الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | فنجان قهوة.. سبب براءة الدليمي

قراءات في محاضر المحكمة "الحلقة 51"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

  في الجلسة السابعة، يوم 25 أبريل، يفاجئ المحامي ألبيرنو المحكمة بنتيجة تحرياته بعد تصريحات “لوبيز”، وتقريره لرئيسه فانفيل، فيقدم للرئيس نسخة من تقرير رفعه “لوبيز” إلى رئيسه فانفيل” مؤرخ بـ 31 أکتوبر 1965، يومين بعد اختطاف بنبركة، ويقول فيه “لوبيز” كل ما شاهده في بيت “بوشسيش” في “فونتوني لوفيكونت”، وأسماء الآخرين دون أن يذكر اسم الدليمي، ويتساءل الملاحظون: كيف حصل المحامي “نو” على هذا التقرير السري؟ لقد كان الجنرال جاكيي، رئيس المخابرات العام، قد أبعد من منصبه کما سبق ذكره، ومن الممكن أن الرئيس الجديد هو الذي قدم الوثيقة للمحامي “نو”، ولكن لعبة المخابرات بقيت مهيمنة على الجلسات الثانية، مثلما أن الحقيقة بشأن مصير بنبركة لم تكن في أي واحدة من المحاكمتين، ولا شك أن الدليمي كان يعرف أصول اللعبة، وفي جلسة 21 أبريل، وقف الدليمي رادا على هجوم في اتجاهه من طرف الرئيس بيريز فقال: ((سيدي الرئيس، أرجوكم أن تسيروا بتؤدة وعلى رؤوس الأصابع، إن الأرض تحت أقدامكم خاسفة)).

ولقد هيمن على الجلسات أن ما قاله الإرهابي “فيكون” غير صحيح، وأن التكذيب الذي أذاعه لما نشرته الصحف باسمه، هو الصحيح، کما اتضح أن “لوبيز” كان يكذب، وربما لم يكن يفرق بين الدليمي وأوفقير، فوقف المحامي “نو” ليعطي بيانات عن برنامج مقام الدليمي في باريس ليلة 30 أكتوبر، حينما وصل إلى باريس واستقبله “لوبيز” في المطار: ((لقد توجه رأسا إلى نزل “أديلفي” حيث كانت زوجته، وتوجه إلى بيت مغربي اسمه البلغيتي، حيث تقابل مع أوفقير ليبحث معه مشكل اختطاف بنبركة، وهناك أخبره أوفقير بأن عليه أن يدخل للمغرب رأسا، فربما حدثت مظاهرات شعبية احتجاجا على الاختطاف، تتطلب وجوده كرئيس للأمن، فتوجه إلى ملهى اسمه “كالفادوس” وبقي هو إلى الفجر حيث ذهب إلى الفندق وأخذ حقيبة أمتعته، وتوجه إلى المطار، بعد أن توقف مع سائق التاكسي لشرب كأس قهوة قبل أن يتوجه للمطار))، ويظهر أن رئيس المحكمة قرر التوقف عند كل كلمة من تصريحات المحامي ليتأكد منها، بل إنه يمكن القول بأن التأكد من هذا البرنامج هو الذي أخذ يمهد لبراءة الدليمي، وقد ذهب الرئيس بيريز بعيدا لدرجة أنه نشر في الصحافة إعلانا يبحث عن سائق تاكسي حمل شخصا مغربيا في الصباح الباكر يوم 31 أكتوبر، وتوقف معه لشرب قهوة في الطريق بمقهى “مونبارناس”، وبينما استمرت المحاكمة، كانت الصحف تنشر الاستدعاء، وقد جاء سائق التاكسي فعلا، وأكد أنه سجل في لائحة عمله نقل شخص طويل، صفته كذا وكذا، وتوقف الشخص في مقهى “مونبارناس” وشرب القهوة، ومضى الرئيس بيريز بعيدا، فاستدعى صاحب المقهى، وخدام المقهى، ورغم أن صاحب المقهى كذب على المحكمة وقال أننا نقفل الأبواب في الساعة الخامسة بحكم القوانين المفروضة عليه من طرف بلدية باريس، فإن العمال أكدوا عكس ذلك، إذ أن ذلك المقهى ليست له أبواب على الإطلاق.. وهكذا يمكن القول بأن الدليمي مدين ببراءته لفنجان قهوة.

وقد مهد لهذا التحول الكبير في القضية، ذلك العرض الطويل المليء بالمصداقية، والذي أدلى به العميد بوفيي، رئيس شعبة الإجرام بالشرطة القضائية الفرنسية، على مدى ساعتين، وبعد أن أكد تصريحاته خلال المحاكمة الأولى، قال: ((إني مقتنع بمسؤولية شخصيات مغربية في اختطاف المهدي بنبركة، وهو اقتناع لا يرتكز إلا على تصريحات “لوبيز”، وأكد العميد بوفيي أن التحقيق والبحث وتأخر إلى يوم ثالث نونبر، أي بعد الاختطاف بخمسة أيام، ولو وضعت الحراسة على المحل الذي احتجز فيه بنبركة يوم فاتح نونبر لتغيرت الأمور بشكل بعيد إذا ما فكرنا بأن المهدي بنبركة ربما كان موجودا في تلك الأثناء، إما في “فونتوني لوفيكونت”، وإما في “أورموي”، أهمية هذا التصريح، الصادر عن رجل سماه أحد المحامين بـ”الشخصية الأسطورة”، تكمن في أنها أثرت على المحلفين كما صرح بذلك بعضهم فيما بعد.. فقد تأكد لديهم أن بنبركة بقي موجودا إلى فاتح نونبر، حيث حدث ما لا يعرفه الكثير عنه أي شيء إلا “فيكون”))، ربما، وأضاف بوفيي، أن الدليمي وأوفقير تناولا طعام العشاء معا في مطعم “سامبلون”، وأن رجال بوفيي في المطعم لاحظوا أن الرجلين كانا مستعجلين، لكن بوفيي لم يترك هذه الفرصة تمر دون أن يسجل ملاحظة هامة حينما سأله المحامون لماذا لم تعتقل المتهم المشكوك في تهمته؟ فأجاب: ((لا يمكن اعتقال وزير داخلية دولة أجنبية صديق لفرنسا مثلما يعتقل أي شخص آخر)).

وقد مثل الكوميسير للإدلاء بشهادة إضافية يوم 29 أبريل، فكشف عن أسرار تفوق سابقاتها: ((لقد أخبرني مخبر سري، أنه شاهد “فيكون” مشاركا في الاختطاف، وسمعه في نفس الليلة وهو سكران في أحد البارات، يتباهى بأنه أنجز عملية كبرى، وأضاف هذا المخبر – يقول بوفيي – فأخبرني يوم 2 نونبر 1965 بالمكان الذي يحتجز فيه المهدي بنبركة)). الكوميسير أضاف أمام المحكمة جملة ربما صدرت منه دون وعي، ولكنها تكمل الحقيقة، وتشرح الاحتمالات التي سيأتي سردها.. فقد قال: ((لم أكن أهتم بسفر المحامي “لومارشان”، ولا بعلاقاته مع هذا اللص “فيكون”.. لص سرق ماذا؟ إنه بالتأكيد أن “فيكون” هو الذي سرق بنبركة من بين أيدي مختطفيه. طبعا، كانت هناك في هاته المحاكمة الثانية، ظروف إنسانية مؤثرة كتلك التي وقف فيها الطالب “الأزموري”، الذي كان مع المهدي ساعة الاختطاف، وقد مثل “الأزموري” أمام المحكمة في ثاني مايو، فنزلت عليه التهم تترى: “لماذا اختفيت خمسة أيام بعد الاختطاف؟”، فأجاب: “الخوف على حياتي والأولاد، لقد كنت مراقبا ليل نهار، فنقلت زوجتي وأولادي لحمايتهم عند صديق في مدينة بواتيي”))، ولقد بقي الطالب “الأزموري” تحت وقع هذه الصدمة إلى أن مات منتحرا کما سبق التطرق إليه.

ومرة أخرى، عاد طوق المسؤولية ليحيط بتبعة الحكومة الفرنسية وأجهزتها، حينما تقدم مندوب الحزب السياسي للمهدي بنبركة، الاقتصادي المغربي محمد الطاهري، للإدلاء بشهادته، فقال ما لا يترك مجالا للشك: ((لقد أخبرت الحكومة الفرنسية في شخص وزارة داخليتها، يوم 30 أكتوبر صباحا، أي بعد الاختطاف بيوم واحد، فأكدوا لي أنهم سيقومون بالواجب))، وكانت النيابة العامة هي التي طلبت شهادة الطاهري، فأصبحت شهادته وزرا على الحكومة الفرنسية.

الرئيس بيريز كان يشرف على تسلسل هذه المفارقات العجيبة، فينكب على مسح نظارته بعصبية محولا هذه المحاكمة إلى معلمة من التاريخ السياسي المريب. حدث مرة أن ألقى نظرة عميقة على أحد المحامين، الأستاذ ماجياني، فسأله المحامي: ولماذا تحدجوني بهذه النظرات يا سيدي الرئيس؟ فأجابـه الرئيس بيريز: “إني أنظر إليكم يا أستاذ نظرة الكلب إلى المطران”، فسأله المحامي: “ومن هو الكلب يا سيـدي الرئيس؟”، فأجاب الرئيس بيريز ببرودة أعصاب: “أنا الكلب وأنت هو المطران”.. هنا جمع المحامي ماجياني ملفاته، وقال: “سأتوقف نهائيا عن طرح أي سؤال”.

وفعلا، تعبت الأعصاب، وأصبح المحامون في حالة من العصبية البادية، يضفون طابعا فلسفيا على تدخلاتهم، مما أعطى بعض الجلسات طابع المسرحية.. ففي صباح عاشر مايو، وقف الأستاذ “نو”، أحد محاميي الدليمي، وكأنه على خشبة مسرح وقال: ((أيها السادة، يحاك تضليل قضائي أيها المحلفون، من سيدات وسادة، وأرى من واجبي أن أسترعي انتباهكم لتكونوا على حذر في هذه المحاكمة، لأنه توجد قوة خفية تهيمن علينا، وتتجاوز طاقتي كما تتجاوز طاقتكم يا سيدي المدعي العام ويا سادتي أعضاء المحكمة))، وبعد أن أكد المحامي “نو” – وهذا مهم جدا بالنسبة للباحثين المتعقبين للجزئيات ـ أنه لا يدافع عن أوفقير، وضع المشكل في صيغته الحقيقية وقال: ((يتعين علي اليوم أن ألاحظ أن العنصر الرئيسي في المحاكمة يجري في الكواليس، وأن الجوهر يكتسي طابع قضية سياسية، كما أن بواطن وخفايا المداولات تكتسي صبغة سياسية)).

حادثة من الأهمية بمكان، أثرت على الجو المهيمن على الحكومة، وهي تغيب الشاهد أحمد رضی جديرة عن الإدلاء بشهادته، وكان لا بد من تسجيلها، نظرا لأهمية هذا التغيب، إن لم يكن تاريخيا، فإن أهميته حاضرة وربما مفسرة بعد عشرين عاما.. لقد تفحص الرئيس بيريز وثائقه وقال: أين المسيو جي.. جيد..؟ ولم يجب أحد، وبعد توقف للجلسات بضعة دقائق، جاء المحامي مجيد بن جلون، ليقول: ((سيدي الرئيس، إن السيد جديرة مصاب بحمى الأربعين درجة في بيته بالرباط.. فاعذروه، ونتأسف لغيابه))، ويرد الرئيس بيريز: ((سجلوا.. جديرة لم يحضر.. رفعت الجلسة)).

وفي الخامس من جوان 1967، وبينما كانت الشوارع الباريسية مختنقة بالحملة الإعلامية الكبرى المدبرة حول الرئيس جمال عبد الناصر، وحول إغلاق مضايق “تيران”، وما أسمته الصحافة الفرنسية كلها بأنه “اليوم النهائي في تاريخ إسرائیل”، صدرت أحكام الرئيس بيريز، وكانت مفاجأة كبرى: ((براءة الدليمي، والماحي، وفيليب بيرنيي، والشرطي فواتو، وإطلاق سراح لوروا فانفيل، والحكم على لوبيز بثمان سنوات سجنا، وعلى ضابط الشرطة سوشون بست سنوات سجنا، والحكم بالسجن المؤبد على أوفقير والشتوكي ولوني وبوشسيش وباليس ودوباي))، ومنذ صدور هذه الأحكام إلى اليوم: مات أوفقير، ومات الدليمي، ومات بوشسيش، ومات الماحي.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى