الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | تعيين مصطفى العلوي كمترجم في قضية بنبركة

قراءات في محاضر المحكمة "الحلقة 50"

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    كان الحاضرون في المحاكمة الثانية قد تعودوا قبل افتتاح كل جلسة، على سماع صليل السلاسل تفك من أيدي الدليمي، الذي كان يحضر به من سجن الصحة تحت حراسة مشددة، لكن المحاكمة الثانية كادت تكون متخصصة في بحث الدور الذي أسند إلى الدليمي في الصحف وفي ادعاءات “فيكون”، کما تقاطر عدد كبير من الموظفين المغاربة لإسناد الدليمي، وبذلك غطى الجانب المغربي على الجانب الفرنسي، وقد كنت وقتها أحضر جلسات المحاكمة بانتظام، لأقوم بتغطية الأحداث لفائدة جريدتي اليومية “المساء”، لكن الظروف شاءت إلا أن أسهم في المحاكمة، وأقف شخصيا عدة ساعات أمام هيأتها، وأمام الرئيس بيريز.. فقد كان عدد من الشهود، مغاربة وعربا، لا يتقنون الفرنسية، وأحضرت المحكمة ترجمانا محلفا جزائري الأصل، لكن مقامه الطويل في فرنسا جعله ينسى اللغة العربية، وخصوصا اللهجة المغربية، ووقعت المحكمة في أزمة، فالمترجم المحلف لا يفهم ما يقوله الشهود المغاربة، خصوصا عندما يستشهدون بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية، وبغتة، يقول الرئيس بيريز: ((في علمي أن صحفيا مغربيا هنا يغطي الجلسات، فهل يسمح بأن يقوم بدور المترجم))، واتجهت إلي الأنظار، فأحرجت، وقبل أن أجيب الرئيس بيريز، استأذنت المجموعة التي تمثل مصالح المهدي بنبركة، وعلى رأسها مدير مكتب الاتحاد الوطني في باريس، المهدي العلوي، فأشار إلي بأنه لا يرى مانعا، ثم استفسرت الدليمي، فأشار إلى أنه لا يرى مانعا، وأخيرا، وبعد أن أخذت كل الاحتياطات خوفا من سوء التأويل، تقدمت أمام الرئيس بيريز وأصدر في حقي حكما بتعييني ترجمانا للجلسات، ولكن هذه المهمة ربطتني بصداقة عفوية مع أحد المتهمين، وهو رئيس الشعبة السابعة في المخابرات الفرنسية، لوروا فانفيل، الذي كان أثناء المحاكمة الثانية يتمتع بالسراح المؤقت، فكنت أخرج معه من قاعة المحكمة لتناول طعام الغذاء في مطعم “ليدو بالي” المقابل للمحكمة، ونتبادل أطراف الحديث، تحدوني رغبة كبرى في الحصول منه على معلومات إضافية وجديدة لجريدتي، ولكن هيهات أن يأخذ أي صحفي مهما كانت حدته، أسرارا من أحد أقطاب المخابرات الفرنسية، فيما أبانت الأيام فيما بعد أنه كان هو أيضا يستهدف الحصول مني على جزئيات جديدة.. فقد كان وقتها يخطط لتأليف كتابه “الشعبة السابعة”، لكن أحاديثي مع لوروا فانفيل جرت علي الكثير من المتاعب، فقد وضعتني المخابرات الفرنسية في عدسة مراقبتها، وأصبحت لا أخطو خطوة ليلا ولا نهارا إلا وأنا متبوع بطريقة مفضوحة، لم أكن أصدقها لو لم أكن ضحيتها، ذلك أن جهاز المخابرات الفرنسية لا يختلف في وسائله عن أي جهاز آخر في أي بقعة أخرى من أي دولة متخلفة في العالم.

تتمة المقال بعد الإعلان

ورجوعا إلى جلسات المحاكمة الثانية، حيث نجد جميع الأطراف، رئيسا وقضاة ومستشارين ومحلفين، ومحامين عن الأطراف كلها، وكل المتتبعين للمحاكمة، واقعين تحت تأثير أقرب ما يكون إلى السحر من قربه إلى التطير من سوء الطالع. إن كثيرا من الوجوه المألوفة من طرف المحكمة خلال جلساتها الأولى قد اختفت، لا صدفة وإنما موتا.. فقد سبقت المحاكمة موجة من أحداث الوفاة جعلت قضية المهدي بنبركة أشبه ما تكون باغتيال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية كيندي، فبعد وفاة الرئيس كيندي، مات في مسلسل البحث عنه أربعة عشر شخصا، وقبل الجلسة الثانية لمحاكمة مختطفي بنبركة، مات عدد كبير من المهتمين.. ففي فبراير 1967، مات نقيب المحامين المكلف بالدفاع عن عائلة المهدي بنبركة، النقيب طروب بسكتة قلبية، وبعده مات سائق عبد القادر بنبركة أخ المهدي، في حادث اصطدام، ثم مات نائب النقيب طروب، وهو أيضا محامي

عائلة المهدي بنبركة، المحامي ستيب، وبقي ثقل الدفاع عن الطرف المطالب بالحق المدني واقعا على المحامي بروغيي، الذي أصيب في 15 مارس بانفجار في المخ ومات لحينه، وزاد تقلص عدد المحامين بقرار المحامي تيكسيي فينيانكور الانسحاب من الدفاع عن “أنطوان لوبيز”، واجتمع محامو الطرف المدني فقرروا الكتابة إلى الرئيس بيريز، لمطالبته بتأخير المحاكمة الثانية من خامس أبريل لمدة ثلاثة شهور، لكن الرئيس بیریز توصل بطلبهم في نفس الوقت الذي تلقى فيه برقية تخبره بوفاة أحد أقاربه، فقرر تأخير المحاكمة أحد عشر يوما فقط، وذهب هو أيضا للجنازة، لذلك خيم جو جنائزي على جلسات اليومين الأولين، حيث انقلبت المحاكمة إلى مأتم رثاء في المحامين الذين انتقلوا إلى جوار ربهم، وكانت زوجة المهدي بنبركة قد نشرت في جريدة “الجمهورية” المصرية، بتاريخ 26 مارس، رسالة استعطاف تطلب تأخير المحاكمة حتى تتمكن من رتق الصدع الحاصل في هيأة دفاعها، ولكن هيأة محامي الدليمي رفضت التأخير إلا إذا أمتع الدليمي بالسراح المؤقت، وزاد تعقيد موقف الطرف المدني بحدوث خلاف بين عبد القادر بنبركة والكاتب العام للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالنيابة، عبد الرحيم بوعبيد، متكلما باسم الحزب الذي كان ينتمي إليه المهدي وجاعلا من الحزب مطالبا بالحق المدني، وكان خلافا أثر على موقف الطرف المدني.

ولكن جلسات المحاكمة سارت بعيدا في الاتجاه السياسي، حينما سجل دفاع الدليمي أسماء عدد من قادة الأحزاب السياسية كشهود تأييد للدليمي، وكانت اللائحة طويلة ومثيرة.

فقد تضمنت لائحة الشهود أسماء: علال الفاسي وعبد الخالق الطريس من حزب الاستقلال، وأحرضان والخطيب من حزب الحركة الشعبية، وأحمد رضى جديرة من حزب الجبهة، وعبد القادر بن جلون من حزب الشورى، وهو عنصر جديد، شكل نوعا من التضامن الوطني المغربي مع الدليمي لولا أن عنصرا أجد، كان محط نقاش طويل.

تتمة المقال بعد الإعلان

فقد تبلور الجانب الإسرائيلي، وطلب الصحافيان الإسرائيليان، شامويل مور رئيس تحرير مجلة “بول” الإسرائيلية، ونائبه في التحرير ماكسيم كيلان، الإدلاء بشهادتهما في المحكمة، للإفصاح عن الدور الإسرائيلي في اختطاف المهدي بنبركة – ذلك الدور الذي سبق التطرق إليه – لكنها كما اعتقد الجميع، هدية مسمومة، ولم ينظر لها بعين الرضى من أي طرف.

وعندما بدأت الجلسات في التعمق داخل صلب الموضوع، وشرعت المحكمة في البحث عن دور الدليمي المثبت من خلال تصريحات “لوبيز”، تحول هذا الأخير إلى بهلوان، يمثل أدوارا شبه مسرحية، فتارة يصيح: “إنني لم أقل شيئا”، وتارة يتلاعب بالألفاظ، وفي جلسة الثلاثاء 25 أبريل 1967، احتار المحامي ماجياني، المدافع عن رجل المخابرات لوروا فانفيل، فصاح بأعلى صوته ثائر الأعصاب: ((إن الحديث إلى لوبيز كالحديث إلى فيلسوف، فعندما تسأل فيلسوفا عن شيء ويجيبك عنه، فإنك سريعا ما تفقد أمام جواب الفيلسوف صيغة السؤال الذي طرحته عليه)) .

ففي جلسة 19 أبريل مثلا، انبرى “لوبيز” لتبرئة ساحة الصحفي بيرنيي، وقال: ((إنه لم يكن يجر بنبركة لمصيدة، فإن بنبركة من خلال موعده بمقهى “ليب”، لم يكن يواجه أي خطر))، ولكن “لوبيز” وضع اللوم كله على رئيسه في المخابرات لوروا فانفيل، الذي يعرف كل شيء، ولأول مرة، كشف سرا من الأهمية بمكان.. فقد صرح في نفس الجلسة، بأنه عندما استقبل “الشتوكي” (منظم العملية من طرف أوفقير) في المطار، سرق منه محفظته واستولى على ما بها من معلومات حول عملية الاختطاف، وسلم تلك الوثائق لرئيسه لوروا فانفيل.

فانفيل إذن، يعرف كل شيء.

الخبير في المخابرات فانفيل، أحرج بكلام “لوبيز”، فانقض محامي الدليمي ألبيرنو على الفرصة وسأل لوروا فانفيل: “ماذا تعرف عن المشروع؟”، فوقف فانفيل ببرودة كبرى وقال: ((كل المعلومات التي جمعتها كانت تفيد أن الملك الحسن بعد خطابه بالعفو والمصالحة الوطنية، قرر استدعاء المهدي بنبركة، وتسليمه منصب وزير في الحكومة)).. ويقف “لوبيز” كالمنتصر صائحا، ومتوجها نحو القفص الخشبي قائلا: ((سيدي الرئيس، إني لم أعمل شيئا، لقد أسهمت فعلا في التقرب من هذا الرجل، المهدي بنبركة، المنكود الحظ، ولقد وجهت لكم رسالة يوم 20 نونبر 1966 أخبركم فيها أنني لم أر الدليمي في بيت بوشسيش إطلاقا)).

 

يتبع

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى