الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | العناصر التي هددت عرش سلطان المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 12"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    كان الحسن الأول يعاني من خمسة مشاكل تنغص عليه مخططه الإصلاحي الكبير، وتزيد الأخطار الأجنبية والتهديدات الاستعمارية اتساعا:

تتمة المقال بعد الإعلان

– أولا: مشكلة الحمايات الأجنبية

– ثانيا: المناورات الأجنبية

– ثالثا: الثورات المفتعلة

– رابعا: المعارضة

تتمة المقال بعد الإعلان

– خامسا: الكوارث الطبيعية

1) فالحمايات الأجنبية كانت تزداد وتتكاثر، وكان سفراء الدول الأجنبية يتسابقون إلى تجريد بعض المواطنين المغاربة من مسؤولياتهم وواجباتهم الوطنية، بمنحهم الجنسيات الأجنبية، حتى أن وزير إيطاليا المفوض في طنجة، تسكوفاسو، أعطى للحماية الأجنبية أصدق وصف لها حيث قال: “إنها مادة تجارية تباع لأكبر مغال في الثمن”.

وفي عهد الحسن الأول، كان عدد المغاربة الذين حصلوا على الحماية الأمريكية وحدها، مائة، بينما لم يكن يوجد بالمغرب أي مواطن أمريكي غير السفير الأمريكي بطنجة.

وأمام عجز السلطات الحكومية عن معاقبة المحميين المغاربة أو تنفيذ القانون في حقهم، أصبح مواطنون آخرون لا يستطيعون الحصول على حقوقهم من المحميين إلا بالحصول على نفس الصفة والالتجاء للسفارات الأجنبية بدورهم، ودخلت معضلة الاحتماء بالأجنبي في حلقة مقفلة، مسدية لسياسة تخريب المغرب كل التسهيلات.

وكانت هذه الظاهرة قد نمت في عهد الحسن الأول، لأنها ولدت في عهد جده مولاي عبد الرحمان وعايشت حكم أبيه محمد الرابع، وأصبحت تهدد أمن وسلامة الوطن في عهده، إذ تكون رأي عام وطني ضد المحميين الذين أصبحوا خونة بالنسبة لعامة الناس، خصوصا وأنهم يلتقون على صعيد الحماية الأجنبية مع عدو يكرهه المغاربة ويحتقرونه، وهو العنصر اليهودي.

2) العنصر اليهودي: ثاني المشاكل التي اعترضت إصلاحات الحسن الأول، هي العنصر اليهودي.. ففي عهد الحسن الأول بدأت اليهودية العالمية نشاطها ومؤامراتها التي أدت إلى حرب فلسطين، وقد كان زعيم الفكرة اليهودية، البارون الفرنسي إدمون روتشيلد، يعيش قريبا من المغرب ويقوم بزيارات متكررة إليه، فعندما ينزل بميناء طنجة، كان يحزنه أن يرى مجموعات من الرجال الملتحين يرتدون الأقمصة القصيرة التي تكشف عن سيقانهم وهم يتهافتون وسط أمواج الشاطئ على جنبات البواخر الواصلة متسابقين إلى مساعدة السواح والركاب بحمل أمتعتهم، ويزداد ألمه عندما يعرف أن هؤلاء البؤساء كلهم يهود.

كان اليهود قد تقاطروا على المغرب بعد أن طردتهم دول أوروبا خلال الحروب والأزمات عبر سنوات وأجيال، وكانت الأغلبية منهم متأصلة من اليهود الذين طردوا من إسبانيا في القرن الخامس عشر، ووجدوا في المغرب، وفي المسلمين بالخصوص، التسامح المنصوص عليه في القرآن، فاتجهوا للعمل من أجل كسب الخبز، وكان أغلبهم يتعاطى لمهنة الخياطة والجزارة وبيع الخبز، وأصبحوا بنشاطهم وذكائهم عنصرا أساسيا للرخاء في كثير من المناطق المغربية، فأقاموا في أغلب المدن أحياء خاصة بهم تعرف بالملاح، مستظلين بحماية القانون لهم، متمتعين بحقوقهم في مزاولة شعائر دينهم، وفي حق الوصول إلى أعلى المراتب بالنسبة لعلمائهم وخبرائهم.

كما أن دخولهم في المجتمع المغربي من الباب الخلفي كان شيئا معهودا، وبخصوص عهد الحسن الأول، لا ننسى أن الوزير باحماد، الذي كان أبوه الساعد الأيمن للحسن الأول وخلف أباه، كان مرتبطا باليهود من جهة أمه اليهودية، ولا غرابة أن نرى تصرفه بعد موت الحسن الأول يمهد الطريق في عهد مولاي عبد العزيز، الذي كان وصيا عليه، لدخول الاحتلال الفرنسي.

ولهذا، فلم يكن غريبا أن تجد اليهودي مستشارا أو موظفا، أو حمالا أو بقالا، أو مستجديا في الشوارع.. فقد دخلوا في الحياة العامة المغربية، وفيهم من طغى وتجبر وأصبح بجاهه وماله يتحكم في رقاب بعض المغاربة، وفيهم من يقدم، تحت تأثير الخمر، على ارتكاب جرائم يعاقبه عليها القانون أو يؤدبه عليها ذوو النفوس الأبية من المواطنين المغاربة.

ذلك أنه في نفس اليهود حنين غريب إلى الدم، وبحكم دينهم، وفاء مريب لكراهية الإسلام، وهذه الغربة التي يعيشونها في بلد مسلم كونت في نفوسهم عقدة نفسية يدفنونها في أعماقهم ويعبرون عنها بسمتهم الحزينة واتشاحهم بالسواد.

وكانت دعوة روتشيلد لتوحيد يهود العالم باب الأمل الذي فتح لهم عن طريق إقامة دولتهم، فأخذوا يحرصون على السطو على كل المناسبات للتعبير عن وجودهم، وفرض هذا الوجود، وفي عز حكم الحسن الأول، استغل يهود طنجة فرصة دخول سفير إيطاليا، سوكوفاسو، لميناء طنجة يوم 28 مارس 1880، ونظموا مظاهرة صاخبة واصطفوا على جنبات طريق السفير مهللين مكبرين وكأنهم يستنجدون بدولة إيطاليا، واستغرب الحسن الأول هذا التمرد وتساءل عن دوافعه، لكن طنجة ليست بعيدة عن تطوان، حيث كان يتواجد زعيم الحركة اليهودية، كوهين ليفي، التطواني المولد، والذي درس السياسة في إنجلترا وأصبح متمتعا بحماية الإنجليز، ومراسلا لجريدة “التايمز” اللندنية، حيث كان يزاول إرسال صيحات البحث عن حقوق اليهود، ووطن اليهود، ويبث في شوارع تطوان أفكاره التوحيدية وسط اليهود، وطبقت أفكاره آفاق المغرب من تطوان إلى الصويرة.

وكان من الطبيعي أن يلج اليهود باب الاحتماء بالأجانب للوصول إلى أغراضهم، وتوسع هذا المجال وأصبح أغلب اليهود محميين أجانب، أي خارجين عن حكم السلطان الذي أظلهم بعدله طوال قرون عديدة، متنكرين لجميل أسدته إليهم هذه الدولة التي تآمروا عليها سنة 1880.

فقد كان دور اليهود حول مؤتمر مدريد من الأهمية، بحيث أنه كاد أن يحول هذا المؤتمر إلى منطلق لإقامة كيان يهودي مستقل عن المغرب، مدفوعين بحنين كبير إلى الفكرة التي راودتهم أيام السلطان محمد الرابع (1864)، حينما أصدر قانونا يضمن لهم حقوقهم فحسبوه دستورا يعترف لهم بحقوقهم، وأعلنوا التمرد العام، وطردوا موظفي الحكومة المغربية من أحيائهم وعينوا مسؤولين من بينهم للإشراف على شؤونهم منفذين سياسة الدولة داخل الدولة.

وكان الحسن الأول يوازن بين الوضع الداخلي لليهود وبين الضجة الكبرى التي يقيمها العالم حول يهود المغرب، وربما كان ذلك ذريعة لبعض القوات الدولية للتدخل في المغرب.

3) الثورات المفتعلة: لو أتيح للباحث أن يتعمق في الثورات الداخلية المغربية التي جعلت المغرب يعيش عهدا سمي بعهد السيبة، خلال سنوات طويلة، لوصل إلى الاستنتاج الحتمي بأن التحركات السياسية والعسكرية كانت من صنع الأيادي الأجنبية أو في خدمة أغراض مرتبطة بمخطط احتلال المغرب.. فقد كان أمرا مروعا للدول العظمى هذا التهافت الكبير على مبايعة الحسن الأول، إذ لم تتأخر مدينة ولا قبيلة، من توات إلى نهر السنغال، ومن وجدة إلى طنجة.. عن إرسال وفودها ومراسلاتها لبيعة الملك الذي جاء ليواجه تهديدات الدول الأجنبية.

وهذه لائحة القبائل التي قدمت ولاءها للحسن الأول في أول عيد من أعياده كما نشرها صاحب كتاب “العز والصولة”، عبد الرحمان بن زيدان، وتضم أسماء القبائل التي كانت ممثلة بوفودها فيما نسميه اليوم بالوحدة الوطنية: أهل فاس؛ الدكارة؛ أولاد عيسى؛ بنو سادن؛ الحياينة؛ أهل مراكش؛ الرحامنة؛ زمران؛ مسفيوة؛ السراغنة؛ كلاوة؛ دمنات؛ أزمور؛ الجديدة؛ دكالة؛ أسفي؛ عبدة؛ حمر؛ الشياظمة؛ حاحة؛ أهل سوس، نتيفة؛ دمسيرة؛ أولاد ابن السبع؛ مجاط؛ أولاد مطاع؛ فروكة؛ أيت يمور؛ الشراردة؛ سكان أزغار؛ أهل الحوز؛ الديارة؛ أهل الدار البيضاء؛ الشاوية؛ أهل تادلة؛ عرب أحواز الرباط؛ أهل ثغر الرباط؛ أهل سلا؛ وسفيان؛ بنو مطير؛ زمور الشلح؛ دخيسة؛ أولاد نصير؛ سكان سايس؛ أيت يوسى؛ أيت يزداك؛ أيت عياش؛ أهل الميس؛ أيت سغروشن، بنو يازغة؛ بنو ورين؛ أهل تازة؛ غياثة؛ التسول؛ البرانس؛ مكناسة؛ أولاد بوريمة؛ مغراوة؛ أولاد بكار؛ هوارة؛ الكرارمة؛ بنو بوزكو؛ الشجع؛ بنو يزناسن؛ أهل وجدة؛ أهل فجيج؛ القنادسة؛ أهل توات؛ بني وسين؛ فشتالة؛ بنو ورياكل؛ الجاية؛ سلاس؛ متيوة؛ غزاوة؛ مزيات؛ صنهاجة؛ أهل العرائش؛ أهل أنجرة؛ أهل طنجة؛ أهل تطاوين، الودايا؛ أهل شنجيط.

وما دامت القوات الأجنبية تعتبر نفسها في حرب مع الحسن الأول، حرب غير معلنة رسميا.. فقد كان كل شيء مخطط غير معلن عنه، وكانت الحرب السرية إذن، على واجهتين: الدعاية، والفتن الداخلية.

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى