الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المغرب أيام الحسن الأول

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 8"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    عرف المغرب في العشرين سنة التي سبقت 1980 في عهد جلالة الحسن الثاني، مراحل تعتبر من الخطورة والأهمية بمكان، فهو صاحب المسيرة الخضراء ومسترجع الصحراء، وهو الذي سارت بذكره الركبان، وطبقت قوة شخصيته الآفاق، وأصبح المغرب بحق في كل مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والفلاحة والبناء والحرب، يسمى مغرب الحسن الثاني.

تتمة المقال بعد الإعلان

لكن من يكون الحسن الأول؟ وماذا نعرف عنه أكثر من كونه أب مولاي عبد العزيز ومولاي حفيظ ومولاي يوسف، وجد محمد الخامس، وجد الحسن الثاني، والراقد في ضريح مولاي الحسن بالقصر الملكي بالرباط وهو الضريح الذي يحمل اسمه.

إن معرفة الحسن الأول ومعرفة ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأحوال المغرب في عهده، وحدوده، وتركيبته، شرط أساسي للإحاطة بالقضية المغربية من أصلها، وعدم الانطلاق في الحديث عنها من منطلقات حديثة غير متأصلة وغير مرتكزة على معلومات مصدرية هي أشبه ما تكون بالمعلومات الطبوغرافية التي تسبق إقامة المنشآت العمرانية، والمعلومات المناخية قبل إقامة مشاريع فلاحية، أو سياحية، والأمر والحالة هذه، يتعلق بشيء أكبر وأعظم من مشروع محلي أو إقليمي، بل إنه يتعلق بحاضر أمة مرتبط ارتباطا عضويا بماضيها.

ومن مصادفات التاريخ الذي يعيد نفسه، أن يكون ملك المغرب سنة 1880 هو الحسن الأول، وملكه بعد مائة سنة (1980) هو الحسن الثاني، وأن يكون الحسن الثاني بصدد استرجاع ما ضاع من المغرب من مقومات أصالية وترابية خلفها الحسن الأول.

والحقيقة المرة، هي أن مغرب الحسن الثاني وهو يواكب العالم المعاصر في تقدمه وبذخه وكمالياته، بعيد كل البعد عن إدراك الواقع الاستراتيجي والسياسي للمغرب أيام الحسن الأول، وغير مهتم بالتعمق في المقومات الأخلاقية والاجتماعية لمغرب الحسن الأول رغم أن مغرب الحسن الأول عام 1880 يلتقي مع مغرب الحسن الثاني عام 1980 على صعيد واحد مشترك: يخوضان معركة واحدة مشتركة أرغما معها لمواجهة الخطر من نفس المصدر.. من الشرق، وبالضبط من الجزائر.

تتمة المقال بعد الإعلان

وسيأتي الحديث في مساق الأحداث في الجنوب الصحراوي المغربي عن عصابات كانت تحارب جيوش الحسن الأول برجال صحراويين وأسلحة فرنسية، بعقليات إقليمية انفصالية، موجهة ومؤطرة من القيادة الفرنسية العليا بالجزائر، كما بعث الحسن الأول أحد ضباطه الكبار، أحمد الدليمي، للإمساك بزمام الأمور في المناطق الصحراوية. إن أوجه التشابه أكبر من المصادفة وأبلغ من إعادة التاريخ لنفسه.

وكما يلتقي الحسن الأول والحسن الثاني في تجربتهما المتشابهة، فقد تحملا معا خلال ولايتهما للعهد، مسؤوليات الدولة المدنية والسياسية والعسكرية.. كان الأول الساعد الأيمن لأبيه محمد الرابع، وكان الثاني الساعد الأيمن لأبيه محمد الخامس.

مبررات أخرى تحتم على جيلنا أن يتعمق في درس الوضعية المغربية منذ مائة سنة بصرف النظر عن المقارنات والمقاربات، والتعمق في غور المسار الذي عرفته الأحداث، والمنطلق الذي أدى بالمغرب بعد الحسن الأول إلى الانهيار، والاستسلام لأولئك الذين خططوا لتقريب هذا الانهيار وإسقاط هذا الهيكل الضخم المتين بين مخالب الاحتلال الأجنبي، وبتر المغرب من أطرافه وتشتيت وحدته دون الوصول إلى تجريده من كرامته ووحدة أبنائه وعزتهم وإبائهم، وهي العناصر الوحيدة التي جعلت المغاربة يتداركون الموقف ويحولون انهيار المغرب إلى حلم كحلم ليلة صيف.

ولقد صحا المستعمرون من حلمهم وهم يربطون أمتعتهم للرحيل.. فهل صحا المغاربة من نومهم، أم أنهم مطالبون – مرة أخرى – بالغوص في جزئيات هذا الماضي القريب ومعرفة أسباب انهيارهم ومسبباته؟

العرش على الفرس

    أجمع المؤرخون – قديما وحديثا – على أن الحسن الأول هو الملك الذي جعل عرشه على صهوة فرسه، وهذا وصف لم يسبق أن أطلقه أي مؤرخ على أي ملك مغربي قبله. إذن، فله دلالته ووزنه ومغزاه.. فلم يسق المؤرخون هذه الميزة من باب المجاملة أو النفاق الذي اعتاد رجال الحاشية إحاطة السلطان بهما إمعانا في تغليطه أو حجب الحقائق عليه وحوله، فتفننوا في الحديث عن العظمة والجد ومختلف الأوصاف دون أن يقولوا عن سلطان قبله أنه جعل عرشه على صهوة فرسه.

ذلك أن الحسن الأول كان مدينا للظروف بكونه تربى في أحضان جده المولى عبد الرحمان بن هشام، الملك الزعيم المتصوف الزاهد في الدنيا وملذاتها، الملك الفقير المتواضع الذي كان يهمه أن يرى المغرب كبيرا ولا يهمه أن يرى نفسه غارقا في الكماليات، الملك الذي شاهده أعوانه يلبس سروالا مرقعا مثلما ترقع الأسمال، شهد بذلك المؤرخ مولاي عبد الرحمان بن زيدان في كتابه “العز والصولة”، فما زاده سرواله المرقع إلا مجدا وعظمة وخلودا.

ففي أحضان هذا الرجل العظيم تربى الحسن الأول، الذي خص من طرف جده بعناية فائقة من بين عشرات الأمراء والأحفاد، ثم تتبع الحسن الأول الأحداث التي كانت مصيرية بالنسبة للمغرب: معركة “إيسلي”، وحرب تطوان، والفوضى الضاربة أطنابها في المغرب.. هذه الفوضى المتمثلة في استغلال النفوذ والرشوة والفساد، والإفلات من قبضة القانون بحجة الاحتماء بالدولة الأجنبية، وعدم التعهد بالانضباط، إذ كان “البوشفر” (بندقية العصر) هو أبسط وسيلة للإقناع في المجالس والمناقشات وفي الأسواق، وحتى المآدب، لذلك سمحت له تجربته كخليفة للسلطان في مراكش، بأن يتعرف على حقائق ما كان من سبقه من السلاطين يعرفها.

إن الجدية والعمل الدؤوب، والتنظيم المستمر والاهتمام بكل شاذة وفادة، كانت هي الخصال التي جعلت الحسن الأول يحول دون انهيار المغرب في عهده بعد أن كانت الأيادي الأجنبية قد نسفت كل الجسور الأخلاقية التي تربط الكيان المغربي ببعضه البعض، ولم يكن له أن يتملص من هذه المسؤولية التي كانت الإرادة الأخيرة لوالده محمد الرابع.

حقا، كان المغرب قد شرع في ترميم هياكله الاقتصادية بإنشاء معامل السكر والقطن، واستحداث وسائل الإصلاح الفلاحي واستقدام الخبراء، وفي دعم هياكله العسكرية بإنشاء مصانع السلاح وإعادة النظر في التركيب الاجتماعي للجيوش، كما بدأ في استغلال مصادره الطبيعية من حديد وكبريت ونحاس، ولكن هذه الميزات بالذات هي التي جعلت الدول العظمى تتهافت على احتلال المغرب وغزوه، ولم يكن الحسن الأول يجهل هذه الوضعية، بل كان يعرف أن هذه الأطماع هي التي تؤرق أباه وتدفعه إلى الحيرة والتفكير الملي في مراجعة المواقف.

حملة صحفية ضد المغرب

    ومثلما هو الموقف اليوم في العالم، فقد كانت الصحافة الأجنبية هي المرآة التي تعكس خبايا الأوضاع الداخلية ونوايا القوات الأجنبية.

ولقد احتفظ الحسن الأول في خزينة وثائقه، بتقرير ورد إلى المغرب قبل توليه الملك بسنة واحدة، واحتفاظه بهذا التقرير دليل على العناية التي أولاها له وخطورة ما يتضمنه:

ورد هذا التقرير من القاهرة ويتضمن مقالا نشرته جريدة “المؤيد” المصرية عن الأوضاع في المغرب في عددها الصادر يوم 15 ربيع الأول 1310هـ، وهو ما يوافق سنة 1872م، السنة التي سبقت تحمل الحسن الأول لمهامه الملكية. يقول التقرير المطول بعد الحديث عن نشر الجريدة لأخبار متعددة عن المغرب: ((إن الطغمة من العصاة كانت تعمل لحساب أياد أجنبية، وأنه بعد أن تغلب السلطان على العصاة توسعت الصحف الأوروبية في نشر أخباره)).

وتضيف جريدة “المؤيد”: ((إن الجرائد الأوروبية تعودت إذاعة كل ما يسوء سماعه عن هذه المملكة، وأن بعض الحكومات الأوروبية ساعية في التحايل لاحتلال جانب من الأراضي التابعة للمملكة)).

وتشير الجريدة إلى أن ((الإجماع الوطني حصل لتحويل المغاربة إلى فئة واحدة عند استدعائهم لإعلاء كلمة الإسلام، وأن السفير الفرنسي يحاول استغلال ظروف فشل الإنجليز في التفاهم مع ملك المغرب، ولكن السفير الفرنسي نفسه لم يفلح أمام حسن تدبير السلطان، وكون وزرائه من دهاة السياسة والمهارة والحذق، وأنهم أوفياء للملك رغم ما تنشره عنهم الصحف الفرنسية والإنجليزية والإسبانية)).

وفي نهاية التقرير، يشير محرره إلى أن الملك محمد الرابع طبع كتاب: “شرح الأحياء” وبعث نسخا منه إلى الديار المصرية والأقطار الحجازية، ولو اختار الحسن الأول طريقا آخر غير طريق الجد والإصلاح لما استطاع البقاء على عرش المغرب واحدا وعشرين سنة بعد نشر الصحافة العالمية للتنبؤات المهولة، بينما مات دون أن يحقق الأجانب نقطة واحدة من مخططاتهم تجاه إمبراطوريته.

ولم يكن بمستطاعه أن يخوض معركة ضد أكبر دولتين وأعتاهما في العالم دون أن يكون واثقا من رسوخ المواقف الأساسية لدولته وهي:

أ) الموقف الاقتصادي.

ب) الموقف الاجتماعي والسياسي.

ت) الموقف العسكري.

 

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى