الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | لماذا تأخر الغزاة في احتلال المغرب ؟

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 4"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

لماذا لم يجهز الغزاة على المغرب !؟

تتمة المقال بعد الإعلان

    إن فرنسا احتلت الجزائر ثم احتلت تونس، ثم إيطاليا احتلت طرابلس، فلم تحتل المغرب، ومؤرخوها المدنيون، والعسكريون بالخصوص، يزعمون أنهم انتصروا في معركة “وادي إيسلي”.

أرى – بداهة – أن احتلال الأقطار الثلاثة كان ممهدا أولا وقبل كل شيء، بأنها تحت سلطة غرباء عن تلك الشعوب رغم العلاقة الدينية المشتركة، علاوة على أن السلطة العثمانية لم تكن متفاعلة مع الحاكمين منها في هذه الأقطار، بل إنها بالنسبة للجزائر، قالت لفرنسا “شأنك وحكام الجزائر”.

فالحاج عبد القادر – بالرغم من مغربيته أولا، وجزائريته ثانيا – لم يكن يملك القوة الضرورية للاستمرار في الغارات على المحتلين لولا ملك المغرب وشعب المغرب، ثم إن ما عاناه جيش الاحتلال في الجزائر من غارات المغاربة مع الحاج عبد القادر طوال ستة عشر عاما إجماليا، جعله يضرب للبطولة المغربية ألف حساب، متى مسها في عقر دارها، وقبل كل شيء، فإن العرش المغربي من نفس الشعب، والشعب يعيش في أطر شعبية حرة كشأن كل شعب حر يعيش في ظلال مؤسسات اجتماعية، واقتصادية، وغيرهما.

وبعبارة أخرى، فهنا كان جهاز حضاري رائع متماسك، من الخطر احتلاله بالأهواء التي احتلت بها الأقطار الثلاثة من قبل، ومن بعد.. إذن، فلينطوي عند “حظيرة زوج بغال” إلى حين تتم الدراسة العلمية لاحتلاله.

تتمة المقال بعد الإعلان

للمناقشة:

    أثناء ربع قرن كامل من التعامل مع رجال الإدارة الفرنسية في صراعنا التحرري، استطعت أن أكون فكرة عن مبررات احتلال فرنسا للمغرب الأقصى غير التي اشتهرت في المصادر التاريخية:

1) غطرسة الكنيسة؛

2) تغالب رأي المغامرين؛

3) الخوف من الدول الاستعمارية الأخرى أن تحتل المغرب وتضايقها في الجزائر، ثم في تونس.. فلولا هذه العوامل مجتمعة ما تجاسرت على احتلال شعب درج على خط حضاري ضارب في أعماق التاريخ.

وحسبي – للاستدلال على ذلك – وما كادت الحرب تستمر وقتا ما، حتى أرسلت حكومة فرنسا إلى ممثلها، اليوطي، تأمره بإعداد الوسائل لمغادرة المغرب نهائيا.

فلقد أثقلتها أعباء الحرب، فانتهزتها فرصة للتعبير عن ندمها على احتلال المغرب، لا سيما وأن حرب العصابات والعصيان المدني، كانت في كل حدب وصوب من المغرب.

وحرب العصابات والعصيان المدني من الغرابة التغلب عليها في زمن قصير، على أن اليوطي أكد لها أنه وجد عرشا وحكومة وشعبا عكس ما كان في الأقطار الثلاثة، ولولا مغامرة اليوطي وأثار صدمة الاحتلال، لاسترجعنا سيادتنا بعد عامين أو ثلاثة على عقد الحماية، في حين أن فرنسا لم تهتم بوضعها في الجزائر وتونس إلى حد استدعاء ممثليها هنالك.

إنها نظريات عما للكاتب من الخبرة المتواضعة بنفسية ونظريات رجال الإدارة خلال ربع قرن كامل من التواقف وجها لوجه.

الانتقام لجرة “وادي إيسلي”:

    لقد اعتبر المغرب، ملكا وشعبا، ما قام به جيش الاستعمار في الجزائر، جرأة خطيرة بإقدامه على انتهاك حرمة ترابه في وقعة “وادي إيسلي”، فلا مبرر أصلا لهذه الجرأة على شعب ذي سيادة قائمة الذات، مستوفية العناصر الضرورية لأية سيادة شأنها شأن ما للشعوب والأمم من سيادة شرعية، إلى جانب ذلك، ننبهه إلى ما حدث من خلل في المعركة إلى مراجعة منهجية الجيش النظامي، ودراسة ما يجب عمله لتدارك كل خلل متوقع في المستقبل.

يقول الأستاذ علال الفاسي رحمه الله: وقد تنبه المغاربة منذ الساعة إلى أن الأنظمة في الجيش، وفي الدولة، لم تعد مجدية إزاء التقدم الأوروبي الحديث، وتكون في نفس القادة شعورهم بالحاجة إلى التجديد، وانتحال وسائل التقدم والنهوض إلى أن قال في الموضوع.

وألف العلامة الكردودي رسالة أسماها: “كشف القمة”، بأن “الحرب النظامية واجبة على الأمة”، وعلق الأستاذ علال الفاسي على هذه الرسالة قائلا: ((وهي دعوة صارخة لتجديد التنظيم العسكري بمقتضى القواعد الحديثة، كما اهتم غير الكردودي بالدعوة إلى ضرورة القيام بنهضة اقتصادية لحاجة البلاد من الموارد الأجنبية))، ثم زاد يقول: ((وما إن ولي سيدي محمد الرابع الملك حتى أخذ يعمل لتحقيق ما روجته هذه النخبة من استعداد اقتصادي وعسكري، فأسس مدرسة للطبجية (مدرسة حربية)، وجدد غراسة قصب السكر بالجنوب المغربي، وبدأ بتأسيس معمل السكر، وإنشاء المطبعة المحمدية التي كان لها الفضل في نشركثير من الكتب..)).

نعم، إن ما حدث من يقظة لمراجعة وضعية الجيش وسائر المجالات، يحدث في كل شعب أثناء أو عقب أي هزة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، فالهزات المتنوعة التي تلم بأية دولة هي إنذار بأن أسلوب الأوضاع لا يساير مقتضيات الظروف المتجددة، وتلك آية من آيات العبقرية المغربية في سيرتها المتفاعلة بين رئيس الدولة والشعب.

فمن أبرز خصائص شعب المغرب الأقصى، التفاعل الصادق بين الملك والشعب، ووحدة الفكر والمشاعر إزاء السيادة ووحدة التراب.

فما حدثت أي هزة إلا والتف الشعب المغربي حول ملكه التفافا إيجابيا وطاعة لا حدود لها، وذلك أحد الأسرار التي حافظت على سيادته، فكان آخر قطر إسلامي وقع في أسر الاستعمار، والتي حملت الاستعمار على التريث في “زوج بغال” ما يقرب من ستين عاما.. فلتتنبه الأجيال الصاعدة إلى أن الوفاء المتبادل بين شعبنا وعرشنا هو سر عظمتنا، واحتفاظا بسيادتنا، وأن هذا السر العجيب هو الذي يحاربه الأعداء والخصوم على السواء، فحذار، حذاري من النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد، وقد حسد.

إلى رد الصاع بصاع:

    يقول صاحب “الاستقصاء”: ((إن واقعة وادي إيسلي حدثت في الساعة العاشرة من النهار منتصف شعبان سنة ستين ومائتين وألف))، ويقول علال الفاسي: ((إنها كانت في رابع عشر غشت المذكور)).

نعم، بعد عامين على الواقعة، أي في سنة 1846م، استطاعت قبائل شرق المغرب أن تحمل الحاج عبد القادر على مرافقتها إلى “الغزوات” للقيام بغارة انتقام من الغزاة المتجرئين على التراب المغربي بوقعة “وادي إيسلي”، فكانت للغزاة صاعا بصاع.

ويقول الأستاذ علال الفاسي: ((إن معظم رجال هذه الغارة الانتقامية كانوا من بني يزناسن))، يؤيده في قوله في بأس بني يزناسن، الأمير شكيب أرسلان في “حاشيته على حاضر العالم الإسلامي”، حيث يشير باعتزاز إلى مقاومة بنييزناسن للاستعمار بوجه عام.

وكانت هذه الغارة برغم احتلال الأسطول الإسباني لجزر رأس الماء بكبدانة إقليم الناظور عقب وقعة “وادي إيسلي” فورا…

انهيار المارشال بيجو

    إثر غارة “الغزوات”، توالت غارات أخرى انهارت بها نفسية الحاكم العسكري العام للجزائر، المارشال بيجو، فاضطر إلى عقد مهادنة مع المولى عبد الرحمان، للمحافظة على سمعته كمارشال عسكري وكوالي عام على الجزائر المسلوبة السيادة، وبالرغم من ذلك، فإن تتابع الغارات من قبائل شرق الغرب، كانت تخفف من وطأة حادثة إيسلي على كاهل المولى عبد الرحمان، فتغافل عن غارات رعاياه بشرق المغرب.

ولم يفت المارشال بيجو ما كان يجول في خاطر المولى عبد الرحمان من أسف حمله على التغاضي عن قبائل شرق المغرب، ولكنه رأى من صالحه أن لا يحمله مسؤولية تلك الغارات، حتى لا يتبناها فتتسع دائرة الخلاف والغارات فتتهاوى سمعته نهائيا، فيستدعي من حكومته للاستراحة في غير كرامة ولا عزة.

 

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى