الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اليهود بين المغرب ومصر في مائة عام

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 1"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

بقلم: مصطفى العلوي

    عندما نتذكر أن استقلال بلادنا كان عام 1956، يقل اهتمامنا بالسؤال عما كان عليه العالم قبل مائة سنة، بل ربما يخامر بعضنا اليقين بأن العالم كان منذ مائة سنة مثل ما هو عليه، والحقيقة، هي أنه كان يختلف تماما عما هو عليه اليوم.

تتمة المقال بعد الإعلان

يقول آباؤنا أن أيامهم كانت أحسن، مثلما نقول نحن تحت ضغط أزمة الطاقة وغلاء المعيشة وضيق الأحوال، أن السنة الماضية كانت أحسن بكثير من السنة الحالية.

وهذا الفرق البسيط الذي نتذمر منه لكون المقارنة تتم بين أمس جميل وحاضر سيء، لو ضربناه في مائة عام، وقدرنا أن نسبة الانحطاط بين يوم وليلة تعادل قطرة ماء، وضربنا هذه القطرة في 36.500 مرة، وهو عدد الأيام التي مرت منذ مائة عام، لوجدنا حاضرنا غارقا في بحر من المشاكل ومن الترديات.

فالمواطن العادي اليوم يفصله عن المواطن العادي منذ مائة سنة، 36.500 مقياس في القوة البدنية، أي في ضخامة الجسم، في الشجاعة، في الذكاء، في الدهاء، وربما في الجهل أيضا.. فمنذ مائة سنة لم تكن الآلة الإلكترونية، ولا الصور المرئية التي تنقل عبر الأقمار الاصطناعية، ولكن ربما كان ما يعادل قوتنا العلمية اليوم متوفرا في شيء آخر نجده مرتبطا بواقع العالم منذ مائة سنة، حين كان الإنسان منبع كل شيء، واليوم أصبح كل شيء بضاعة في السوق، حتى الشهادات الدراسية في كثير من الأحيان وفي كثير من الدول.

ونستنتج إذن، أن الإنسان منذ مائة سنة، كان أعظم وأكبر، وأكثر عطاء وموهبة، فلا غرابة إذن، أن نجد الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو، يصول ويجول سنة 1880، ويكاد شعره يهيمن على الجلسات والندوات في كثير من أنحاء أوروبا.

تتمة المقال بعد الإعلان

ونجد كارل ماركس في نفس السنة، يغرس عبر نثرات قلمه بذور الدواء الناجع لجيل القرن المقبل، ويتحدث آنذاك عن كفاح الكادحين وحرب الطبقات، وعن برنامج الجماعة والحكم الاقتصادي، صارفا همه لمحو أثار محرر الإنسان في الولايات المتحدة، أبراهام لنكولن، الذي سبقه ببضع سنوات، ومات سنة 1883. بينما كان المغرب مطالبا بضرب ألف حساب للسيد بسمارك، رجل الحديد والنار، الذي كان المغاربة يتحدثون عنه منذ مائة عام بالكثير من الإعجاب والتقدير، حيث أنهم كانوا يعتقدون أن رجال الموانئ الألمان الذين كانوا يحققون المعجزات على شواطئ الصويرة والمحمدية، ويحملون اسم مانزمان، إنما هم أولاد بسمارك، وكان ذلك الإعجاب يحجب عن أنظار المغاربة نوايا بسمارك في غزو إفريقيا.

ويأتي الفيلسوف نيتشه، في هذا الخضم، ليقول سنة 1880أن الدولة هي أكبر أكذوبة في تاريخ الإنسانية، لأنها تقول: “إنني الدولة وإنني الشعب”.

ويسمع المغاربة منذ مائة عام عن نيتشه الفيلسوف، والفلسفة كانت مقرونة بالجنون، ولازالت كذلك في بعض الأحيان، لذلك يزداد اعتقادهم بأن أعظم الألمان هو بسمارك.

بينما كانت الكلمة الأولى على الصعيد السياسي، للإنجليز.. لقد كانت بريطانيا العظمى سنة 1880 تحكمها فيكتوريا المرأة، وكان المغاربة يسخرون من هذه الدولة التي تحكمها امرأة وتريد احتلال المغرب، وها هم يتقبلون بمنتهى الوداعة بعد مائة سنة، أن بريطانيا اليوم تحكمها امرأتان: إليزابيث وتاتشر.. ألم نشهد كيف أن العالم في تقهقر؟ إذ كيف يعقل أن تكون ملكة بريطانيا العظمى امرأة منذ مائة عام حينما كانت المرأة في المغرب لا تتمتع بأي حق حتى حق تعريض وجهها للشمس.. لقد كانوا يدفنون البنات في “مطمورات” مفروشة ليسمن جسمهن ويحتفظن ببياض جلدتهنالطبيعي حتى يكنّ أهلا لاقتسام حياتهن مع ثلاث بنات أخريات في بيت الزوج السعيد.

وفعلا.. لابد من السؤال عن مدى تأثير كل هذه الأحداث على المغرب، وعلى بلاط المغرب، وعلى رجل الشارع في المغرب، ربما كان التأثير ضعيفا بنسبة 36.500 نقطة عما هو عليه اليوم – وهذا أخطر بالنسبة لحاضرنا – لكن التأثير كان موجودا على أية حال.

لقد كان تأثير التطورات الأوروبية حاصلا على الأمة العربية جمعاء، من المغرب إلى مصر، وكان المغاربة يذهبون إلى الحج كل سنة على متن البواخر ويقفون في الإسكندرية ويتبادلون التجارة والأعمال، وهكذا كان تأثير الوضع في مصر على المغرب كبيرا.. فقد كانت تتميز عن غيرها من دول العالم العربي – المنعدم آنذاك – بنفوذ كبير على الرأي العام الوطني في المغرب.

روتشيلد يتزعم يهود المغرب ومصر

    وقد كتب المغاربة الكثير عن مصر وعن رحلات الحج، لكنهم – آنذاك – ولعله من باب الاستثناء، لم يكن لهم كاتب يفكر بروح عصرنا مثل الكاتب الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي، الذي كتب في مجلة “المستقبل” الصادرة في 20 أكتوبر 1979، أي بضعة شهور قبل سنة 1980 أو مائة سنة بعد سنة 1880، يصف لنا النشاشيبي وضعية مصر منذ مائة سنة فيقول: ((كان الخديوي محمد سعيد، أول حاكم يشرب من كأس الثقافة الفرنسية، ويرتدي الزي الأوروبي، ويعشق العادات الأجنبية، ودخن السيجار، وشرب البراندي الفرنسي المعتق، واقتنى الكلاب الأصيلة، وعندما مات جاء إسماعيل مكانه – يقول النشاشيبي – إن إسماعيل بدأ محبوبا لأنه كان مجهولا، وجاءت أوروبا لمصر في صورة أفواج السياح، وأسس “كوك” الإنجليزي، أول فرع لشركته السياحية العالمية في القاهرة، وبنى إسماعيل دار الأوبرا، وحمامات حلوان، وقصر عابدين، ويقيم الحفلات مثلما جرى في افتتاح قناة السويس، وكان إسماعيل يستغل الحفلات لكي يقابل رجال الأعمال وأصحاب البنوك في أوروبا، ويرى في اتصالاته فرصة لإيجاد حلول لقضايا بلده، وهكذا مضى طويلا في عملية نفاق لا تنتهي مع دول أوروبا ينافقهم وينافقونه.. حتى “‘التايمز” العجوزة – وهي الجريدة المشهورة في بريطانيا اليوم – أخذت تلبس ثياب النفاق وراحت تغني بعظمة الموقف الاقتصادي في مصر.

وفي عام 1876، أعلنت مصر إفلاسها، لكن الخديوي إسماعيل كان يغرق مشاكله في التحدث عن الحضارة والتحضر)).

ويلتقي عرض النشاشيبي مع تاريخ المغرب منذ مائة عام، ومع مناورات اليهود قبل “مؤتمر مدريد”، فيكشف لنا عن متزعم تمرد يهود المغرب في رغبتهم في تقرير المصير وهو يلعب دورا آخر في بلاد الكنانة فيقول: ((عندما ضرب التجار اليهود حصارا على الخديوي إسماعيل، ضاقت به الدوائر وأصبح عاجزا عن دفع ديونه، آنذاك أرسل له روتشيلد – البارون الذي كان يمول عملية يهود المغرب – أمرا بمغادرة مصر، التي أبحر منها مطرودا في 30 جوان 1879)).

ولقد أطلت في سرد المقال القيم لناصر الدين النشاشيبي، لأنه يصل الأحداث بين العالم العربي – والمغرب جزء منه – منذ مائة سنة، وبين اليوم، على صعيد كان هو بنفسه منذ مائة سنة هو صعيد الصهيونية العالمية، ذلك أن روتشيلد ذهب إلى إسطنبول بعد طرد الخديوي إسماعيل، يطالب الأتراك بفتح أبواب فلسطين لليهود.

فقد تأكد لروتشيلد أن المغاربة لن يقبلوا منح اليهود حق إقامة كيان مستقل لهم على أرض المغرب المسلم العربي.

ولابد هنا من أن أسوق استنتاج الكاتب الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي، لأنه يلتقي معي في الحديث سنة 1980 عن العالم سنة 1880، فيقول في نفس المقال: ((كلنا رجاء ودعوة ألا ينتصر يهودي عام 1980 كما انتصر يهودي عام 1880)).

إنه لا يمكن الحديث عن العالم منذ مائة سنة دون الوقوف لحظات أمام ذكرى كانت منطلقا لمأساة الأمة العربية، والتي لازلنا نعيش ظروفها.. فمنذ مائة سنة وفي فاتح مارس 1881، رمى اليهودي كرينفينسكي قنبلة على القيصر الروسي، الإسكندر الثاني، فجرت مع أشلاء القيصر حملة من التنكيل ضد اليهود هربوا معها موزعين في جميع أنحاء العالم، وصلت جماعة منهم إلى ما كانوا يسمونه “أرض الميعاد” فلسطين، حيث أسسوا أول خلية في تاريخ إسرائيل على أرض فلسطين في 30 يوليوز 1882 وأطلقوا عليها قرية “ريشون صهيون” غير بعيد من مدينة حيفا، وكانت فلسطين آنذاك داخلة في الحكم العثماني.

وفي الوقت الذي كان فيه الاتجار في العبيد والجواري أمرا عاديا في الأسواق المغربية، كان إعجاب المغاربة كبيرا بزنجي طبق اسمه الآفاق، لأنه خاض ثورة ضد الإنجليز.. فقد انشغل الرأي العام العالمي في السنوات الأربع التي سبقت 1880، بثورة المهدي في الحبشة والسودان وحربه المعلنة على الإنجليز، وعلى حلفاء الإنجليز آنذاك، وهم المصريون، حتى أن الناصري في “الاستقصاء” يقول: “لقد كان للمهدي على الإنجليز غاية النصر والظهور”.

 

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى