مع دولة السويد، تسمح للسويد بفتح قنصليات واختيار سماسرة مغاربة للتعامل معها.

– اتفاقية 1767 مع الحكومة الفرنسية، تنص على نفس الميزات المخصصة في المعاهدة السابقة معها.

– اتفاقية 1767 مع الدانمارك، وهي مماثلة لسابقاتها.

– اتفاقية 1773 مع البرتغال، لنفس الغاية.

– اتفاقية 1856 مع بريطانيا، وتنص على السماح للبريطانيين باختيار تراجمة مغاربة.

– اتفاقية 1860 مع إسبانيا، وتكتسي طابعا ديناميكيا يسمح للإسبان ببناء كنائس للرعايا الإسبان بالمغرب.

– اتفاقية 1861 مع إسبانيا أيضا، وتكتسي طابعا تجاريا.

– اتفاقية 1863 مع فرنسا، وبمقتضاها تحصل فرنسا على امتيازات حصل عليها غيرها وحرمت منها حسب اتفاقية 1767.

لكن الحسن الأول عندما أخذ يزاول مهامه كملك للمغرب، اكتشف الحقيقة المرة، وهي أن نصوص هذه الاتفاقيات شيء وطرق تنفيذها شيء آخر، واتضح له جليا أن المغرب ماض في طريق الانقراض بمقتضى هذه الاتفاقيات، خصوصا عندما تصله من جواسيسه تقارير عن تسرب التجار والقناصل والصيادين الأجانب، إلى المناطق الصحراوية شرقا وجنوبا، وبالتالي، فإنه استكشف الباطن المظلم المخيف لنصوص هذه الاتفاقيات.

وقد حاول أولا التطرق إلى هذه الاتفاقيات الواحدة بعد الأخرى، خصوصا عندما مارس الحكم عدة سنوات، واتضح له بما لا يدع مجالا للشك، أن المصاعب التي يلقاها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا، مصدرها هذه الاتفاقيات، فأخذ يكتب إلى رؤساء الدول ويبعث طالبا تعديل نصوص تلك الاتفاقيات، لكن دون جدوى، إذ كان رؤساء الدول الفرنسية والبريطانية والإيطالية، يغدقون الهدايا على سفرائه ويردونهم بالرفض المطلق، مما اضطره إلى إصدار أمر إلى وزيره في الخارجية،امحمدبركاش، بتحرير مذكرة رسمية وتوزيعها على رؤساء البعثات الدبلوماسية في طنجة، وهي مذكرة من تسعة عشر نقطة ذاع صيتها في ذلك الوقت باسم “مذكرة عاشر مارس 1877″، وهي المذكرة التي بقيت محط نقاش ومفاوضات بين الحكومة المغربية والحكومات الأجنبية، دامت إلى سنة 1879، حيث اقترح الماركيز سالزبوري، وزير الخارجية البريطاني، أن تكون مذكرة عاشر مارس موضوع نقاش دولي في إطار مؤتمر ينعقد في مدريد، ولذلك انعقد مؤتمر مدريد في 19 ماي 1880، وترافع الوزير المغربي للشؤون الخارجية أمام هذا المؤتمر الدولي قبل أن تتم الموافقة على ما سمي بـ”اتفاقية مدريد”.

لكن مؤتمر مدريد لم يكن إلا حلقة في سلسلة المناورات الاستعمارية، وبندا من بنود المخطط الاستعماري لاحتلال المغرب، إذ كانت فرنسا وإسبانيا قد قطعتا مراحل في تخريب المناطق التي كانت تطمع فيها، بينما سجلت ألمانيا انتصارات إقليمية تنازلت عنها لفرنسا مقابل مصالح أخرى، وكان لبريطانيا حظ الأسد في المغرب تنازلت عنه فيما بعد لفرنسا مقابل تنازل هذه الأخيرة لها عن أطماعها في مصر.

كانت المفاوضات والحفلات والسهرات في طنجة، والمخابرات والجاسوسية في كل أركان المغرب، والتخطيط والتركيز في برلين وباريس ومدريد ولندن وروما، بينما التحركات في الصحراء.. في طرفاية، ووادي الذهب، والساقية الحمراء، وفي كورارة وتوات وتيدكلت، وعلى حدود المغرب المستقل، والجزائر المحتلة.

وحيث أنه لا يمكن غزو المغرب من شواطئه، سواء على البحر الأبيض المتوسط أو على المحيط الأطلسي، لأن الطامعين جميعا كانوا ممثلين في تلك الشواطئ، متفقين على أن لا يقدم أي أحد منهم على السطو على الغنيمة وحده، فقد كان التسرب من الحدود الصحراوية هو أنجع السبل.

المؤتمر الإسلامي الأول لسنة 1880

    وقتها كان الحسن الأول يعرف مدى أهمية الوحدة الوطنية داخليا، والوحدة الإسلامية خارجيا، ولم يكن للقضية العربية آنذاك وجود، فلم يكن العرب قد فطنوا بعد لوجودهم ولوحدتهم.

يقول المؤرخ محمد خير فارس، في كتاب “المسألة المغربية”: ((إن مولاي الحسن الأول الذي كان يعاصر السلطان عبد الحميد، تبنى فكرة الشيخ جمال الدين الأفغاني، عن الجامعة الإسلامية، للوقوف في وجه المطامع الاستعمارية الأوروبية، وقد جرت في عهد هذين العاهلين اتصالات عديدة لم تؤد إلى نتيجة، ففي سنة 1878، أرسل شيخ الإسلام في القسطنطينية، بعلم وإذن السلطان عبد الحميد، رسالة مع السيد إبراهيم السنوسي، إلى رئيس وزراء المغرب، بيّن فيها  أن “قوة الأمة المحمدية وصولتها على سائر الملل الردية، إنما هو اتحاد جميع أفرادها الموجودة في كرة الأرض، وتشابك الأيدي منها بالقبض، ولا سيما عند تعاضد المشركين وقوة أعداء الدين كما نشاهد وتسمعونه من ما لهم في هذا الزمان من الصولة الباهرة والجولة والشدة القاهرة المؤدية – بحسب المآل – إلى الفتك بجميع ما للأمة المحمدية من الأفراد وإن كانوا في أقصى البلاد…”)).

وليس هناك جدال في أن الجزائر بعد احتلالها من طرف الأتراك، ثم من طرف الفرنسيين، إنما كانت دولة شقيقة للمغرب في الإسلام، وبالتالي، دولة شقيقة لمصر والسعودية، واحتلالها من طرف النصارى الفرنسيين كان تهديدا للإسلام وخطرا على الرسالة الإسلامية في المغرب.

وقتها، انعقد في مكة المكرمة أول مؤتمر إسلامي سنة 1880، لدراسة الدعوة الإسلامية، وصدر عن المؤتمر قرار في شكل فتوى تعتبر ((الجزائر جزء لا يتجزأ من الدولة الإسلامية، وأن احتلالها عارض لن يفصلها عن الجسد الإسلامي))، ويدعو المؤتمر كل الدول الإسلامية، إلى معاملة الجزائر على أنها دولة إسلامية قائمة.

وكانت الاستجابة الأولى من الحسن الأول، فبعد صدور قرارات المؤتمر الإسلامي في مكة، أصدر قرارا بفتح قنصلية في فاس للدولة الجزائرية المسلمة، وكانت أول قنصلية تفتحها الجزائر في العالم.

وثارت ثائرة فرنسا، وأرعدت وأزبدت، وادعت أن الجزائر الإسلامية لا وجود لها، وأن الجزائر هي فرنسا، وهددت السلطان الحسن الأول بالعقوبات الكبرى، وأصر الحسن الأول على أنه مهما كانت الظروف، ومهما كانت الضغوط، فإنه لن يمثل المصالح الجزائرية في المغرب أي فرنسي، وأن الجزائر المسلمة ستكون ممثلة في المغرب من طرف جزائري مسلم، وقبلت فرنسا جزائريا مسلما تابعا للقنصلية الفرنسية.

ولم يكن موقف الحسن الأول تجاه القرارات الصادرة عن مؤتمر مكة خاليا من مغزى، فهو يعرف أن السيل الذي جرف الجزائر لا بد أن يتجه نحو المحيط الأطلسي، وأن إقامة سدود الإسلام في وجه هذا السيل، هي خير طريقة للحد من جبروته، وتلك أمنية تحققت بعده بمائة سنة.

يتبع

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى