الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المشعوذون الذين حلموا بحكم المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 13"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    إن الحرب الدعائية ضد الحسن الأول تجلت في خيبة أمل الدكتور ليرد، الإنجليزي الذي ((جاء إلى مراكش مدعوا عند أحد أصدقائه، وصعد – حسب ما كتبه هو بنفسه – إلى سطح المنزل الذي ينزل فيه، ليشرف على مناظر المدينة في أمان لم يشعر بمثله من قبل، فالتقط صورا فوتوغرافية للمدينة ولسلسلة جبال الأطلس، التي يصعب على النظر تحديد المسافة التي تفصل بينها وبين المدينة)).

تتمة المقال بعد الإعلان

وإلى هنا.. كل شيء يدل على الهدوء والطمأنينة، ولكن المؤلف يسقط في فخ الدعاية الأجنبية ويشعر برغبة في الاتجاه إلى ساحة جامع الفنا المغطاة برؤوس أعداء السلطان والثائرين ضده، فيكتب: ((.. وقد سمعنا كثيرا عن رؤوس أعداء السلطان المسمرة فوق سور أقيم لهذا الغرض في جامع الفنا، ولذلك، فقد سارعنا إلى البحث عنها فور وصولنا إلى الساحة، ولكن دون جدوى بالرغم مما سمعناه قبل وصولنا إلى المدينة من أن عددها يبلغ المئات)).

ولكن قافلة الحسن الأول كانت تسير.. إلا أنها واجهت عمليا عدة جوانب من الأسلوب الآخر للعمل الاستعماري، وهي الفتن الداخلية.

لقد اندلعت أول حركة تمرد ضد الحسن الأول، ومن باب الصدفة، على حدود الجزائر التي كانت تحتلها فرنسا، حيث ظهر رجل ينطق الحجر، ويخط المصير على الرمال، ويستوحي ملكه من السماء، اسمه أبوعزة الهبري، من الهلاليين المنحدرين من أرض الرسول، وكان بإمكان هذا المشعوذ أن يدعي النبوءة أو يكتفي بالعثور على كنوز سليمان، لكنه طالب بملك المغرب، وأعلن التمرد على حكم الحسن الأول، وهاجم جيوشه في أيت سغروشن مستعينا ببعض زعماء هذه القبيلة ممن يدعون إلى استعادة الملك للسلالة الإدريسية، لكن جيش الحسن الأول بقيادته شخصيا، جاء لخوض المعركة الفاصلة بين المتسللين من الحدود الجزائرية وتعقب العناصر المتمردة التي فرضت نفوذها على المنطقة كلها، ووصل إلى تازة، حيث ألقى القبض على “المهدي المنتظر”، ولم يعدمه الحسن الأول، بل بعثه أسيرا إلى إقليم الصحراء، الذي استطاع الهروب منه بمساعدة خفية(؟؟) والرجوع إلى ناحية وجدة، حيث اعتقل مرة أخرى يزاول نفس المهمة، مما دعا الحسن الأول إلى تكبيله وتطويفه في شوارع فاس ليرى الناس هذا الساحر العجيب، الذي لم يستطع أن يتحرر من سلاسله.

وكانت الأقاليم الصحراوية في جنوب الجزائر تغص بالمشعوذين من هذا النوع ممن كانوا يصنعون صنعا في مكاتب القيادة العسكرية في الجزائر، لكن الاستعدادات المتوالية والاستنفارات المفاجئة لجيوش الحسن الأول في أعقاب هذا الحادث، والتي كان الرأي العام الوطني يذهل لها ويبحث لها عن مبرر، أدخلت الحيرة في عقول الراغبين في الإقدام على مغامرات جديدة، والحقيقة أن الحسن الأول كان من الدهاء بحيث قابل المناورة بالمناورة والخداع، إذ كان يجهز الجيوش ويكتب إلى الأقاليم في طلب الأسلحة والعتاد لحرب مقبلة، وينتظر الناس، فلا تكون هناك حرب، ولكن بين التساؤل والاستنتاج يمر وقت طويل، إلى أن جاءت حادثة التواطئ بين بعض قبائل سوس والإنجليز، فتوجه الحسن الأول على رأس جيوشه، مما دعا جنود وخبراء الجيش البريطاني الذين كانوا يستقرون بطرفاية، للهروب إلى مراكبهم ومغادرة الشواطئ المغربية.

تتمة المقال بعد الإعلان

ولم يكن يكلف الحسن الأول شيئا كثيرا أن يواجه الدهاء بالدهاء.. فقد كان خبيرا في شؤون الجاسوسية والاستخبارات، وبذلك ضرب الجواسيس والمستخبرين بسلاحهم، فأغناه ذلك عن إضاعة عتاد دولته في محاربة أبناء دولته، وأخطر ما يواجه الملوك والرؤساء، هو السقوط في فخ الجهل بما يجري، وعدم العثور على مبرر لحرب يخوضونها.

فعندما حصلت مثلا ثورة الدباغين بفاس، سجلت الوثائق الملكية عدة رسائل وجهتها للسلطان عدة مصادر تعمل كلها لإخباره وإطلاعه على حقائق الأمور، فلم يكن العامل مثلا هو مصدر “التقرير الرسمي”، بل نجد تقريرا من ولد الوزير أحمد بن موسى، إذن، فهذا هو الجانب الرسمي، بينما نجد رسالة أخرى من مولاي إدريس العلوي إلى الحسن الأول شخصيا، يقدم له فيها بيانات عن فتنة فاس، وفي نفس الوقت رسالة أخرى من القائد العربي الشركي، إلى الحسن الأول رأسا، في نفس الموضوع.

ولا شك أن الحسن الأول من خلال ثلاثة مصادر، كان يحيط بالمشكل إحاطة أكبر من التي تحصل بعد اللجوء إلا مصدر واحد، ومن السقوط في الفخ.

ولكن الأخبار المتواترة على الحسن الأول والتي كانت تدعوه إلى الاستنفار الدائم، هي التي كانت تصل إليه عن الأوضاع في الصحراء الشرقية (توات والساورة)، حيث كانت هجمات المرتزقة العاملين لحساب الفرنسيين، تتوالى بهدف توسيع رقعة النفوذ الفرنسي بالجزائر، لذلك جمع جيوشه وعتاده وتوجه في رحلته المشهورة إلى تافيلالت، حيث منطلق الخطر الحقيقي، ولا شك أنه استخبر خلال زيارته بخطورة الموقف في أقاليم الصحراء الشرقية، ووجد أن الموقف يحتاج إلى الكثير من الاستعداد، فدخل مراكش، لكن الموت عاجلته قبل أن يحقق برنامجه.

 

المعارضة:

    كانت الثورة الفرنسية قد دخلت مرحلتها الثالثة مع إعلان الجمهورية الثالثة، حينما كان الحسن الأول منكبا على مواجهة المناورات الفرنسية في الصحراء المغربية، وداخل المدن وفي البوادي، وكان ريح المعارضة يهب من الشمال مشحونا بالأفكار الجديدة: الشعب، العدالة، الحرية، الدستور.. وكان الأهم من هذا، أن قدسية السلطان وعلوه عن كل انتقاد، قد أصبحت معرضة للهزات، ولكن الجهل المطبق في كل الميادين: الثقافية والعلمية والاقتصادية، كان يجعل سوء الفهم بضاعة متداولة مغشاة بأوراق براقة من إساءة التفسير.

وكان الحسن الأول يفهم أن خلفيات الأفكار التي تخامر الطبقة المتنورة، وهي طبقة العلماء، لا بد وأن تتطور ويكبر حجمها مع الأيام، لذلك، كان سباقا إلى التحدث عن الاستشارة والاستدلال بآية: ((وأمرهم شورى بينهم)) في المسائل السياسية والاقتصادية كلها.

ولكن ثورة فاس كادت أن تصبح الطوق الذي سيكبل المسيرة الحسنية، مما دعا السلطان – في إحدى مراسلاته – إلى الإفصاح عن المرارة ال

تي يشعر بها من جراء تصرفات ((بعض السفهاء الذين ظهر منهم طيش وبغي واستهواهم الشيطان فاتبعوا سبيل الغي)).

ولكن المعارضة المتطرفة كانت تتمثل في عالمين كبيرين: أولهما محمد بن المدني كنون، الذي كان يلمح في محاضراته إلى “جبروت السلطان”، وكان الرأي العام الوطني يتناقل أفكاره بالصوت المنخفض وبعيدا عن العيون والأسماع، وقد حاول الحسن الأول التخفيف من حدة معارضته، فوضعه في الظل – كما يقال الآن – ولكن سجنه لم يزد أفكاره إلا انتشارا إلى أن مات قبل موت الحسن الأول بتسع سنوات.

وثاني العالمين، مؤسس الطريقة الكتانية، الشيخ محمد الكتاني، الذي كان لا يخفي في محاضراته العلنية معارضته لسكوت السلطان عن غزو الحضارة، واندثار المبادئ والأفكار الأصيلة، ولكنه في نفس الوقت كان ينساق مع الثورة الفرنسية ومبادئها، وفي إحدى محاضراته يقول: ((وقد علمتم ما وصل إليه الأجانب اليوم من النفوذ في العالم، فإنما وصلوا لذلك بأمور منها الحرية ومعرفة كل منصب وما يطلبه، وعدم إهمال بعضهم بعضا)).

ويضيف في محاضرة أخرى ألقاها سنة 1309هـ: ((إذا أردتم إبرام أمر فليكن شورى بينكم، وليس أحدكم أحق بالإيثار بالحق من الآخر))، وهي أفكار إذا قورنت بالظروف السياسية آنذاك، وبهالة الوقار والإجلال التي كانت تحيط بالملك، فإنها تعتبر بالنسبة لعصرنا مسا بالمقدسات، وخرقا لقانون الحريات العامة، وبصراحة، موضوعا من مواضيع المس بالمقدسات.

كانت معارضة الحسن الأول لا تخفي تحركاتها، يقول الفقيه الرهوني، مؤرخ تطوان، في كتابه المخطوط: “عمدة الراوين في أخبار تطاوين”: ((إن الشريفين محمد الكتاني وعبد الكبير الكتاني، كانا يزوران الشريف الريسوني، وكذا قاضي فاس عبد الهادي الصقلي وأحمد بن الخياط ومحمد كنون وملوك العلمي ومحمد بن التهامي الوزاني، وغيرهم))، وهي مجموعة تتفاهم مع محمد الكتاني ومع أفكاره. شيء واحد لم يخطر ببالهم في ذلك الوقت، هو تأسيس اتحاد للقوات الشعبية.

وقد كانت معارضة الشيخ الكتاني – الذي طالب بتأسيس أول مجلة سياسية بالمغرب – في أيامها الأولى، في عهد الحسن الأول، فقد سار في طريقه الطويل المظلم مسيرة تاريخية لم تتوقف إلا عندما لفظ أنفاسه تحت السياط في عهد مولاي عبد الحفيظ.

ولا يمكن اعتبار عالم آخر معارضا للحسن الأول، نظرا لنوعية التصرفات السياسية التي كان يزاولها، إذ كانت تصرفات مشبوهة.

فقد انبرى شريف وزان، الحاج عبد السلام الوزاني، إلى معارضة نفوذ الملك في إقليم توات، مما دعا الحسن الأول إلى الكتابة إلى رعاياه في توات ينبههم إلى أن: ((هذا الدجال إنما هو عميل للجيوش الفرنسية)) التي كانت في بداية غزوها للصحراء الشرقية.

كما أخذت المعارضة طابعا أكثر شعبية حينما بدأ المحيط الملكي المتشبث بالحكم المطلق والمتستر خلفه، يحارب طبقة المثقفين الجدد، الذين كان الحسن الأول يبعثهم إلى فرنسا وإنجلترا للتعلم، وبعد الحصول على دبلوماتهم العالية، يعودون إلى أرض الوطن ليرمى بهم في جنبات البنائق المخزنية دون مهام ولا مسؤوليات، حتى أن المهندسين الذين أنهوا دراستهم الفنية بتفوق في إنجلترا وإيطاليا، عادوا إلى المغرب فصاروا يتقاضون 14 “سوردى” يوميا في مقابل عمل جامد في المكاتب الجمركية.

وكان طبيعيا أن يتفرغ هذا النوع من المثقفين الذين تفتحت عيونهم وأفكارهم في أوروبا، للنقد والتذمر، وزيادة مصاعب الحسن الأول، الذي لو كانت رغبته في عدم استعمال علمهم لما صرف عليهم من صندوق الدولة.

هذا، بالإضافة إلى الفكرة القبلية التي كانت تهيمن على كبار الموظفين والمسؤولين، ونفوذ البخاري، الذين كانت لهم الكلمة الأولى والأخيرة، والذين يعتبرون من ليس بخاريا غير أهل لأي منصب في الدولة، وكيف يكون العكس والرجل الثاني في الدولة، باحماد، هو عميد البخاري.

 

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى