الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما كان السلطان يكتب الرسائل والقرارات بخط يده

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 10"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    في خضم تسيير الحسن الأول للشؤون الاجتماعية والإدارية والعسكرية والدبلوماسية، كان يشرف بنفسه على تسيير شؤون اقتصاد البلاد، فنجده يكتب بنفسه وبصفة تكاد تكون يومية، ليعين ويعزل ويطالب الموظفين بالحساب، وما خلفه من مراسلات ووثائق يشهد على أنه كان ملكا للمغرب ووزيرا للاقتصاد وحريصا على أموال رعاياه، وكانت جملة صارمة كان ينهي بها رسائله بكتابة: ((امتثلوا وأسرعوا في العمل)) بعد أن يتحدث عن العشر مثقالات والخمس أواقي وحساب القواريط.

تتمة المقال بعد الإعلان

ولنأخذ نموذجا من هذه الرسائل:

((خديمنا الأرضى،

وصلنا كتابك مخبرا بما وجهه أمناء تطوان ومن وفر المرسى عن ستة أشهر آخرها يونيو الموافق لربيع الثاني عام تاريخه، وقدره عشرة آلاف مثقال، وسبعمائة وسبعة وعشرون مثقالا، وثمانية أواقي ونصف، وستة عشر فلسا في السكة المبين صنفها وسعرها بطرة كتابك، وعلمنا بأنك وقفت في عدها وإدخال الجميع لبيت المال وفره الله على العادة، وكتبت للأمناء بتوجيه الخاص من الريال والبليون، وصار ذلك بالبال أصلحك الله وأعانك آمين))

الحسن بن محمد (الوثائق الملكية. عدد 3، ص 392).

تتمة المقال بعد الإعلان

وبالإضافة إلى أنه كان يكتب شخصيا إلى السفراء الأجانب لمطالبتهم بالتدخل بمطالبة رعاياهم بدفع ديونهم للمغرب، فإنه كان يهتم بالدرجة الأولى بمداخيل الموانئ، فكان يكتب لأمين الأمناء رسائل على شكل توصل، وهذا نموذج آخر:

((وبعد، فقد وصلنا كتابك وعلمنا منه ما وجهه أمناء مرسى طنجة من وفرها وقدره ثمانية وعشرون ألف مثقال وخمسمائة واثنين وثمانين مثقالا وسبع أواقي وربع، في سكة الدرهم وريال الذهب، كما علمنا ما وجهوه من وفر ديوانة مليلية وقدره أربعمائة مثقال وتسعة وثلاثين مثقالا وأوقيتين في سكة الدرهم، وأدخل الجميع لبيت المال عمره الله على العادة، وصار ذلك منا على بال)).

الحسن بن محمد

والرسائل الملكية من هذا النوع عديدة ومتنوعة مع كل عمال المملكة وأمنائها، وهي كفيلة بأن تجعل المكلفين بجمع أموال الأمة ودفعها لخزينة الدولة، مراقبين من طرف الملك نفسه، وكانت تلك هي الطريقة السليمة توفير حاجيات المغرب من المواد والأسلحة وأداء مصاريف الدولة وصيانتها من الخصاص وتفادي الاستجداء.

وكان الحسن الأول يعطي المثل بنفسه ويحاسب نفسه ويحاسب الناس، ولا يتوانى عن نشر الوثائق التي تتعلق بأمور المقربين إليه، وقد خلف وثائق عديدة تنطق بالحكمة وخوف هذا الرجل من الله وشهامته ومروءته.

الوثيقة رقم 435 المحفوظة في الوثائق الملكية ظهير أمضاه الحسن الأول في 13 ربيع الثاني عام 1292 هـ، وهذا نصها:

((يعلم من كتابنا هذا أعلى الله أمره وخلد في الصالحات ذكره، أننا أقمنا خديمنا الأرضى الحاج محمد بن المدني بنيس، وكيلا للوقوف على حياة ما ناب والدتنا المقدسة لالة فاطمة من إرثها في والدها الفقيه المختار الجامعي رحمهما الله، وأذنا له في استيفائه من يد الورثة وحيازته كي يدفعه لمحله على وجهه الشرعي، فنأمر الواقف عليه أن يعمله ويعمل به)).

الحسن بن محمد

وقد كان حريصا على إعطاء المثل للرأي العام، وكانت قضية تصفية إرث أخواله من عائلة الجامعي على رؤوس الإشهاد، نموذجا حيا لحرص هذا الرجل على إنصاف من يحب إنصافه حتى ولو كان الأمر يتعلق به شخصيا، ولا شك أن لهذه المواقف أثرها الكبير على سلامة نية الرأي العام الوطني، وصفاء طويته وهو يدفع لبيت مال الأمة ضرائبه والتزاماته، ولعل هذا الاختيار كان العامل الحاسم في رسوخ الاقتصاد المغربي أمام الأخطار التي كانت تتهدد المغرب في ذلك الوقت، ولصموده في تحمل التزاماته تجاه المؤامرات والمناورات واحتياجات الأسواق العالمية، بل إنه أدى إلى استقرار اقتصادي أصبح ممكنا معه للحسن الأول أن يدخل في مفاوضات مع فرنسا لضرب السكة الحسنية.

الموقف الاجتماعي والسياسي: أصول الأصالة المغربية

    عندما زار الطبيب الإنجليزي “ثور ليرد” المغرب سنة 1872، كتب مذكراته عن المغرب في كتاب عنوانه: “المغرب والمغاربة”، خرج منه الطبيب الكاتب الإنجليزي بارتسام عن المغربي منذ مائة سنة لخصه في سطور قليلة: ((المغربي مغرور لأنه جاهل، فهو يعتقد أنه هو وبني قومه أرقى من جميع أمم العالم، وهو يعترف بمخترعات أوروبا وتقدمها وكأنه اعتراف مصحوب بالاحتقار، فإن القطار والبراق قد يكونان ضروريين بالنسبة للأوروبيين، أما هو، فلا رغبة له أكثر من أن يعيش ويموت كما عاش أبوه ومات)).

هذا هو النموذج المغربي في عهد الحسن الأول، وهو نموذج لم يطرأ عليه تغيير كبير، ولكن كيف عاش آباء المغاربة وكيف ماتوا؟ لقد عاشوا كرماء وماتوا شهداء، ونعم الشعب، شعب المغرب، بينما لم يتأثر الدكتور الإنجليزي بالمغاربة الذين كانوا يتمشدقون بالحماية الأجنبية لأشخاصهم، وها هم قد انقرضوا وانقرضت حمايتهم ولم يبق منهم إلا ذكر سيء واحتقار أزلي.

وقديما قيل: “كما تكونوا يولى عليكم”، وكان الحسن الأول من نطفة المجد المغربي، وعلقة الأصالة المغربية، ومضغة العظمة المغربية، كسى الله عظامها الصامدة بلحم الشعب المغربي ودمه.

وكان هذا التكامل حاسما في درء الأخطار التي كانت محدقة بالمغرب، وهي الحمية التي اتضح فيما بعد أن التفريط فيها بعد موت الحسن الأول، أدى إلى الحماية الأجنبية والاحتلال والاستعمار والانهيار.

كانت الحياة الاجتماعية في المغرب سنة 1880 مطبوعة بذلك الصفاء، وتلك الحشمة والبساطة التي تنقص المغرب اليوم.

فبعد أن غزتنا العقلية الاستعمارية وطردناها، خلفت فينا عوامل غريبة عنا، وبينما كان التركيب الاجتماعي متناسقا، وكل يسير في طريقه وفق ما اتفق عليه الجميع، تناسق كبير في توزيع المهام والاختصاصات وأصول مثل الأسواق الأسبوعية، والفنادق الشعبية، سوق الغزل، وسوق الحبوب، والمسجد والحمّام، والمواسم والزيارات المتبادلة، والتخصص والاختصاص، فلم يكن الخياط يطمع في أن يصبح مقاولا، ولا النجار براغب في أن يصبح موظفا، ولا المخزني براغب في أن يصبح قاضيا، فكان الله رحيما بهذا الشعب الذي يعرف كل واحد منه قدره، بينما يتبارى الناس في تقديم الدعم لزوايا الإحسان، وديور العجزة، وتسجن النساء المخطئات في دار العريفة، وأموال كبيرة موقوفة على المؤسسات الدينية، والإحسان نما مع المغربي منذ صغره مثلما الرفق والاهتمام بالمحرومين ميزة كانت تفتن الزوار الأجانب للمغرب.

ولم تكن الدولة تكتفي بالمبادرات الإحسانية للمواطنين، بل كانت لها قوانين ونظم تشمل الميادين الاجتماعية والطبية، فقد كانت هناك مستشفيات للعيون وللأمراض المعروفة في ذلك الوقت.

بل إن المغرب كان أول دولة في العالم تقيم قرى خاصة بالمرضى بنفس الوباء، وقرية الحارة القريبة من مراكش نموذجية في نوعها، فقد كانت محاطة بالأسوار وليس لها إلا مدخل واحد حتى لا يختلط المرضى بغيرهم ولا يتسرب المرض إلى خارج الحارة.

مثلما كانت المنح المدرسية شيئا معمولا به، سواء لطلبة العلم داخل المغرب أو لجموع الطلبة الذين وجههم الحسن الأول لتعلم الفنون الحربية والاقتصادية والهندسية بالخارج، إذ كانت وسائل منحهم تمضى عادة من طرف السلطان الذي يحدد في تلك الوثيقة قيمة المنحة التي تسلم للطالب.

كما كان البناء والعمران موكولا لشيوخ النظر، الذين كانوا يحددون ويرسمون أشكال البناء منطلقين من نماذج الحضارة العربية في الأندلس ومتأثرين بالإنجازات الحضارية للمعتمد بن عباد.

ومثلما كانت المواصلات البريدية مضمونة من طرف الرقاصين، كان الحمام يتولى نقل البريد إلى الدول الأجنبية، وكثيرة هي المراسلات التي كانت توجه من مراكش إلى مدريد مربوطة في أرجل الحمام الذي كان يؤدي مهمته على أكمل وجه، بينما تطور البريد في عهد الحسن الأول وأصبح يساير أساليب التجديد التي كانت سارية في الدول الأوروبية.

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى