الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | الصحافة الإسرائيلية وقضية بنبركة “الحلقة 43”

تنشر لأول مرة

قضية المهدي بنبركة بقيت سرّاً غامضاً رغم انقراض ما يقارب ستة عقود على اختفاء هذا السياسي الكبير، ولكن اختطاف بعض المسؤولين المباشرين، أسهم في إرسال بعض الأضواء على جوانب مظلمة، مما كشف عن نوعية أجواء(…) القضية التي بقيت ماثلة كالطود، من جيل الستينات إلى اليوم.

والسلسلة التي تنشرها لكم “الأسبوع” اليوم وبشكل حصري، مُستخرجة من أوراق تركها مؤسس جريدتنا مصطفى العلوي، في خزانته الغنية، وهو الذي عاش ما قبل الاختطاف، وعايش ظروفه، وتعايش مع الأحداث التي أحاطت به، وجمع على مدى 60 سنة، ما يكفي من البيانات والصور، والوثائق والمراجع، وهي الأوراق نفسها التي نقدمها لكم وللتاريخ، ضمن حلقات “الحقيقة الضائعة”.

بقلم: مصطفى العلوي

    أقدمت السلطات الإسرائيلية، في إطار المرات القليلة التي تخرق فيها القانون الإسرائيلي، على حجز عدد من صحيفة إسرائيلية تسمى “بول”، وترجمتها من العبرية إلى العربية “الهدف”، وكان العدد المحجوز قد صدر في 11 دجنبر 1966، وقد غطيت الصفحة الأولى منه بحروف بارزة، تتضمن العنوان التالي: “الإسرائيليون في قضية بنبركة”.

وذكرت الجريدة المحجوزة(…) (جريدة بول)، أن ((الشخصية التي أقنعت الزعيم السياسي المغربي المهدي بنبركة بفكرة السفر إلى باريس، تلك الرحلة التي كلفته حياته، هي شخصية رجل أعمال سويسري، من الأوساط المحترمة جدا، وهي الشخصية التي تكفلت بتمويل شريط سينمائي عن التحرر يكون المهدي بنبركة هو كاتب قصته.. هذه الشخصية هي شخصية يهودية)).

وأضافت الجريدة الإسرائيلية: ((إن الهدف السياسي من هذه العملية، هو إسقاط الحكومة الفرنسية في الوقت الذي كان فيه رجل الأعمال اليهودي يتصبب عرقا عند سماع النتيجة التي آل إليها مخططه حين سقط صديقه المهدي بنبركة في مصيدة سافلة وقاتلة)).

وكان طبيعيا أن تفطن أجهزة المخابرات الإسرائيلية للتفاصيل كلها، فاعتقلت المسؤولين عنها، ولكنها أقامت في إدارة تحرير الصحيفة جهازا جديدا حريصا على استمرار إصدار الجريدة باسم الصحفيين المعتقلين وكأن شيئا لم يكن لولا أن نسخا من الجريدة تسربت إلى الخارج، فسارعت أجهزة الإعلام الإسرائيلي إلى إخبار المراسلين الخارجيين بأنه يمنع عليهم إطلاقا تسريب أخبار ما ورد في عدد جريدة “بول” للخارج، إلا أن نسخة من العدد وصلت لصحفي إسرائيلي يسكن في روما، سارع ببعث النسخة إلى مجلة “التايم ماغازين” الأمريكية، وهناك كانت اليد الطولى للحكومة الإسرائيلية، التي منعت على أكبر مجلات الولايات المتحدة انتشارا، نشر الموضوع، فسارع الصحفي الإسرائيلي من روما بالاتصال بجريدة “نيويورك تايمس”، التي نشرت الموضوع على صفحتها الأولى في العدد الصادر يوم 19 فبراير 1967، وقد أثار نشر الموضوع من طرف أكبر الصحف العالمية انتشارا، موجة من السخط على الحكومة الإسرائيلية، والتضامن مع الصحفيين المعتقلين.

ولقد نشرت جريدة “لوموند” الفرنسية في العدد الصادر يوم 22 فبراير 1967: ((إن الصحفيين الإسرائيليين، كيلان ومور، قد تعرضا لحكم جائر نتيجة تأكيدهما أن المخابرات الإسرائيلية مورطة لدرجة كبرى في قضية اختطاف المهدي بنبركة))، ودخلت القصة في صراع سياسي إسرائيلي ومزايدات بين الأحزاب، فسارع صحفي من جريدة “هـآرتس” إلى فضح القضية على المستوى الإسرائيلي، ووصفها بأنها كارثة وفضيحة، بينما سارعت الصحف الإسرائيلية في العالم، إلى نشر الفضيحة وكشف خباياها، بل طالبت بعض الصحف باستقالة وزير الإعلام الإسرائيلي، ووزير العدل، إلا أن عنصرا جديدا لم يكن في حسبان الحكومة الإسرائيلية أثر على الموقف، وهو انتهاء المدة التي حكم بها سجنا في حق الصحفيين، وبعد خروجهما من السجن، غادرا إسرائيل وتوجها إلى بؤرة الفضيحة، باريس، حيث أصدر رئيس التحرير بالنيابة، كيلان، جريدة “إسرائيل.. فلسطين” باللغة الإنجليزية، ونشر خبايا القضية فاضحا أن مصدر الخبر هو مدير المخابرات الإسرائيلية السابق، إيسار هاريل، وخليفته الجنرال مائير أميت، وقال الصحفي: ((إن رجل الأعمال اليهودي، هو صهر وزير العدل الإسرائيلي شابيرا، الذي سبق للصحفيين أن طالبوا باستقالته، ويسمى صهر وزير العدل، وصاحب مشروع تمويل الفيلم “المصيدة”، أرتور كوهين، ويسكن في جنيف تحت غطاء مراسل صحفي، ولكنه ضابط للمخابرات الإسرائيلية، مهتم – إضافة إلى ذلك كله ـ بالنشاط السينمائي)).

لقد كانت هذه الفضيحة من الضخامة والتأثير.. لدرجة جعلت زوجة الزعيم المختطف، المهدي بنبركة، ترسل وثيقة إضافية إلى المحكمة الفرنسية، نشرتها جريدة “لوموند” في عدد 28 مارس 1967، تشير فيها إلى العنصر الجديد، وثبوت أدلة قاطعة على إمكانية مشاركة المخابرات الإسرائيلية في عملية اختطاف زوجها المهدي بنبركة، وطالبت باستنطاق الجنرال أمیت مائير رئيس المخابرات الإسرائيلية، وسماع شهادة الصحفي شامويل مور والصحفي ماكسيم كيلان.

وقد كان من المنتظر أن تكون هذه القضية منطلقا لبحث جديد، وكما ذكرت سابقا، أقبرت القضية وانطمست معالم اليد الإسرائيلية.

الجنرال أميت، وهو الذي تأكد أنه كان مصدر الخبر الذي أثار الضجة، ليس سوى مدير جهاز المخابرات “الموساد”، إذن، فهو عين الخبر ومنبع المصدر، وأكبر المسؤولين الإسرائيليين اطلاعا بحكم منصبه، ومتى كان هناك انفصام في العلاقات بين جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”، وبين ربيبيه في المهنة: منظمة المخابرات الأمريكية “سي. آي. إي” ومنظمة المخابرات الفرنسية “سديك”؟

كيلان، الصحفي الإسرائيلي الذي اعتقل – کما سبق ذكره ـ لأنه نشر خبرا أسر به إليه الجنرال أميت، لم يكن وحده كاشف هذا السر الخطير في قضية المهدي بنبركة.. ففي أعقاب التحول السياسي الكبير في البرلمان الإسرائيلي بعد حرب 1967، وفي إطار حملات حزب “الماباي” على العسكريين، أجمع كل النواب الإسرائيليين على القول بأن الجنرال أمیت هو الذي نفذ مخطط اختطاف المهدي بنبركة، وكان عذر الحزب الحاكم “رافي” أكبر من الزلة.. فقد أبعد نوابه التهمة عن الجنرال أميت وقالوا: ((إن رئيس الحكومة ليفي أشكول هو الذي أصدر أمرا بتنفيذ العملية، عملية اختطاف المهدي بنبركة))، فكلف وزير الإعلام الإسرائيلي، غاليلي، بمهمة الدفاع عن ليفي أشكول، مع البحث في عمق القضية، وبذلك بلغت الفضيحة أوجها، ولم تبق قضية المهدي بنبركة مصدر أزمة ديمقراطية نتيجة اعتقال الصحفيين اللذين نشرا أسرارها، بل إنها أصبحت قضية برلمانية، ولكن الانتصار فيها كان لجهاز “الموساد” وللجنرال أمیت الذي استطاع إقبار القضية.. هذه الخلفيات أيضا لم تنشر في الصحافة العربية كطرف من هجومها على إسرائيل وتحميلها كل المسؤوليات، بل هي معلومات مصنفة في إطار الحرب السياسية الدائرة في إسرائيل، والتي سطر خلفياتها مستشار سياسي سابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، في كتاب بعنوان: “بين مطرقة المعارك وسندان الانتخابات” أصدره بالإنجليزية يورام بيري في إطار سلسلة كتب استراتيجية تنشرها جامعة “كامبريدج” البريطانية.

لم يكن منتظرا من أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وهي التي تعتبر باريس قلعة منيعة لها ولقتلتها، إلا أن تعتبر المهدي بنبركة واحدا من أهدافها مقابل انطلاق مخطط المهدي بنبركة الذي كان حليفا سياسيا نشيطا للزعيم جمال عبد الناصر، ومؤهلا ليصبح رأس حربة قوامها القارات الثلاث، ضد الصهيونية والإمبريالية، وهي الفترة التي كانت إسرائيل تمهد فيها لحرب 1967، ونصبت أحد كبار ضباطها، الكولونيل أبيرت ليبرمان، كملحق عسكري في باريس، وهو الخبير المعروف بتنظيم الاغتيالات، ولم يكن يوما ما غريبا عن سلسلة الاغتيالات التي تعرض لها القادة الفلسطينيون في باريس.

يبقى الصراع بين العسكريين الإسرائيليين وجانب من الأحزاب السياسية، وفضيحة جريدة “بول” وتسريب خبر الأيدي الإسرائيلية في قضية بنبركة على أيدي مدير المخابرات مائير أميت، المتحالف سياسيا مع وزير العدل السابق شابيرا، الذي كلف صهره، رجل الأعمال الإسرائيلي في جنيف، أرتور كوهين، ممول الفيلم المعروض على المهدي بنبركة، يبقى بدون شك جانبا غامضا من أسرار المساهمة الإسرائيلية في اختطاف المهدي بنبركة، ومراعاة للعلاقات التي كانت تربط أوفقير وقتها بالمخابرات الفرنسية والأمريكية.. فهل كان يعقل أن تقوم إسرائيل بتنظيم العملية أو المساهمة فيها بدون موافقة أوفقير؟ لو عملت، لأثارت غضبته بدون شك، ولعرّضت عشرات الآلاف من اليهود المقيمين في المغرب لخطر مؤكد..

لكن الجواب عن هذه التساؤلات، جاء متأخرا جدا، وبالضبط في أكتوبر 1981، حين نشرت مجلة “الإكسبريس” الفرنسية في العدد الصادر في اليوم الأول من ذلك الشهر: ((إن مدير المخابرات في إسرائيل، دافيد كيمشي، كشف لها أنه أشرف شخصيا على تنظيم زيارة قام بها أوفقير لإسرائيل في سنة 1965، وهي طبعا، نفس السنة التي اختطف فيها المهدي بنبركة)).

رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، ليفي أشكول، الذي ألقيت عليه في البرلمان الإسرائيلي تبعة إصدار الأوامر لاختطاف المهدي بنبركة دون استشارة العسكريين، لم يتهرب من مسؤوليته، واعترف شخصيا لجريدة “لوموند” في العدد الصادر يوم 23 مارس 1967، بأن ((تقنيين إسرائيليين أسهموا في تنظيم عملية اختطاف المهدي بنبركة)).

زيارة أوفقير إذن، للحصول على “دعم” إسرائيلي لتنفيذ مشروعه، كانت مؤكدة لإسرائيل، وتأكيدها يغني عن كل استبعاد للمشاركة الإسرائيلية.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى