الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فرار الأمير عبد القادر والشر القادم من الجزائر

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 5"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    انطلاقا مما نفهمه من نفسية المولى عبد الرحمان، وما توقعه لنفسه من مصير أسوأ لا سيء، كاتب قبائل شرق المغرب بالرسالة الآتية، نثبتها حرفيا للحقيقة والتاريخ، قال:

تتمة المقال بعد الإعلان

((من المارشال بيجو، والي مملكة الجزائر وسائر أعمالها، إلى كافة قبائل بني يزناسن وأهل أنݣاد والأحلاف، والمهاية، والمطالسة، وبني بويحيى، والقلعية، وكافة أعراش نواحي الغربية بين الجزائر والإيالة الغربية، اعلموا أني أتكلم معكم بكلام يدل على الخير والمحبة البالغة، ولولا المحبة لم أذكره، وكنت أفعل ما رمته، أنصتوا لمقالتنا وتأملوها: إنها نصيحة، وإرشاد، وهي أن لكم مدة أربع سنين وأنتم جادون في فعل الشر معنا، ونحن نسامحكم حتى كثر العيب، ووقع منكم ما وقع كما هو محقق لديكم، وبعد الوقائع كلها، ألهمنا الله للسداد والرشاد، وكان أول الشروط التي وقعت بيننا، أن لا يبقى الأمير عبد القادر بين إيالتكم وإيالتنا، وأن تقبلوه في أرضكم، فلما ضاق عليه المجال في أرضنا، فر منا وجر ذيله ببلادكم فقبلتموه، وأكرمتموه، وبجلتموه، وكان فعلكم هذا سبب الفساد الذي وقع بيننا وبين المعظّم الأرفع، محبنا وصديق دولتنا، صاحب السياسة والرياسة، مولاي عبد الرحمان بن هشام أعزه الله.

فانتبهوا من غفلتكم، وفرقوا بين ضركم ونفعكم، واعلموا بأن الأمير عبد القادر كالحية الرقطاء لمسها لين وهي قاتلة سما، وقد ذكر بعض الأوائل: إن رجلا وجد لفعة ساقها الموت من ألم البرد، فأشفق لحالها، وأدخلها بين ثوبه ولحمه، فلما أفاقت وتحركت، لسعته فمات.

وصار هذا مثلا يضرب لمثلكم، ونحن جعلنا الحدود وسويناها ووضعناها بيننا وبينكم، وبيناها، ولم تتم أربعة أشهر حتى أفسدتم الأمر، وصار الأمير عبد القادر يسير بخيولكم، ورجالكم إعانة له، وأعراش بلادنا نفرت إليكم، وتحزموا معه، وقد وصل لنواحينا، وغزا، ولم يحصل على مراده، ولما وقع ذلك، عزمنا على الدخول لإيالتكم بجيوشنا، ولم يبق إلا التحرك، فإذا بصديقنا المعظم الأرفع مولاي عبد الرحمان، كتب لسعادة سلطاننا “رأي فرنسا” كذا، وبعث له البشدور بقوله له: تربص ولا تعجل حتى ننظر في أمر هؤلاء الرعية، ونكفهم عن فسادهم، ربما ينصتون بعد النهي، وقد مضت ستة أشهر ونحن نراقب ما يصدر من الخير لكم ولنا، فإذا بنا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا.

والآن، إننا طردنا الأمير عبد القادر وأفسدنا أمره، ودخل أرض الفلاة، وقرب منكم، وصار البوحميدي يمده بخيل ورجال منكم ومن غيركم وهو يحكم بوسطكم ويصول عليكم من إمساكه الزكاة و”العشور” والمطالب المخزنية، ولم تكفوه عن ذلك أو تتجنبوا عنه، وتتبرءوا منه، ومن حلمنا وعدم عجلتنا، بقي عسكرنا كأنه في السجن منتظرا لأمرنا، وهذا هو العجب، وقد امتلأ القلب وفاض المكيال وكل شيء له نهاية وكمال، وإن هذا والله لم يقع بين الأجناس أصلا، في الماضي والمستقبل، وصبرنا، ولم يكن عند ملك أبدا، لأننا مراقبون أمر هذا الثغر، وقد أردنا ابتسامة، واطلعنا على جميع أحواله، وفهمنا مراد أناسه، ونظن أحد الأمرين: أولهما، أن السلطان مولاي عبد الرحمان أمركم بالكف عن الفساد، وخالفتم أمره، فليس لنا كلام مع السلطان المذكور، ولكن تدخل بلادكم بالجند الموفود، وإما أن يكون أمركم بهذا خفية منا، فهو العدو حيث قبل عدونا، وحاشاه من ذلك، لا سيما وأن الملوك إذا عاهدوا أنجزوا.

تتمة المقال بعد الإعلان

واعلموا أن هذا ليس خوفا منكم، وإنما هو الواقع، وفعلكم هذا لا يوافق الشريعة، وربما لم يوافق جميع الأديان، وخروجكم عن طاعة أميركم دليل شركم، بلا فائدة، فأبشروا بخرابكم، نطلب من الله تعالى أن ينبهكم من غفلتكم، ويعرفكم بطاعة أميركم، واطردوا الأمير عبد القادر وأتباعه، وننسى كل ما فات، ويتبدل الغضب بالرضا والجوار أوصى عليه الرسول.

وفي هذا كفاية والسلام.

في الرابع من جمادى الأولى سنة ثلاث وستين ومائتين وألف)) انتهى حرفيا.

(“تحفة الزائر” ص: 482/ الطبعة الثانية بتحقيق الدكتور ممدوح حقي).

الحاج عبد القادر والعرش المغربي

    إن المارشال بيجو قد تجرع من جرأة جيشه على خوض معركة “وادي إيسلي” ما ظهرت آياته واضحة فيما احتوته رسالته السابقة هنا، وإلى جانب ذلك، آمن بأن مناعة المغرب لا تدع مجالا للجرأة على حماه مرة أخرى، وعلى الأقل فالظروف الحالية يستحيل معها تحقيق أي أمنية من أماني الاستعمار في المغرب الأقصى.

نعم، في الوقت ذاته، فإن الحاج عبد القادر غرر به ما وقع من خلل في المعركة، فراوده الحنين إلى “ملك الأدارسة”، لا سيما وأن بقية من أصالته ما تزال في تافريست، فيمكن أن تكون نواة لأمانيه ومبررا لمغامراته، فأخذ يراسل بعض المغامرين في فاس ويعدهم ويعدونه، خصوصا والحاج عبد القادر كان قد دس بني عامر في فاس بصفتهم “لاجئين من الجزائر”، فأقطعهم عبد الرحمان إقطاعات خصبة مع جرايات مهمة.

ولما تيقن المولى عبد الرحمان من أطماع الحاج عبد القادر، كاتب قبائل شرق المغرب في شأنه، فقاطعوه كامل المقاطعة، فاضطر إلى مغادرة “دائرته” ببني يزناسن، لا سيما حين تأكد أن الشيخ المختار البوتشيشي، الزعيم الروحي والحربي لهم، قد أسه من كل معونة تنفيذا لأوامر المولى عبد الرحمان، وحينذاك، ارتحل بدائرته إلى بني توزين والمطالسة، وكان ذلك في نفس تاريخ رسالة المارشال بيجو، أي سنة 1263.

بنو عامر يكشفون عن سر لجوئهم إلى فاس

    بمجرد ما تمكن الحاج عبد القادر من استقراره ببني توزين والمطالسة، اتصل بشيعته “بني عامر” في فاس، وأفضى إليهم بأطماعه في العرش المغربي، وشحذ عزائمهم بكون أهالي فاس على استعداد ليكونوا إلى جانبه، وما أهل فاس إلا “نفاياهم” الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان، فأهل فاس الحقيقيون أكرم من أن ينزلوا من “الثريا” إلى “الثرى”.

واتصل ذلك كله بالمولى عبد الرحمان، فما إن تحرك بنو عامر من فاس للتوجه إلى بني توزين والمطالسة، حتى أرسل جيشا كثيفا من قبيلة الشراردة المطلة ذات الأصل اليماني في رواية، والأصل الجعفري، عبد الله بن جعفر الطيار شهيد “مؤتة” بن أبي طالب، في رواية ثانية، وعلى رأس الجيش الشرادي قائدهم الشهير بالعزة والمنعة، إبراهيم الأكحل، الذي أباد جمعهم قتلا وأسرا وكأنه كان يصيح فيهم هيهات فبينكم وبين بني توزين والمطالسة خرط القتاد.

نكسة الحاج عبد القادر

    لقد أزمع بنو عامر الرحيل من نواحي فاس بعد أن توصلوا برسالة من الحاج عبد القادر يؤكد لهم فيها أنهم سيجدونه أثناء مسيرهم إليه، وفعلا انتقل من دائرته لاستقبالهم أثناء المسافة الفاصلة بين فاس وبين موقع دائرته، فارتعدت فرائصه بأنباء بطولة القائد الشرادي، فرجع عودا على بدء ولسان الحال ينشد:

ألقى الصحيفة كي يخفف رحله               والزاد حتى نعله ألقاها

وكان رجوعه أو فراره بأصدق تعبير من مكناسة إقليم تازة، وكانت قبيلة قلعية المجاهدة قد علمت بنوايا “الضيف الماكر”، الحاج عبد القادر، فلما رجع إلى جحره، وجد القبيلة قد أتت على كل ما تركه هنالك من أموال وعتاد، وحينذاك انتقل إلى زايو بكبدانة، وأولاد ستوت.

ومن هنالك اتصل الضيف الماكر بزعيم الأحلاف بأنݣاد الغربي، القائد محمد بن عبد الرحمان، ليقبل وساطته للمولى عبد الرحمان.

وبينما الوساطة تؤدي مهمتها، هاجم الحاج عبد القادر ما كان من قوة نظامية في تافريست، ثم هاجم الجيش النظامي في سلوان، وحينذاك، جد المولى عبد الرحمان في مطاردته بعد أن عرض عليه مرارا- باعتراف صاحب “تحفة الزائر”- أن يعيش في حمايته غير مقاتل أو يصحر حتى تواتي الفرحة لاستيناف الجهاد ضد احتلال الجزائر، ولكنه أبى إلا أن يثير الشحناء بين غزاة الجزائر وبين المولى عبد الرحمان استعجالا – في نظره – لاكتساح المغرب مع الجزائر.. “اللي ما ربح في الكرطة كيقطعها”.

آخر أمل كان عند الحاج عبد القادر، أنه ذهب إلى صديقه الشيخ المختار البوتشيشي القادري، بتفجيرت بني يزناسن، فأيسه من استمراره في النجدة بعد أن تأكد من خيانته، فما كان منه إلا أن استسلم للغزاة مفضلا العيش معهم في حمايتهم على قبول العيش تحت رعاية المولى عبد الرحمان.

ومن يدري أن يكون بعض حاشيته هو الذي أوعز إليه بذلك، وحديث الحواشي في منتهى المفعولية والخطورة وإلا فيصعب على الإنسان المنصف أن يتصور إقدام الحاج عبد القادر، وهو الإدريسي العالم الشاعر الأديب الحصيف، أن يفضل دار الكفر على دار الإسلام، والله وحده أعلم بالحقيقة.

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى