الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | المغاربة وسؤال هل باع الأمير عبد القادر الجزائر للفرنسيين ؟

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 2"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    كان شيئا عاديا أن تتنازل دولة أولى لدولة ثانية عن دولة ثالثة مثلما يتنازل أي سائق سيارة لسائق سيارة أخرى عن موقف سيارته في الشارع.

تتمة المقال بعد الإعلان

فعندما انهزمت تركيا أمام روسيا، عرضت إنجلترا على تركيا معونتها لها مقابل تنازل تركيا لإنجلترا عن قبرص، وحدث هذا فعلا في سنة 1878. وهزيمة روسيا لتركيا فرصة أخرى أتيحت لبسمارك، مستشار ألمانيا الذي ترأس مؤتمر برلين في نفس السنة ليحدد المصائر بالنسبة للدول المستضعفة في وسط أوروبا مثل الإمارات البلقانية وبلغاريا ورومانيا.

ولكن هذه الأحداث كانت تأخذ من المغاربة اهتماما أقل من اهتمامهم بالتطورات العلمية والاختراعات.. وحب المغاربة للاختراعات والمستحدثات ليس وليد اليوم.

فبينما كان المغاربة يتناقلون بإعجاب أخبار هذه العربة التي تسير بـ”سرعة البرق” على خطين حديديين في فرنسا، بلد الكفار، فاجأ العالم أحد العلماء الفرنسيين بصنع أول سيارة حملت اسمه “كاميل فور” تسير بالبطاريات، وبذلك سبقت – وبمراحل كبيرة – السيارة المصفحة التي سارت بسرعة أربعين كيلومتر في الساعة قبل ثمان سنوات (1872).

بينما لن يصدق المغاربة على الإطلاق أن هناك آلة يمكنها أن تصور الإنسان وتخرج صورته على ورق، وكان “كوداك” في الواقع قد قطع خطوات جبارة منذ سنة 1868، حينما كان يشترط من المتوفرين على آلة التصوير بثمن خيالي، أن يبعثوا أفلامهم للتحميض في أمريكا ومعها الآلة نفسها حتى لا تتعرض الأشرطة للضوء.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي هذه المرحلة، كانت التجارب تجرى على وسائل الطيران وهو شيء يفوق الخيال، إذ أن العلماء العرب متفقون على أن كل من حاول تقليد الطير مثل عباس بن فرناس، سيلقى نفس المصير الذي لقيه البحاثة العربي، بينما أكد شهود عيان أن بالونا فرنسيا باسم “زينيت” طار في الفضاء وعليه مجموعة من الناس، وكثرت التعاليق: إن هؤلاء الكفار يريدون الصعود إلى السماء ولكن، يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان.

ولكن سلطان العلم والاختراع كان ذا نفوذ بسيكولوجي على المغاربة، جعلهم ينظرون ببالغ التقدير والاحترام إلى هؤلاء النصارى، وهو تقدير كان له بالغ الأثر على الأوضاع الاجتماعية والسياسية في المغرب، بقي مفعوله سائرا ومؤثرا على مدى سنوات طويلة، كان “المسيو” خلالها هو القوي، هو العالم، هو العارف، ولا زالت مخلفاتها سارية في أوساطنا إلى الآن، إذ أصبح وبقي – بعد أن كان النصراني – لا يكذب ولا يخطئ ولا يغلب (بضم الياء)، وتلك كانت الكارثة بالنسبة للقضية المغربية على الإطلاق.

 

المغرب منذ مائة سنة

    كانت الدولة المغربية سنة 1880 أشبه ما تكون ببارجة حربية عتيدة شامخة تتقاذفها أمواج الأحداث العالمية العالية تحت وابل من الرياح العاصفة والدوامات المزمجرة، لكن الأكيد هو أن الباخرة كانت جبارة.

كان المغرب واقعا تحت ضغط ماضيه المشحون، وظروف العالم الذي عرف في تلك الأثناء تطورات سياسية واقتصادية وعلمية لم يكن للعالم بها سابق عهد.. لقد حدثت الثورة الفرنسية سنة 1789 لتفرض إحلال العدالة والحرية والمساواة بدل الطغيان والاستغلال، وكانت دعوة كهاته تتطلب الوقت الطويل لتصل أصداؤها إلى المغرب الذي كان يعيش، مثل أغلب دول العالم، حياة البساطة المتناهية والفوضى المسيطرة، والبداهة المتجردة.

وعوض أن تصل إلى المغرب أصداء الثورة الفرنسية – التي عايشها السلطان محمد بن عبد الله، صديق جورج واشنطن – في شكل أفكار ومبادئ، يحملها ريح الشمال مغمورة بأريج الحرية والعدالة والمساواة، فإن الثورة الفرنسية قد صدرت للمغرب بضاعة غريبة اسمها الاستعمار، الذي عرف عنه المغرب وسمع الشيء الكثير بعد أن تم احتلال الجزائر سنة 1830، واهتزت حدود المغرب الشرقية تحت وابل قنابل المدافع الفرنسية، وأخذ المغاربة يستعيذون بالله من هذا الكافر الذي يحارب الإسلام ويتتبع خطى الروسيين الذين انبروا من قبل للقضاء على الإمبراطورية الإسلامية العثمانية، بينما كان الحجاج الواردون على المغرب من الشرق بعد أداء مناسك الحج، يتحدثون عن كبير الكفار، نابليون بونابارت، الذي هاجم بلاد الكنانة سنة 1805، فلا يستغربون وصول جيوشه للجزائر.

لكن التعاويذ وقراءة اللطيف في المساجد سرعان ما كفت حين اقتنع المغاربة بأن الكفار لن يتوقفوا مثل الأتراك عند حدود تلمسان، وأن الوقت وقت جد وتسلح واستعداد لوقف الغزو النصراني من الحدود الشرقية والاكتفاء بوقفه عند حده مثلما أوقف السلاطين العثمانيين عند الحدود المغربية الجزائرية، ومن هو أكبر من الأتراك؟ ومن هو أعظم منهم وهم الذين عجزوا عن الوصول إلى وجدة؟

وإذا كان الفرنسيون قد حلوا محل الأتراك، فذلك لأن الجزائريين ليسوا كالمغاربة تعودوا التسليم، واستسلموا للأتراك، واستسلموا للفرنسيين، والمغاربة لا يعرفون الاستسلام، لكن الظروف السياسية فاجأت الكيان المغربي بحادث لم يكن في الحسبان. أن الجزائريين لم يستسلموا.

لقد تناقلت الأخبار اندلاع مقاومة شعبية في الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي، وتبادلت الألسنة عبارات الثناء على بطل المقاومة الجزائرية، الأمير عبد القادر الجزائري، وراجت أخبار تؤكد أن الجيش الفرنسي سجل انتصارات كبرى على فلول جيوش الأمير عبد القادر، بل إن هناك أخبارا مؤكدة تقول بأن الثائر الجزائري قد لجأ إلى الحدود المغربية وأخذ يوجه ضرباته للقوات الفرنسية انطلاقا من الأراضي المغربية.

 

موقعة “إيسلي”

    وكان المغاربة كعادتهم سباقين إلى النجدة، فهبوا لنصرة هذا الثائر ضد الكفار.

وانتظر الرأي العام الوطني ردود فعل السلطان مولاي عبد الرحمان، الذي لم يكن أحد يفهم السر في اهتمامه الكبير بإعادة تنظيم الجيش، وبقيت الأنظار مشدودة إلى أخبار جهاد عبد القادر، والأعناق مشرئبة إلى ما سيكون عليه رد فعل السلطان، وماجت الأسواق وهاجت الجماهير عندما أعلن رسميا في القصر الملكي أن السلطان قرر إرسال ولي عهده محمد بن عبد الرحمان، قائدا أعلى للقوات المسلحة في الحدود الجزائرية: أولا لتقديم الدعم للأمير عبد القادر، وثانيا لمنع الفرنسيين من الاستقرار داخل التراب المغربي.

وكانت المعركة حامية في واد إيسلي، ولكن الأمير عبد القادر كان يشعر باعتزاز وكفاءة ذاتية دفعته لأن يدخل في خلاف مع ولي العهد المغربي، وإبداء الرغبة الملحة في معرفة المخطط الاستراتيجي للقائد المغربي، وتناقضت وجهات النظر وانهزم الجيش المغربي في إيسلي وكانت الكارثة في سنة 1844 نتيجة الاختلاف في الرأي.

وأصيب الرأي العام الوطني بخيبة أمل كبرى، وسرى اليأس في النفوس، وكثرت التأويلات والشائعات، وأعلنت أجهزة الدعاية أن الجيش المغربي انهزم لأن قائد الجيش الأمير محمد بن عبد الرحمان، أصيب بإغفاءة نوم ولم يجرؤ أحد من المحيطين به على إيقاظه بينما كان الجيش الفرنسي يحاصر مواقعهم.

سكان تلمسان يبايعون السلطان

    بينما انطلقت الألسن في انتقاد سياسة السلطان.. لقد كان عليه – يقول المعلقون – أن يقبل بيعة سكان تلمسان عندما جاؤوا عند عامل السلطان في وجدة، إدريس بن حمان سنة 1843، وطلبوا الدخول في حكم السلطان وكتبوا في شأن ذلك رسالتهم المشهورة، وقدموا بها إلى مكناس، حيث استقبلهم السلطان وأكد لهم أنه لا يمكن قبول عرضهم إلا بإجراء استفتاء لدى العلماء، لكن العلماء رفضوا هذا العرض وقالوا أن تلمسان ليست أرضا مغربية ولن يقبل المغرب انضمامها، وغضب سكان تلمسان وكتبوا رسالة احتجاج للسلطان وأسلموا القياد للأمير عبد القادر.

إلا أن الطبقة المتنورة من الرأي العام المغربي اتجهت صراحة إلى انتقاد الأمير عبد القادر، الذي اتهمته بالعمالة لفرنسا وجشعه وحبه للمال وللجاه مهما كان مصدرها، وأنه لو كان جادا في حربه لما انهزم من الجزائر، ولما أعطى للفرنسيين ذريعة بشن هجمات كبرى على القبائل المغربية في بني يزناسن ووجدة، ولما اختلف مع ولي العهد، قائد الجيش المغربي في إيسلي.

ولعل هذا الاستنتاج كان مبنيا على بعد النظر وحسن التقدير، فإن الأمير عبد القادر ترك الجزائر للفرنسيين، وأخذ يبحث عن مضايقة سلطان المغرب في الملك، وهو ما توسع في شرحه ابنه محمد بن عبد القادر في كتابه: “تحفة الزائر في تاريخ الجزائر والأمير عبد القادر”، وتهامس المعلقون فيما بينهم مهنئين أنفسهم على صدق ما تنبؤوا به، وزاد اطمئنانهم على سلامة وجهة نظرهم عندما هرب الأمير عبد القادر الجزائري عند الفرنسيين إلى أن أصدر نابليون الثالث أمرا علنيا بتخصيص منحة شهرية للأمير عبد القادر جزاء ما قدمه من أعمال لفرنسا، وعندما انتقل “الزعيم” الجزائري إلى دمشق، بقي يتمتع بالمنحة النابوليونية.

ولعلي بأولئك المعلقين المغاربة يهتزون في قبورهم لو عرفوا أن الرئيس جيسكار ديستانغ، رئيس الدولة الفرنسية سنة 1980، قدم للبرلمان الفرنسي ميزانية الدولة الفرنسية لهذه السنة، ومن فصولها، المنحة الشهرية المخصصة لأحفاد الأمير عبد القادر الجزائري والتي يدفعها الشعب الفرنسي الآن وقيمتها السنوية 135 مليون سنتيم (انظر مجلة الإكسبريس الفرنسية. عدد 27-10-1979).

فهل كانت ثورة الأمير عبد القادر مصيدة لجر المغرب إلى حرب مع فرنسا تنتهي باستعمار المغرب؟ لا، أبدا.. لقد كان الأمير عبد القادر مجاهدا عظيما حارب الاحتلال الفرنسي بمنتهى الشهامة، لكن مناورات الاستعمار الفرنسي جعلته يستسلم، كما فرضت الاستسلام على غيره من قادة المغرب. المهم، أن المغرب وجد نفسه أمام شرخ كبير في حدوده الشرقية، وصحا المغاربة من سباتهم ومن اغتباطهم بعد أن لم يبق لهم عن اليقظة محيد.. وكيف ينامون ومدافع الفرنسيين تقصف القبائل الشرقية.

لكن الفرنسيين كانوا يعرفون حق المعرفة أن المغرب أكبر من أن يحتل على طريقة الجزائر، لذلك سريعا ما أمضوا اتفاقية “لالة مغنية” في 18 مارس 1845، مستعملين وسائل شراء الضمائر لتحريف النصوص الأصلية للعقد كما حررها السلطان، ومسلمين مندوب السلطان، حميدة بن علي، مبالغ خيالية لإمضاء اتفاقية تقطع من الأراضي المغربية مساحات شاسعة تضمها للجزائر، واكتفى الدبلوماسيون الفرنسيون بهذا الانتصار تاركين بقية تفاصيل احتلال المغاربة لأباطرة الدهاء والسياسة.

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى