الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اتفاقية لالة مغنية وقصة الرشوة التي يدفع المغاربة ثمنها اليوم

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 6"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

معاهدة لالة مغنية سنة 1845

تتمة المقال بعد الإعلان

    بالرغم من أن هذه المعاهدة نصت على أن الحدود التي كانت في السابق بين المغرب والأتراك ستبقى نفسها بين الجزائر والمغرب.. فقد قسمت المعاهدة الحدود إلى ثلاثة أقسام:

1) يبدأ القسم الأول من مصب وادي كيس في البحر حتى “تنية الساسي” حوالي 100 كلم (المادة 3)، وقد عينت الحدود إلى ثلاثة حدود في هذه المناطق بواسطة الأماكن وبصورة واضحة.

2) ويبدأ القسم الثاني من “تنية الساسي” حتى الأطلس الصحراوي، وهي منطقة سهوب حيث الأرض لا تزرع وإنما تستخدم كمراعي للقبائل من كلا البلدين، وقد اكتفي فيها بتوزيع القبائل والقصور بين البلدين دون تحديد جغرافي (المادة 4 و5)، وكانت هذه المنطقة سببا في مشاكل مستمرة بسبب التشويش الذي صاحب توزيع القبائل وعدم تحديد مركز بعض القبائل الأخرى.

3) أما البلاد التي هي جنوب قصور الحكومتين، فبما أنه ليس فيها ماء وغير مسكونة، وبما أنها هي الصحراء الحقيقية، فإن التحديد لا جدوى منه (المادة 6). وقد استغل الفرنسيون هذه المادة في بناء مزاعمهم حول الواحات الصحراوية: توات وكورارة وتيدكلت، فبما أنه لم يحدد في هذه المنطقة حدود، فمعنى ذلك أن هذه الواحات – في زعمهم – ظلت خارجة عن الأراضي المخصصة لكلا الدولتين المتعاقدتين، أي أنها جعلت مستقلة عن المغرب وعن فرنسا، وأنها حتى لو كانت تخص السلطان من قبل، فهو قد تخلى عنها ضمنيا، بهذه المعاهدة، وهذا هو التأويل الذي أعطته الحكومة الفرنسية بينما تراجعت عنه بعد ازدياد نفوذ السلطان رسوخا بهاته المناطق.

تتمة المقال بعد الإعلان

وقد نصت المعاهدة كذلك على أن أيا من الإمبراطوريتين لن تتجاوز حدود الأخرى، وأن أيا منهما لن تقيم منشآت جديدة على خط الحدود (المادة 1)، إلا أن المادة 4 نصت على نواة مبدأ خطير هو “حق المطاردة”.. فقد نصت على أن كلي الحاكمين يمارسان، على الصورة التي يتفقان عليها، حقوقهما الكاملة على رعاياهما في الصحراء، وأنه على أي حال، إذا رغب أحدهما في أن يقاضي رعاياه في الوقت الذي يكون فيه هؤلاء قد اختلطوا مع أتباع الدولة الأخرى، فإنه يقاضي رعاياه ولا يمس الآخرين، غير أن فرنسا توسعت في استخدام هذا الحق، إذ أنها صارت تتدخل في الأراضي المغربية وضد القبائل المغربية نفسها، هذه القبائل تحل مشاكلها فيما بينها وبأساليبها الخاصة، ولكن الفرنسيين عندما رغبوا في التوسع في الجنوب، وفي شؤون المغرب، وجدوا في هذه الأمور ذريعة للتدخل في الأراضي المغربية، وقد استخدموا “حق المطاردة” على نطاق واسع كما حدث سنة 1849 وفي سنة 1850 في أنݣاد ومنطقة وجدة، وفي سنة 1852 في رأس العين، وسنة 1857 قرب عين الشعير وسنة 1859 ضد بني يزناسن، وكانت هذه من الحملات الهامة التي حاولت فيها فرنسا استغلال ظروف المغرب السيئة، إذ مات مولاي عبد الرحمان، وكان خلفه مولاي محمد يعاني مشاكل داخلية مع أحد المطالبين بالعرش، ومشاكل خارجية مع إسبانيا، فسأل وزير الحرب الفرنسي قائد الحملة، الجنرال مارتيمبري، أن يدرس ما إذا كانت هناك من الناحية العسكرية فائدة في دفع الحدود حتى ملوية، ولكن الملابسات التي رافقت هذه الحملة (الأزمة الاقتصادية في المنطقة الناجمة عن الجفاف والقحط، والعنف الذي ارتكبه قائد الحملة، وانتشار الكوليرا الذي فتك بعدد كبير من الجنود) أثارت استياء عاما في الرأي العام الفرنسي الرسمي والشعبي، صرف النظر عن مسألة تقديم الحدود.*

التحدي..

    إن الفرنسيين أعرف من غيرهم أن المغرب، هذه الدولة التي لم تتأثر بأحداث العالم وحروبه، أقامت مقابل الثورة الفرنسية التي أطاحت بالأسرة الملكية الفرنسية، نصبا من التحدي.. فبعد الثورة الفرنسية عرف المغرب أربعة ملوك عظام عرفوا الاستقرار وطول الحكم والمزيد من الانتصارات: محمد بن عبد الله، الفاتح العظيم الذي حكم المغرب 33 عاما، ومولاي سليمان، الذي بقي حاكما منتصرا 32 سنة، مولاي عبد الرحمان، مجدد المغرب وباني حضارته، بقي على العرش 37 سنة، ومحمد بن عبد الرحمان، أستاذ الحساب والهندسة وقائد الجيش المحنك، الرجل الذي بدأ صراعه مع الفرنسيين بتكلم لغتهم وإتقانها، وأنهاه بتهييء ابنه مولاي الحسن (الحسن الأول) لمواجهة الأحداث بما تتطلبه من دهاء وحنكة ومن جند ورباط الخيل.

ولكن الفرنسيين كانوا يعرفون أيضا أن الدول الأخرى، بريطانيا وإسبانيا وألمانيا، لن تنتظر طويلا قبل أن تدخل المغرب بأي وسيلة من الوسائل.

وكما شهدنا في العشر سنوات الأخيرة في عصرنا حرب “شابا” من أجل نحاس الزايير، وحرب “بيافرا” من أجل بترول نيجيريا، والحرب العالمية المهددة من أجل مصادر الطاقة، فإن المغرب منذ مائة سنة خلت، كان عبارة عن منطقة نفوذ مثل “شابا” ومثل “بيافرا”.

ففي السنوات العشرين التي سبقت سنة 1880، عرف العالم أول نهضة علمية وتكنولوجية، وعرف الآلة وأجهزة الطباعة، وعرف كنوز باطن الأرض، وتناقلت وكالات الأنباء العالمية آنذاك، كما تبادل العلماء مراسلاتهم بشأن الاكتشافات الجديدة في المغرب:

– النحاس في نواحي طنجة وتطوان.

– الحديد في نواحي الناضور والرباط.

– الكبريت في نواحي فاس.

فأين هو المغرب وما هي بطاقة تعريفه؟

وتسارع الاستخبارات للإجابة: ((إنه البلد الذي يصدر لأوروبا القمح والشعير والجلود))..

وتقدم التقارير لملكة بريطانيا عن افتتاح معمل للسكر في مراكش سنة 1862، ولا تحبس إسبانيا ريق جشعها، فتهاجم تطوان وتكون حربا طاحنة سنة 1860 تشكل معلمة أخرى في تاريخ الاستعمار بعد معلمة “إيسلي”.

وتكون حرب “إيسلي” أو هزيمة “إيسلي” على أصح تعبير، وهزيمة تطوان، النواقيس التي ضربت بعنف، وصحت باضطراب مكامن الأصالة المغربية، وجلجلت أصداؤها في كل أقاليم المملكة من الساورة وتوات إلى شنقيط والساقية الحمراء عبر الأطلس الكبير والمتوسط، وتافيلالت وتطوان والحسيمة.

ويتولى الرأي العام الوطني ترديد جلجلات نواقيس الخطر، وتزداد الوحدة الوطنية بلورة، فيزداد جشع الطامعين ويتخصص الخبراء في دراسة الأساليب الكفيلة بضرب القاسم المشترك في منابع الأفكار، وهذا القاسم هو الوحدة الوطنية.. ويتراهن الجميع على تشتيت شملها.

الرشوة حجر الأساس للاستعمار

    ويظهر ضابط فرنسي خبير في شؤون الشمال الإفريقي، شارك في احتلال الجزائر، وانبرى للتوسع غربا بحنكته ودهائه، وهو الكولونيل ليون روش، ويتطوع أولا للدخول للإسلام تحت اسم عمر ولد روش، ويتطوع الأمير عبد القادر الجزائري لمساعدته في إسلامه فيزوجه إحدى بنات عمه المسلمات، ولكن عندما ينادي المنادي لمعركة “إيسلي” ضد المغاربة، يكون روش من أكبر المحاربين لجيوش محمد بن عبد الرحمان، ثم يلتحق مرة أخرى بالجزائر ليغير هندامه واسمه وزوجته، وينزل بميناء طنجة تحت اسمه الحقيقي مستشارا أولا في السفارة الفرنسية بطنجة، وبذلك يبدأ في تنفيذ مخططه..

وكان المخطط الجهنمي لروش الدبلوماسي، هو استكناه نقط الضعف في المغرب وبلورتها، ووضع الأصبع على مناطق الانهيار، ونقطة الضعف هاته في المغرب الأمس مثل اليوم، هي الدرهم، وآنذاك كانت هي “الضبلون” (عملة ذهبية)، ويفتح ليون روش عهد الاستعمار في المغرب ويضع حجر أساسه، وهو الرشوة، واستغلال النفوذ.

– أولا: دفع لحميدة الشجعي، الذي أمضى اتفاقية “لالة مغنية”، والتي تسطر الحدود المغربية الجزائرية بعد هزيمة “إيسلي”، عمولة قدرها 25000 فرنك.

– ثانيا: اختار وزير السلطان ومستشاره وأمين سره، الوزير محمد بن إدريس، وأعطاه رشوة قيمتها 10.368 فرنك.

– ثالثا: أعطى لبوسلهام أزطوط، الذي مثل المغرب في مفاوضات “لالة مغنية”: 25.900 فرنك.

– رابعا: أعطى لباشا طنجة، عاصمة المغرب الدبلوماسية، 18.000 فرنك.

وهي مقادير خيالية إذا ما قورنت بقيمتها اليوم، حيث كان الفرنك آنذاك يعادل مائة درهم اليوم، وكانت الحكومة الفرنسية تدفع كل هذه المقادير وغيرها مما بقي في طي الكتمان، تحت عمود “سياسة الضبلون”، أو هكذا كانت تسمى رسميا في لائحة الميزانية الفرنسية، بينما اختار دهاقنة الدول الأخرى طريقة أسمى من الرشوة وشراء الضمائر، للتسلط على هذا الوطن، فأبدعوا سياسة الحماية، وقد كتب عنها الشيء الكثير..

إن المغاربة مجبولون على حب الذات، وما أضعفهم أمام قوة الأجانب، وأصبح كل مغربي يتوق إلى أن يرفع على بيته علم دولة ما.. هذا يرفع العلم الأمريكي ويصبح من رعايا الدولة الأمريكية، وهذا يرفع على بيته العلم الإنجليزي ويصبح بذلك من رعايا الدولة العظمى.. وهكذا أصبحت البلاد مكسوة بأعلام الدول، وكل قصد المغاربة المحميين الهروب من أداء الواجبات والتملص من الضرائب أو من الامتثال لأوامر موظفين لا يرضون عليهم، أو مجرد الحضور في الحفلات الرسمية الأجنبية.

وإذا كانت الرشوة قرحة تمس نقطة معينة في الجسم، فإن الاحتماء بالأجنبي أصبح يغزو الجسم المغربي كالبرص.

لقد أصبح الدبلوماسيون الأجانب في طنجة يتبادلون النكت فيما بينهم.. كم مغربيا رشوته اليوم؟ وكم مغربيا جردته من مغربيته اليوم؟

والسلطان في تلك الأثناء يعاني ويعاني والمرض ينخر جسم البلاد.. ولم تبق قواعد اللعبة متكافئة: فمن جهة، الغزاة المتسترون وراء التمثيليات الدبلوماسية، هناك المال، والحماية والمناورات، والفتن الداخلية، والاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية، ومن جهة المغرب، هناك المشاريع التي يعول عليها، وكلها تعتمد على هؤلاء الدبلوماسيين وعلى خبرائهم ومهندسيهم، وهناك الجهل والعادات والتقاليد، وهناك العجرفة القبلية وحب الذات.. وهناك الغزو الفرنسي للأقاليم المغربية في توات والساورة، ومحاولات الإنجليز لاحتلال طرفاية، ومحاولات فرنسا لاحتلال المناطق الشرقية.

فكان طبيعيا أن تؤثر هذه الأحداث على المغرب، وأن تترك معالمها على محيا هذه الإمبراطورية القوية الواسعة الأطراف.

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى