الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | في قلب عملية اختطاف بنبركة “الحلقة 44”

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    عمليا.. قانونيا.. ونهائيا.. بتّت محكمة الجنايات الفرنسية التابعة لمقاطعة “لاسين”، في دورتين متباعدتين، الأولى ابتدأت في الخامس من شتنبر 1966 وانتهت في التاسع عشر أكتوبر 1966، والثانية ابتدأت في التاسع عشر أبريل 1967 وانتهت في الخامس من جوان 1967، يوم انطلاق حرب السبعة والستين، التي انتهت في ستة أيام باحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاعي غزة والجولان، وكانت هاته الحرب هي التي انتقلت بقضية بنبركة إلى المستوى التحتي بعد قضية الحرب، فلم تحظ الأحكام الصادرة في حق المسؤولين عن اختطاف المهدي بنبركة بالعناية ولا المتابعة اللتين كانت خليقة بهما.

بتّت المحكمة الفرنسية إذن.. عمليا.. قانونيا.. ونهائيا، يوم الخامس من جوان في قضية اختطاف المهدي بنبركة، لا في ما بعدها، وبذلك أدين من أدين بتهمة “الاختطاف، والاحتجاز” ولم تتم إدانة أي واحد من الذين صدرت في حقهم الأحكام بتهمة القتل، فالقانون لا يعترف بقتل من لا أثر لجثته، ولن يكون المهدي بنبركة ميتا قانونيا وشرعيا إلا بعد مرور ثلاثين عاما على تاريخ يوم اختطافه، التاسع والعشرين من شهر أكتوبر 1965.

ويبقى الانتباه والاهتمام منصبين على السبب الذي من أجله عقدت المحكمة بنفس الهيأة ونفس الرئيس بيريز، جلستين اثنتين كسابقة قضائية نادرة المثال.. فقد سبق أن وجهت المحكمة، بعد انعقاد جلسات الدورة الأولى، أمرا دوليا بإحضار المتهمين المشاركين في الاختطاف، والهاربين من قبضة العدالة، وهم: “بوشسيش، باليس، لوني، دوباي، أوفقير، الدليمي، والشتوكي”، ولكن لم تحصل أي استجابة لا في شأن الأطراف المغربية ولا في شأن المجرمين الفارين من ذوي جنسية فرنسية، إلا أن جلسات المحاكمة الأولى دارت في إطار محدود بعد أن ظهر للعيان أن الحكومة الفرنسية لم تكن ترغب في أن تخرج المحكمة عن العناصر المتواجدة لديها حتى بعد أن هدأت الحملة المشحونة التي شنتها الصحافة تحت ضغوط الإرهابي “فيكون”، الذي قتل في قلب باريس بعد صدور الأمر باعتقاله، بطريقة متأخرة جدا.

وكانت المحكمة مستمرة في جلساتها واستنطاقاتها، وكادت أن تصل إلى قراءة مطالب النيابة العامة حينما بلغ إلى علمها، يوم 18 أكتوبر 1966، أن الدليمي الذي كان مديرا للأمن المغربي، قد وصل إلى باريس، ويظهر رسميا – حسب البلاغات التي صدرت في الرباط – أنه غادر المغرب بدون استئذان، مما تسبب في إصدار حكم عسكري غيابي في حقه، ولكن محاميه سارعوا إلى تقديم طلب بحق نقض الأمر الصادر بإحضاره واعتقاله، وطالب بتأخير جلسات المحكمة إلى أن يعاد التحقيق من جديد، حيث إن حضور الدليمي يعتبر عنصرا جديدا، وقد حصل محامو الدليمي على كل ما أرادوا باستثناء كسر الحكم الصادر في حقه بالاعتقال، لذلك اقتيد من مكتب وكيل النيابة العامة إلى سجن “لاصانطي”، حيث وضع رهن الاعتقال الاحتياطي إلى أن ابتدأت جلسات المحاكمة الثانية، سبعة أشهر فيما بعد، وبعد افتتاح المحاكمة الثانية، بقي الدليمي رهن الاعتقال يقتاد مكبلا بالسلاسل من السجن إلى المحكمة، والعكس بالعكس.

وكانت جلسات المحاكمة الأولى قد أخذت تبلور جوانب التناقض فيما يدعيه المعتقلون الحاضرون، وفيما تنسجه الأخيلة الدعائية، وهيمنت على الجلسات خلفيات التلاعب البادي في أجهزة المخابرات الفرنسية، والفوارق بين ما قد يكون لعبة أوفقير شخصيا، ولأغراض خاصة، وبين المشروع الأول، مشروع دخول المهدي بنبركة للمغرب في إطار التصالح الوطني، ولكن وكيل النيابة العامة “طوبا”، عندما بدأ قراءة مطالب النيابة العامة في الجلسة الرابعة والثلاثين يوم 14 أكتوبر 1966، خرج من الباب الواسع في متابعة المعتقلين والهاربين بتهمة الاختطاف والحجز، وليس بتهمة القتل، وبذلك وجب اعتبار المحاكمة الأولى عبارة عن متابعة قانونية للعملية التي دبرت يوم 29 أكتوبر 1965 بصرف النظر عما قد يكون أعقبها، وبتجاهل تام للتعمق في المسؤوليات التي لم تسقط في شبكة البحث والتحقيق، ولا تأثرت المحكمة بما طغى على القضية من عوامل التدخل الأجنبي، تدخل المخابرات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية، بل حتى الأطراف المغربية لم تهتم مرافعة النائب العام “طوبا” منها إلا بما يتعلق بالأطراف التي كانت حاضرة في المحكمة، أو التي صدر في حقها أمر دولي بالاعتقال.

وصف الاختطاف

    قبل أن يصل المهدي بنبركة إلى باريس، صباح يوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1965، أخبر شريكيه في مشروع الفيلم المصيدة، وكان عنوانه المتفق عليه “باسطا”، عن طريق رجل الاتصال، الصحفي فيليب بيرنيي،أخبرهما بتاريخ وصوله، واتفق معه على أن يكون اللقاء في مقهى “ليب” بشارع سان جيرمان ديبري، غير بعيد، بل على بعد أمتار قليلة من أول مجمع من نوع “الدروكستور” أنشئ في باريس، واسمه “دروكستور سان جيرمان”، وصرح بيرنيي أمام المحكمة بأن المهدي بنبركة اتصل به تلفونيا يوم الجمعة السابق، أي أسبوعا قبل وصوله لباريس، وطلب منه استدعاء المخرج والممول للفيلم “فرانجو” و”فيكون”، وأكد الصحفي بيرنيي أن المهدي بنبركة عاد للاتصال به يوم 27 ليؤكد الموعد، ويكشف هذا الإلحاح عن النية المعقودة عند المهدي بنبركة في جمع المعنيين الثلاثة بالفيلم وإخبارهم بتراجعه عن المشاركة في المشروع.

وطبعا، وبعد أن أخبر بيرنيي رفاقه “فرانجو” و”فيكون” بالموعد المحدد، استطاع المهتمون بمشروع خطف المهدي بنبركة، أن يضغطوا على الزر لتنفيذ العملية المدبرة، وهكذا جاء إلى باريس يوم 27 قادما من المغرب، كل من الإرهابي “بوشسيش”، والعميل الغامض الهوية المعروف باسم “الشتوكي”، وانعقد الاجتماع العام يوم 27، وهو يوم الأربعاء، وحضره – حسب تصريحات “لوبيز”- كل من “الشتوكي”و”بوشسيش”(حيث إن الاجتماع انعقد في بيته) و”فيكون”، و”باليس”و”لوني”، وخلال ذلك الاجتماع تقرر برئاسة “لوبيز”، تكليف الشرطي، رئيس شعبة محاربة المخدرات في إدارة الأمن الفرنسي “سوشون”، بالإشراف على عملية الاختطاف.

وبعد وصوله لمطار “أورلي” صباح 29 أكتوبر، توجه المهدي بنبركة إلى بيت صديقه اليهودي المغربي جو أوحنا، في زقاق “ميرموز” حيث أودع حقيبته وبداخلها ملف مشروع الفيلم – مرة أخرى تأكيدا لنيته في التراجع إذ لو كان سيتذاكر بشأن الاستمرار في إنجاز الفيلم لأخذ معه الوثائق المتعلقة به- كما أكدت إحدى الفرنسيات المعروفات بصداقتها للحركة الوطنية المغربية، وهي سيدة عجوز اسمها هنريان دوشابوني، أنه اتصل بها وضرب لها موعدا في ظهيرة نفس اليوم. السيدة دوشابوني توفيت في باريس عن سن الثمانين في بداية سنة 1983.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى