الحقيقة الضائعة

وداعا “الحقيقة الضائعة”

لكل بداية نهاية..

عاشت “الحقيقة الضائعة” أكثر من سنتين بعد وفاة صاحبها مصطفى العلوي، وها هي اليوم تودعنا من صفحتها التي اختار طاقم “الأسبوع” أن يذكر قراءها ببعض أحداثها الساخنة التي وقعت في الماضي وتنبأت(…) بما قد يحصل في المستقبل، مما جعلها تحتل مكانة كبرى من بين الأعمدة الأكثر انتشارا في تاريخ المغرب المعاصر على مدى 50 سنة.

    ((كانت حلوة جميلة تلك الأيام التي كنا فيها أطفالا نصطف على جنبات الشوارع، ونحمل الأعلام الوطنية وعلى أكتافنا شارات الأحزاب المختلفة، وعلى شفاهنا أناشيد حب الوطن، وها هو جيلنا هذا وقد خط الزمن على محياه ملامح البلى، وأصبحنا نرى أطفال الأمس وقد نثرت السنون على رؤوسهم غبار الكهولة، بينما انكسر عود أولئك الذين كانوا أعلام المسيرة وكانت أسماؤهم مثلنا العليا، فمنهم من غطى الشيب رأسه ومنهم من غطاه التراب كله..)).

مثل رجل عابر في الزمن.. ظل الراحل قيدوم الصحافيين، مصطفى العلوي، يصف الواقع باحثا ضمن هذا الركن عن الحقيقة الضائعة إلى أن وافته المنية يوم 28 دجنبر 2019، وهو نفس اليوم الذي يتزامن مع عيد ميلاده.

الواقع كما كان يصفه الراحل مصطفى العلوي عبر عمود “الحقيقة الضائعة” الذي كان عمره أطول من عمر صاحبه، قبل أن يصل اليوم إلى حلقته الأخيرة، هو الذي يلخصه عبر قوله: ((زادت الشساعة حدة بين الجيلين.. فتباعدت المسافات وازدحمت الطرقات، وتوسعت المدن وتغيرت المقاييس، وزالت الحواجز الفكرية والمادية والاجتماعية، وأصبح القنطار عشرا، والمتر شبرا، والابتسامات بالميزان، والحب والإخلاص بالقيراط، وعمت المصالح، وانتشرت الغربة، وأصبحنا غير ما كنا.. لقد ولى الجيل الماضي ومعه الخير والبركة والحشمة والوقار.. وأقبل جيل الكفاح من أجل الحياة، جيل المصاعب والمتاعب، جيل يمارس حياة كان آباؤنا يستعيذون بها من الشيطان الرجيم.. ورغم ذلك، فليس الجيل الجديد إلا استمرارا للماضي وممهدا للمستقبل وليس من حقنا أن نكسر سلسلة الارتباط..وتخلف آبائنا عن القيام بواجب اطلاعنا على حقيقة أمرنا هو جناية في حقنا، ولم نجن على أحد.. فهل من حقنا أن نجدد الجناية ونحرم آباءنا من معرفة حقيقتنا وندفن ماضينا وحاضرنا في بؤرة النسيان؟)).

تتمة المقال بعد الإعلان

لم يُكتب لمصطفى العلوي أن يعيش في زمن الجائحة، وربما لم يكن ليعيش بعد أن أصدرت الحكومة المغربية قرارا بوقف طبع الجرائد بدعوى أن تداول الجرائد الورقية سيساهم في انتشار فيروس “كوفيد 19″، بينما استمر تداول الأوراق المالية وهي أكثر عرضة للفيروس من الجرائد، وهاهي الصحافة الورقية تعيش اليوم آخر أيامها، ومن يدري.. فربما يعيش الصحفيون آخر أيامهم خلال العامين المقبلين، بعد أن فضل المواطنون الإقامة في العالم الافتراضي، والاكتفاء بما يقدمه من وجبات وخيارات رقمية لا تسمن ولا تغني من جوع..

توقفت “الحقيقة الضائعة”، لكن الدروس لازالت حية بيننا، فهاهو مصطفى العلوي يصف الواقع الحزبي (والواقع لم يتغير) قائلا: ((عندما كان حزب المرحوم علال الفاسي يعتمد على توزيع بطائق الحزب التشاركية لتمويل هذا الحزب الاستقلالي البورجوازي(…)، الذي أصبح هذه الأيام يتأسى على زمان مصلح الدراجات شباط.. وقد أصبح بين الأنامل الرطبة للسي نزار.. وتبقى المكانة العليا لحزب المهدي بنبركة، الاتحادي “يا حسرة”، الذي يعتبر في الوقت الحاضر أتعس حالا من جده حزب الاستقلال، حتى قال أحد أقطابه الجدد(…) ورغم أن التقدمية والاشتراكية واكبت مسيرة القطب المرحوم علي يعطة، فإن إرث هذه المبادئ ليس من السهولة بمكان، ومثلما كان هذا الإرث أثقل على أيدي إدريس الاشكر، ونبيل بنعبد الله، لأنه لا نضال بدون سجن(…) ولا تجربة بدون معاناة، وهي مأساة المجربين لسلاح التقدمية والثورية، أمثال مطربة زمانها نبيلة منيب، ووارث الاسم المخيف بلافريج، فإن عيب الأقطاب الجدد، أنهم استأنسوا برطوبة أفرشة الماركات المعروفة، التي عوضت معاناة “دار المقري” وظلمات تازمامرت، مثلما أنست ثروات المحجوب بن الصديق ومحمد عبد الرازق نضال النقابات وجهاد العمال والمناضلين، ليعيش أقطاب الحزب الإسلامي، الذي يظن أنه الأول في العدالة والتنمية وأنه استطاع أن يتربع على عرش الهيمنة الدينية، على أنقاض سلفه “العدل والإحسان”، ليعمل بتعاليم الإسلام الذي قال في سورة البقرة: “… إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنَّى يكون له مُلك علينا ونحن أحق بالملك منه…”، ولكن ترتيبتهم الاجتماعية والسياسية والاتصالاتية الخفية، جعلتهم كما قال القرآن في سورة النساء: “مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”..ولا تسألوا سائلا عن الحزب الشعبي الحركي الذي أسسه الحسن الثاني لأغراض سياسية عليا بقيادة الدكتور الخطيب والمحجوبي أحرضان، ليرثه الزعيم الفرعوني(…) العنصر، وقد جعل من هذا الحزب مجرد كيلوهات من الصرف، يتمم بها وزن كل من تعود على الغش في الميزان)).

هذا هو الواقع الحزبي، ولا مجال للعودة إلى ما كتبه الراحل عن حزب الأصالة والمعاصرة(…)، ولكن الواقع الحزبي في سنواته الأخيرة كان أقرب إلى المقبرة، ((رغم أن المقابر في الواقع مليئة حتى بقبور اللصوص والنصابين والانتهازيين))، يقول العلوي، الذي كان يظهر في عز قوته وهو في عز ضعفه، مرات كثيرة، لكن الذين عاشروه فقط هم من يعرفون حقيقة الرجل الذي كان يكتب المواد لجريدته من داخل غرفة الإنعاش مرات عديدة.

توقفت “الحقيقة الضائعة”، لكن زمنها لم يتوقف، والدروس لم تتوقف بعد أن كتب الراحل عن “الحسن الثاني الملك المظلوم”، وعن ظلم المحيط وظلم الشعب(…)، كما لا يمكن تذكر ركن “الحقيقة الضائعة” دون تذكر طريقة تعليق العلوي على بعض الأحداث الساخنة، ونأخذ المثال من تعليقه على تقاعد رئيس الحكومة بن كيران، حيث كتب:((إشكالية تقاعد الوزير الأول، أو رئيس الحكومة، ظاهرة جديدة بالتأكيد، لأن منصب الوزير الأول في عهد الحسن الثاني، وعلى مدى السنوات الطوال التي قضاها في الحكم، كانت تكاد محصورة في أقطاب لا حاجة لهم بالتقاعد، زمان كان فيه رؤساء الحكومة: بلافريج، وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم، والحسن الثاني نفسه، لا يأخذون التقاعد، ليتأكد أن ما نشر عن تقاعد عبد الله إبراهيم مجرد تلويح سياسي، أما الرؤساء الذين دخلوا الحكومات من بوابة الأحزاب السياسية، وعلى رأسهم أحمد عصمان، صديق الملك وصهره، وكان وزيرا أولا في سنة 1972، ثم وزيرا أولا في 1977، وربما كان الكلام في حقه عن تعويض التقاعد يعتبر تنقيصا من قيمته، مثلما أن عز الدين العراقي، البورجوازي بطبيعته وكان رئيسا في سنة 1986، وأحمد العراقي قبله كذلك في سنة 1969، مثلما لم يكن الرئيس إدريس جطو في حاجة للتقاعد طبعا)).

تتمة المقال بعد الإعلان

وحتى المحامي المقرب من العائلة الملكية رئيس الحكومة سنة 1979، المعطي بوعبيد، وكان نقابيا، ليس في حاجة إلى تقاعد، وهذه حكاية عبد اللطيف الفيلالي الذي كان وزيرا أولا في حكومة 1994، وبعد التعديل، عاد وزيرا أولا في 1995، ثم وزيرا أولا في سنة 1997، ورغم ذلك، فهو الذي كشف في مذكراته أنه بعد أن أقيل لترك المهمة لعبد الرحمان اليوسفي، الذي أسس حكومة التناوب في سنة 1998، بقي معروفا عن الوزير الأول المغوبش، عبد اللطيف الفيلالي، أنه اجتاز أزمة مع الحسن الثاني جعلته يصارح الزمن مرة عندما استدعاه الملك، ويكتب في مذكراته: ((وبالرغم من اشمئزازي، عدت إلى العمل بجانب الملك))، ويحكي أنه بعد إقالته، كان قد جمع أمتعته وذهب ليسكن مع زوجته “آن” في بيتها بباريس، ليكتب غاضبا(…) مرة أخرى: ((حملت حقائبي وتوجهت إلى باريس، مع ولديّ اللذين كانا يدرسان بثانوية “لوكانال”، وأنا أقول: إن هذه الفترة انتهت، وأنه لم تعد لي علاقة بالدولة المغربية(…)))، ليشرع في البحث عن عمل، ربما ليتعيش به، فيكتب: ((بدأت في البحث عن عمل بمساعدة بعض أصدقائي، وكان من بينهم الوزير الفرنسي “أندري مالرو”، لقبول شغل بشركة “شال”)) (المصدر: ركن الحقيقة الضائعة/ 21مارس 2019).

يقول الراحل ((.. فلا تقاعد إذن، ولا هم يحزنون، خصوصا وأن هذا الوزير، فيلالي.. من قبيلتنا مدغرة(…)، نحن الذين يتطابق اسمنا مع الكثير من أجدادنا الذين كانوا دائما يقولون لا.. لا.. ومن ذلك انطلق تعبير فيلالا..))، والواقع أن العلوي كان منصتا جيدا، يقول نعم في كثير من الأحيان رغم أنه فيلالي الأصل..

هكذا إذن، عاشت الحقيقة الضائعة، وكيف لا وقد عاش صاحبها النواة الأولى لخروج التلاحم بين الشعب والملكية إلى الشارع، فـ((“يحيى الملك”.. تعبير سائد عندنا مرتبط بحاضرنا كما كان نبراسا في ماضينا، لكن الهتاف به على ألسنة الجماهير، لأول مرة، كان ذا أبعاد كبيرة في تاريخ المغرب، وذيول طويلة في تاريخ الاستعمار..

والتعبير بواسطة جملة أو كلمة، لأول مرة في حياة الإنسان، أو حياة الشعب، ليس حدثا عاديا، بل ربما لازمت ذكرياته ذلك الإنسان أو ذلك الشعب طول حياته. ففي ثامن مايو 1934، عندما قال الشعب “يحيى الملك”.. قالها مثلما يقول شاب لأول مرة في حياته كلمة “أحبك”.. فلماذا قالها بأسلوب آخر، قال: يحيا الملك؟ ولماذا زودها معقبا: “تسقط فرنسا؟

الأسباب واضحة.. والأجوبة بسيطة..

إنه في ثامن مايو 1934، في عنفوان التفجر الوطني، في عز الأزمات، وفي خضم الأحداث، عندما كان الوطن المتقد حماسا يبلور الفكرة الوطنية وينشرها سرا وعلنا، انبرى محمد الخامس في خضم الأحداث متبنيا هذه الحركة المصيرية، فكان قرارا خطيرا بعيد المرامي في تاريخ الحركة الوطنية.

لقد ظهرت بوادر التجاوب الحتمي بين الملك وشعبه في 18 نونبر 1933، حين بادرت الجماهير للاحتفال بعيد العرش كمناسبة يتجلى فيها تلاحم العرش بالشعب من أجل التحرر والتخلص من الحماية، واستعدادا لمسيرة كبرى في طريق شاق طويل..

وبعد ستة أشهر، وفي رابع مايو 1934، قرر الملك القيام بزيارة رسمية إلى مدينة فاس، التي انطلقت منها شعلة الحركة الوطنية، مما جعل الحماية الفرنسية توجه كل عنايتها إلى هذه المدينة، وتخصها باهتمامها الكبير.

ووصل العاهل محمد الخامس إلى مدينة فاس، ونزلت الجماهير إلى الشوارع لأول مرة، لترحب بعاهلها ولتهتف: “يحيا الملك.. تسقط فرنسا”، وهو تعبير كان غريبا عن الاستعمار، وحدث نزل كالصاعقة على أسماع الإقامة العامة، وكان التجاوب بين الملك وشعبه سريعا حتى كادت الزيارة أن تتحول إلى ثورة ضد الاحتلال.

ولم تكتف الجماهير بترديد “يحيا الملك.. تسقط فرنسا”، بل أخذوا الأعلام الفرنسية ومزقوها ومشوا عليها وهاجموا مقر الحاكم الفرنسي وضربوه بالأحجار، وأراد باشا المدينة التدخل فضربوه بالحجارة، ومثلما صاحت الجماهير لأول مرة “يحيا الملك” ابتدع العاهل المغربي أسلوبه الجديد في التجاوب مع الجماهير، فلأول مرة أيضا، أشار بيديه إلى حراس الأمن، الذين كانوا يمنعون الناس من الاقتراب إليه، أن يكفوا عن منع الناس.. وأشار إلى الحراس أن يبتعدوا..

لم يبق إذن، حجاب بين الملك والشعب.. وتم التفاهم، وتمت الاستجابة، في ذلك اليوم كانت الحركة الوطنية قد أصبحت حقيقة ثابتة. وفي 11 مايو 1934، نشرت جريدة “عمل الشعب”، ربورتاجا كاملا عن زيارة العاهل لمدينة فاس، فأصدرت الإقامة العامة قرارا يمنعها، كما قررت الحماية الدخول في مرحلة مجابهة جديدة لم تكن في حسبانها، وفي نفس الوقت أيضا دخلت الحركة الوطنية عهدا جديدا من التنظيم والاستعداد)) (المصدر: كتابات مصطفى العلوي).

من الحركة الوطنية، إلى العلاقة مع الملوك، وسبر أغوار الأحداث، والمهام الوطنية والدولية، كان مصطفى العلوي بمثابة سلطان للصحافة، وعلامة من علامات الحكم، والحكم لله، بعد أن عايش ثلاثة ملوك، وكتب مذكراته معهم، قبل أن يرحل إلى دار البقاء، رحمك الله أستاذنا مصطفى العلوي، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإذا كانت لكل بداية نهاية، فـ”الحقيقة الضائعة” خرجت عن المألوف، ونهايتها على هذه الصفحة هي بداية لإنجاز مشروع كتاب ضخم سيضم كل حلقاتها، والذي سيصدر قريبا إن شاء الله، تكريما لقائدها الراحل مصطفى العلوي، الذي بعث عبرها رسائل مشفرة لكبار مسؤولي هذا البلد، وللسياسيين الغافلين، الذين كانت ترتعد فرائصهم كلما صدر عدد جديد خوفا من ذكر اسمهم، وفضح تجاوزاتهم، بعد أن أطاحت “الحقيقة الضائعة” بعدة رؤوس في حكومات متعاقبة، وعلى رأسهم الرجل القوي ووزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، الذي لقبته “الحقيقة الضائعة” بالوزير المغبون.. فكانت هي الضربة القاضية التي مهدت للإطاحة به.

كل هذه الأحداث تستحق أن يتم تدوينها في كتاب، فانتظروا هذا المؤلف حتى تبقى “الحقيقة الضائعة” حية بيننا.

فشكرا لقرائنا الأوفياء.. وعطلة سعيدة.

طاقم الأسبوع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

‫3 تعليقات

  1. عمود الحقيقة الضائعة كان بالفعل مدرسة تاريخية سياسية
    أرجو أن تخبروني عند صدور الكتاب
    ولكم الشكر والثناء العطر

  2. السلام عليكم
    حقيقة الحقيقة هي ما نبحث عنها. وعندما نجدها ستصبح غير ضائعة…

  3. كنت اترقب بكل لهفة حلقات الحقيقة الضائعة و ما تحملها من لحظات تاريخية و عبر و دروس انها الماضي و الحاضر و المستقبل
    اترقب صدور الكتاب و بثمن مناسب لانه سيضم بين دفتيه جزءا من تاريخ المملكة المغربية الذي لا يتحدث عنه الا القليل
    رحم الله الأستاذ مصطفى العلوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى