الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | أعطاب الحكومة في عهد السلطان الحسن الأول

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 11"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

الحزم الإداري

تتمة المقال بعد الإعلان

    كان الحسن الأول أول من فطن إلى أهمية البريد وخطورته، فسارع إلى تنظيمه بروح عصرية تواقة، وأساليب أثارت مائة سنة من بعد إعجاب أحد خبراء البريد في بلادنا، الأستاذ محمد بن سعيد، الذي قدم في إحدى محاضراته دراسة عن تنظيم البريد في عصر الحسن الأول، نقتطف منها هذه الرسالة الحسنية الغنية عن كل تعليق. وقد كان البريد آنذاك يسمى “البوسطة”، وهذه رسالة الحسن الأول في موضوع تنظيمها:

((خديمنا الأرضى، الحاج محمد الطريس، وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبعد،

فقد توقف إتمام العمل في أمر بوسطة المخزن على جعل ضابط لمكاتب المغرب التي تتوجه لبر النصارى ومكاتب بر النصارى الواردة على المغرب. وعليه، فنأمرك أن تكلم نواب الأجناس بطنجة الذين عند تجارهم المخالطة بالمغرب بأن ما يرد من المكاتب مؤدى عليها عندهم يقبلها نواب بوسطة المخزن بالمراسي السعيدة بلا شيء، وما يرد من مكاتب الغير التي توجه لبلادهم يقبلها نواب بوسطة الأجناس ونواب المخزن بلا شيء كذلك، أو الواردة من بلادهم من المكاتب المقبول عندهم يكون بالوزن والتقييد كذلك، وعند إتمام السنة تقع المحاسبة بين نواب بوسطة المخزن ونواب بوسطة الأجناس على صائر مكاتب الفريقين، ومن خرج عليه الزائد في الصائر يرده على الآخر، وذلك بشرط عدم قبول المكاتب التي عليها “السيكير” أصلا أو قبولها مع قطع النظر عن الوصف الذي هو “السيكير”، بحيث تصير هي والتي لا “سيكير” عليها واحدة لكون الوصف المذكور لا يسوغ عندنا شرعا، ثم إن ظهر لك ضابط في القضية يكون أسهل من هذا وأسلم، فاجعل العقدة معهم عليه وأعلمنا والسلام.

في 3 رمضان المعظم عام 1310. الحسن بن محمد)).

تتمة المقال بعد الإعلان

وكان الحسن الأول يعرف الأهمية القصوى للحكومة ودورها في السهر على شؤون الأمة، فاستبعد العناصر الحكومية التي كانت تكتسي شكلا تشريفيا وإقطاعيا، وأحدث حكومة على مستوى تطلعاته تأكد فيما بعد أنه أحسن الاختيار، سواء في الأشخاص أو المناصب، وهكذا قسم وزارته كما يلي:

– الصدر الأعظم أو الوزير الأول.

– وزير الشكايات أو وزير العدل ولقد ربط العدل بالشكايات.

– وزير البحر أو الشؤون الخارجية.

– أمين الأمناء أو وزير المالية.

كما أنه كان أول من قسم المغرب إلى أقاليم، بحكم ارتباط مصالحها والمشاكل المتعلقة بها، وكان عددها حسب الظروف المغربية آنذاك ستة:

1) عمالة المغرب الشرقي، وتضم وجدة، تازة وتافيلالت طول الحدود الجزائرية.

2) عمالة الشمال، وتضم طنجة وتطوان والقصر الكبير والعرائش ووزان ومركزها فاس.

3) عمالة الغرب ومركزها مكناس.

4) عمالة تامسنا وتضم الرباط وسلا والشاوية ودكالة.

5) عمالة الحوز ومركزها مراكش، وتضم آسفي والصويرة.

6) عمالة الجنوب، وتضم إقليم شنݣيط الممتد إلى نهر السنغال جنوبا، وتمتد شرقا إلى توات والساورة عبر بشار والقنادسة وعين صالح ومقرها تافيلالت.

وكان تحت نفوذ رؤساء هذه المناطق عدد كبير من الموظفين الإقليميين الذين يحملون لقب عامل، إذ كان رئيس الإقليم يستمد نفوذه من الملك رأسا ويعطي تعليمات بمقتضى تلك الأوامر، كما كان الملك على اتصال مباشرة بالعمال الإقليميين وحتى بالقواد والباشوات، يكتب إليهم ويرسل نسخا من مكاتباته إلى العمال الرئيسيين.

وكان طبيعيا أن تنكشف عدة عيوب من خلال الشروع في التنظيم، وإذا لم يكن الطرد من المناصب شيئا معروفا ومتداولا قبل عهد الحسن الأول، خوفا من الحساسيات وحفاظا على النفوذ الشخصي للموظفين، فإن المغرب اهتز عندما طرد الحسن الأول عامل بني يزناسن، ولد البشير بن مسعود، الذي قدم له أثناء زيارته لوجدة هدايا كثيرة سارع بعد إهدائها إلى مزاولة أساليب التعسف والظلم، فأرسل السلطان أخاه المولى علي إلى وجدة لطرد ولد البشير.

واستغرب الناس كذلك أن يقدم الحسن الأول على عزل أقدم عامل عرفته الدار البيضاء، وهو محمد بن إدريس الجراري، الذي اشتغل مع ثلاثة ملوك: المولى عبد الرحمان، ومحمد الرابع، والحسن الأول، لكن “المصلحة” اقتضت عزله من الدار البيضاء وتعيينه عاملا على الجديدة، مما كاد أن يدفع العامل العجوز إلى الانهيار العصبي لولا أن الحسن الأول كتب إليه يقول له: ((لم نعزلك سخطا على سيرتك، ولا هضما بجانب خدمتك، وإنما اقتضت المصلحة ذلك تقديما للأهم فالأهم)).

وكانت للحسن الأول فلسفة خاصة في العزل والتعيين، ورغم أنه لم يكن يفصح عنها دائما في مراسلاته، إلا أنها جاءت واضحة في رسالة وزعها على العمال جميعا يعطيهم فيها بيانات عن زيارته لإقليم سوس، الذي كان واقعا تحت تأثير المطامع البريطانية آنذاك والألمانية فيما بعد، وفي معرض حديثه عن العقلية الاجتماعية لذلك الإقليم، كتب في رسالته: ((بوأنا من توسمنا فيه الأهلية للتولية على إخوانه مهادا، وقلدناه أمرهم جميعا وفرادى، وضربنا للكل فيها على مقتضى السياسة بمعونة الله بسهم مصيب، وأرعيناه من مربع خدمتنا الشريفة المرعى الخصيب، وحتى وقع التمكن من أزمتهم، وأجلسنا خاصتهم وعمالهم على أسرتهم، فاتصلت بهم المخزنية اتصال الأرواح بالأجساد)).

وتبخرت أحلام التاج البريطاني في منطقة سوس أمام إقدام الحسن الأول على حل المشاكل الإقليمية بهذه العقلية الإيجابية، عقلية الصلة بين الحاكمين والمحكومين صلة الأرواح بالأجساد، وهو ما حدا بالدكتور “ليرد” مؤلف كتاب “المغرب والمغاربة”، أن يسطر في كتابه معقبا على أسلوب الحسن الأول في الحكم بقوله: ((لقد ذهب إلى غير رجعة ذلك اليوم الذي كان مجرد الجشع إلى ضم الأراضي الجديدة إلى الإمبراطوريات كافيا لتحقيق ذلك، وقد كانت فرنسا سنة 1879 – يقول الدكتور البريطاني – تفكر في يوم من الأيام في ضم المغرب إلى ممتلكاتها في الجزائر، ولكن اعترضتها صعوبات، منها طبيعة البلاد الورعة، ثم ما يتحلى به المغاربة من الشدة والتعصب)).

إن قارئ مذكرات الدكتور الإنجليزي لم يكن يتصور أن المغرب فعلا سيُحتل، وستأخذ فرنسا منه نصيبا وتسلم النصف الآخر لإسبانيا.. فقد كان ذلك شيئا من قبيل المحال في عهد الحسن الأول وبشهادة خبير إنجليزي.

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى