الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | سقوط بنبركة في يد الإرهابيين “الحلقة 55”

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    عاد “فيكون” لباريس يوم ثالث نونبر، خمسة أيام بعد اختطاف بنبركة، واجتمع بالمحامي لومارشان، وبعميـد الشرطة كاي، صديق لومارشان وصلة الوصل مع وزير الداخلية روجي فري في بيت المحامي لومارشان بـ 8 زقاق “فرانسوا ميرون”، وهي مقابلة أكدها لومارشان أمام المحكمة في عدة جلسات. وقد قدم “فيكون” أثناء هذه الجلسة المصيرية كل ما لديه من معلومات، ولا يستبعد أن يكون قد طلب من محدثيه أن يتوسطوا له لأخذ المال مقابل تسليم بنبركة، ولذلك لم يستطع كاي اعتقاله، وهذا الحادث يؤكد، على أية حال، أن المحامي لومارشان والعميد كاي يعرفان بالضبط ماذا جرى لبنبركة، أو يعرفان ماذا كان سيقع للسياسي المغربي، وهو ما سماه المحامي بروكيي في مرافعته، بأنه: ((لأسباب غامضة، فقد تعاقد المجتمعون على صفقة))، وإذا أضيف إلى هذا الجانب كون “فيكون”، بعد موته، ترك في حقيبته نص الأسئلة التي كتبها لومارشان بخط يده لتُلقى على المهدي بنبركة.. فهل سلم لومارشان تلك الأسئلة إلى “فيكون” ليلقيها على رهينته بنبركة، أم أنه كلفه بإلقاء تلك الأسئلة على المهدي قبل أن يبحث عن حل لمشكل المال؟.. إن تلك الأسئلة، وهي منشورة في فصول سابقة، لا تترك مجالا للشك في أنها تهم بالدرجة الأولى المخابرات الفرنسية، ولو كان بنبركة مقتولا في تاريخ 2 نونبر، يوم اجتماع “فيكون” بلومارشان، لما كان هناك داع لتقديم الأسئلة، ثم إن تلك الأسئلة لم تكن واردة في اتصالات “فيكون” بالصحفيين، ولا في أحاديثه مع أصدقائه، ولا وردت في تصريحات “لوبيز”، ولا في رسالة “لوني”، ولا سلمت لضابط الشرطة سوشون، ولا يمكن أن تكون إلا جزء من ذلك اللقاء المصيري الذي تم يوم 3 نونبر 1965 بين المحامي لومارشان وعميد الجهاز المتخصص في الاستعلامات كاي، ولم تظهر الأسئلة إلا يوم موت “فيكون” مقتولا بعد أن فشلت معه كل الوسائل.

وبعد الاجتماع/الصفقة، ويوم خامس نونبر، يغادر المتهمون الآخرون في القضية: “بوشسيش”، “لوني”، و”باليس” فرنسا دون أن يعتقلوا، ولكن المهم، هو دخول عنصر جديد إسرائيلي هذه المرة، وهو الإرهابي “زوريتا” في حياة “فيكون”، إذ أصبح مكلفا بحمايته، وبصفته يهوديا، فقد اقترح على “فيكون” أن يكسب مالا آخر، عبر بيع تصريحاته للصحف، وهكذا قابله يوم 14 دجنبر 1965 مع الصحفي جان فرانسوا خان من مجلة “الإكسبريس”، حيث تم الاتفاق على ذلك السرد المشحون بالكذب، والذي نشرته “الإكسبريس” بتاريخ عاشر يناير 1966، فيما سارع “فيكون” بنفسه إلى تكذيب ذلك المقال في جريدة “لومانيتي”. المهم في دخول زوريتا بصفته عنصرا إسرائيليا، هو أنه حضر المقابلة الصحفية، وأسهم فيها، ولم يمنعه ذلك من أن يدخل المغرب فيما بعد مطمئنا، ولكنه قبل أن يرجع إلى المغرب، وبعد سنة بالضبط، وفي خامس نونبر 1966، تعهد رفقة إسرائيلي مغربي آخر اسمه جودا أزویلوش أمام عائلة المهدي بنبركة، بأنهما مستعدان للعثور على المهدي بنبركة حيا مقابل قيمة مائة مليون. بنبركة إذن، كان يساوي ثمنا غاليا، حيا أو ميتا.. فقد طلب “فيكون” مائة مليون لتسليمه حيا، وبعد سنة، يطالب أصدقاء “فيكون” زوريتا وأزویلوش، عائلة بنبركة بمائة مليون للعثور على بنبركة حيا. زوريتا إذن، كان يعرف يوم تحرير مقال “الإكسبريس” المنشور يوم عاشر يناير 1966، أن بنبركة كان لا يزال حيا، معتقلا إذن عند “فيكون”، وعندما مات “فيكون” بعد أسبوع من نشر المقال، هل كان “زوريتا” يعرف مخبأ بنبركة، وسلمه بعد ذلك لجلاديه الذين صفوا حسابه بعد أن هدأت العاصفة، وبعد أن فشل زوريتا في الحصول على مائة مليون من عائلة بنبركة، أم هل يكون زوريتا هو رجل أوفقير الذي تسرب إلى حياة “فيكون” في الوقت المناسب للاطلاع على أسراره، وعلى المحل الذي يحتجز فيه بنبركة كرهينة؟

كل هذا ـ طبعا ـ لا يتنافى مع أطروحة اختطاف بنبركة من طرف “فيكون” من بيت “بوشسیش”.

ولعل سدرة منتهى هذا اللغز الدفين، هي ذلك السر العجيب الذي أدلى به الصحفي جان مونتالدو، من جريدة “الإكسبريس”، والذي شهد بدوره أمام المحكمة ونشر له صاحب کتاب: “قتلة بنبركة”، دانييل كيران، هذا التصريح الخطير الذي يغني عن كل تعليق: ((لقد اتصل بي بعض المبعوثين الخاصين لرئيس الحكومة جورج بومبيدو، وطلبوا مني الاتصال بصديقي “فيكون”، لمطالبته بتسليم نفسه، لأن رئيس الحكومة ووزير الداخلية يريدون إنهاء المشكل، ويريدون الحصول من “فيكون” على الحقيقة لنقلها إلى رئيس الجمهورية، ولكني رفضت بيع صديقي)).

أجهزة الدولة الفرنسية، إذن، سلمت واستسلمت، وعرفت أن “فيكون” هو صاحب الكلمة الأخيرة، إذن، فهو الذي يعرف الحقيقة ويعرف أين بنبركة، ولكن “فيكون” مات وترك بنبركة مربوطا في محل ما، لا يعرفه إلا “فيكون” الذي مات ومعه المفتاح، حسب ما أكده “لوبيز” بعد خروجه من السجن، بعد ست سنوات من المحاكمة.. فهل يكمن هنا تفسير ذلك التصريح الذي أدلى به الدليمي في جلسة 25 أبريل 1967، حين أقسم أمام المحكمة أنه بعد خروجه، سيعثر على بنبركة أينما كان؟

حقيقة واحدة تنهي كل الاحتمالات، وهي اعترافات الإرهابي “كريستيان دافيد” عند اعتقاله في البرازيل يوم 21 أکتوبر 1972، في مدينة باهيا، بعد أن بعث الرعب في البرازيل، فصرح بأنه هو الذي قتل “فيكون” في باريس، وأنه هو الذي أخفى بقايا جثة المهدي بنبركة بعد أن توصل بخمسة عشر مليون سنتيم من أوفقير للقيام بتلك العملية.. ((ولقد دخلت مع أحد الرفاق إلى الشقة الواقعة في 14 زقاق “ليرونود”، بضع دقائق قبل أن تصل الشرطة وتعثر على “فيكون” جثة هامدة، وقد خرجت أثناء وصول الشرطة أنا وصديقي من الباب الخلفي، الواقع في 11 زقاق “تيودول ريبو”)). هذا التصريح الذي صدر سنة 1972، يفسر الكثير من الأشياء، ولقد نشره صاحب كتاب “دروغ”، ألان جوبير، وهو تصريح كان من الأهمية بمكان، حيث طلبت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية من حكومة البرازيل، تسليمها الإرهابي “كريستيان دافيد”، الذي يعرف الكثير، وقد تسلمته العدالة الأمريكية وسلمته لمنظمة المخابرات المركزية، حيث تم استنطاقه قبل إيداعه في السجن بحكم عشرين سنة.

المخابرات الأمريكية إذن، تعرف نهاية هذا المصير الحزين الذي لقيه المهدي بنبركة في دوامة من الإرهاب، ووسط مجموعة من السفاكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى