للنقاش

للنقاش | الأبناك الإسلامية في الميزان

البنوك التشاركية تجربة مغربية.. ما لها وما عليها

مع حلول شهر رمضان المعظم، أود أن أزود القارئ بمعلومات عن البنوك الإسلامية التشاركية التي انطلقت تجربتها ببلادنا سنة 2016، بعد مخاض استمر عدة سنوات، وذلك لمعرفة ما لها وما عليها.

بقلم:  د. عبد الرحيم بن سلامة *

 

ماذا يعني البنك الإسلامي التشاركي ؟

    البنك التشاركي هو مصرف مؤسس على هيئة شركة تجارية، يملكه مستثمرون ويقوم بكل العمليات المصرفية، من استقبال الودائع وتوفير دفاتير الشيكات والبطاقات المصرفية ومنح التمويلات لغرض الاستثمار والاستهلاك، وكل هذا بصيغة مطابقة للشريعة الإسلامية في المجال المالي والأخلاقي، ويسعى صاحب البنك في ذلك، إلى تحقيق الربح من عملياتهم ككل مؤسسة تجارية.

وقد تم الترخيص للبنوك التشاركية للعمل بالمغرب سنة 2016، وهي جزء من لائحة البنوك لدى البنك المركزي (بنك المغرب)، وبالتالي، فهي تخضع له وتعمل تحت إشرافه، كما أنها تخضع لآراء المجلس الأعلى.

وأما التسمية التي تم اختيارها، فهي تسمية وظيفية، لأنها تبين طبيعة تشارك البنك وصاحب الودائع في الربح والخسارة، وكذلك التشارك بينهما في بعض صيغ التمويل الممنوحة مثل المضاربة والمشاركة.

والبنوك التجارية، سواء كانت عمليتها مطابقة للشريعة أو لا، تقوم أساسا بالوساطة بين المودعين الذين لهم فائض من النقود، والمستثمرين أو المستهلكين الذين لهم احتياج للنقود، فالبنوك تستلم الودائع وتوظفها في التمويلات لفائدة الزبناء الذين يطلبون منها ذلك، وتقوم إلى جانب ذلك بخدمات مصرفية وخدمات مالية مكملة لهذه الوظيفة، مثل الإيداعات وتوفير دفاتر الشيكات وبطاقات الدفع والحوالات وخدمات مصرفية أخرى.

قد يتصور البعض أن فكرة البنوك الإسلامية لا تعدو أن تكون أمرا شكليا، وأن الاختلاف بينها وبين البنوك التقليدية يكمن في إضافة “إسلامي” إلى اسم البنك، وتغيير بعض المسميات كاستبدال اصطلاح “الفائدة” بـ”العائد”، ولا شيء أكثر من ذلك، غير أن هذا التصور هو تصور خاطئ، حيث أن نظام الفائدة في البنوك التقليدية ليس عنصرا قائما بذاته، وإنما هو مشتق من نظرية تصطدم اصطداما مباشرا بالتصور الذي تنطلق منه البنوك الإسلامية، فالأولى تعتبر النقود سلعة يمكن أن تكون محلا للعملية الاستثمارية وأن تباع كغيرها من السلع، وأن الفرد حر في كيفية صرفها، حصل عليها بمجهوده وحده، أما البنوك الإسلامية، فتقوم على تصور مؤداه أن “المال ملك لله وحده”، وأن “الفرد سيتخلف فيه”، لذلك لا يجوز لهذا الأخير أن يتصرف فيه إلا وفق المالك الحقيقي الذي هو الله، الذي وضع قيودا وشروطا للنيابة عنه في استخدام هذا المال الذي لا يعتبر سلعة، وإنما وسيلة للوصول إلى غاية معينة، إذ لا يمكن أن تنتج عنها أي مردودية إلا إذا اقترنت بالعمل.

فالبنك الإسلامي ليس مؤسسة تتسلم الأموال بفائدة لتوزيعها بفائدة أعلى كما تفعل البنوك التقليدية، وإنما هو عبارة عن بنك ذي طابع خاص، ونموذج معين يحصل على الأموال، فيتاجر ويتضارب بها بيعا وشراء يخضع في العمليات التي يقوم بها لقواعد الشريعة الإسلامية، ورقابة الجهات المختصة، وهذا يتنافى مع ممارسات بعض البنوك التقليدية التي تقدم لزبنائها نمطا من التمويل والاستثمار الإسلامي، كما هو الحال في مصر، حيث أنشأ “بنك مصر” فرعا للمعاملات الإسلامية، وأنشأ “البنك التجاري” في المملكة العربية السعودية فروعا للخدمات الإسلامية، وفي المغرب، أنشأ “وفا بنك” “دار الصفاء”، التي حاولت أن تضفي على خدماتها مفهوم التشارك، لكن مادامت هذه البنوك وغيرها يخلط عملها التقليدي بما يعرف بالعمل الإسلامي، فإنها لم تفلح في تحقيق الغرض المنشود من البنوك الإسلامية، لذلك، فإن جميع المحاولات المبذولة حتى الآن حول آفاق ورهانات الأبناك التشاركية، تكشف استمرار الضبابية والغموض، وقصورا في الرؤى في التواصل مع المغاربة، فهناك انتفاء التأخر في الأجرأة وتوقع المنافسة مع الأبناك التقليدية، فالقانون المنشئ للبنوك الإسلامية أخذ وقتا كبيرا في الإعداد والنقاش، كما أنه طرح إشكالات تطلبت وتتطلب ندوات وحلقات للمناقشات، لا سيما وأن هذه الأبناك التشاركية تنتظرها رهانات كثيرة، من بينها أن قانون الأبناك التشاركية لا يعرض الهدف من هذه المؤسسات، وبالتالي، يبقى المجال مفتوحا أمام عدة تساؤلات: هل هي لضمان التمويلات، أم لأسلمة المعاملات، أم لترفيع فئة للزيادة في السيولة والاستثمار وتوفير تمويلات مصغرة؟

فالمغرب يحتاج إلى نموذج يوافق المجتمع ويلبي متطلبات الواقع، لأن البنوك التشاركية كبنيات مالية، غير مؤهلة للمخاطر، والتي تباشرها عادة البنوك الاستثمارية، كما هو الشأن في دولة ماليزيا، التي تدخلت فيها الدولة لضمان الدعم والتخفيف من حدة المخاطر عبر توازن السيولة والدعم الضريبي والمالي، فكانت النتيجة تقديمها 30 % على النموذج المالي التقليدي، مما أعطاها صفة طاقة جديدة للتمويل.

وبناء على ما سبق، فإن الإشكال الذي يثيره البحث في هذا الموضوع، هو مدى قدرة البنوك الإسلامية وآلياتها على مواكبة العصر، وتلبية متطلبات التنمية في المجتمعات العربية، مع الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والقواعد القانونية للبلد الذي تؤسس فيه، خاصة وأنها بنوك تأخذ شكل شركة مساهمة على غرار الشكل الذي تأخذه البنوك التقليدية، غير أن الاختلاف بينهما، هو أن البنوك التقليدية أو الربوية التي تتعاطى للفائدة، تخضع لرقابة البنك المركزي في معاملاتها فقط، بينما البنوك التشاركية تخضع بالدرجة الأولى للرقابة الشرعية التي تتولاها هيئة شرعية (هي بالنسبة للمغرب المجلس العلمي الأعلى، وفي بعض الدول العربية والإسلامية، هيئة الفتوى) والتي تحدد مهمتها في إيجاد البدائل الشرعية ووضع الحلول العملية لمشاكل البنوك الإسلامية أولا، وثانيا، هيئة المتابعة الشرعية التي تسهر على التأكد من التزام إدارة البنك بالحدود المرسومة لها من طرف هيئة الفتوى، وهيئة المتابعة تكون تابعة لهيئة الفتوى.

فأجهزة الرقابة الشرعية من الضروريات التي يستقيم بها عمل البنوك الإسلامية، الذي ينبغي أن يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فهي تقدم الحلول الشرعية لكل ما يستجد من معاملات، كبطاقة الائتمان، والودائع والحسابات بمختلف أنواعها، والتجارة الإلكترونية التي ليست لها أحكام صريحة في الفقه الإسلامي، إضافة إلى عدم تمكن العاملين في القطاع البنكي الإسلامي من القواعد الفقهية، التي يتعين استحضارها أثناء قيامهم بمهامهم، فالحاجة إلى الرقابة الشرعية ضرورية في البنوك التشاركية، خصوصا وأن البنوك الإسلامية تنص في أنظمتها الأساسية، على أنها تعمل وفق الشريعة الإسلامية، والحال أن بعض هذه البنوك في مصر وباكستان مثلا، اكتشفت هيئة رقابتها أنها تتعامل بالفائدة المحرمة كيفما كانت هذه الفائدة، سواء للقروض الاستهلاكية أو الاستثمارية، فلا فرق في ذلك بينهما وبين الأبناك التقليدية أو الربوية، التي ينبني عملها على الفوائد المحرمة شرعا، لأنها من باب الربا التي تحرمها جميع الأديان السماوية.

لكن ما هي الربا المحرمة شرعا والتي أجمع الفقهاء المسلمون على تحريمها؟ إنهم قسموا الربا إلى قسمين: ربا النسيئة وربا الفضل، فربا النسيئة هي الزيادة المشروطة التي يأخذها المدين نظير تأجيل أداء الدين، وهذا النوع من الربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع، أما ربا الفضل، فصورته بيع الشيء بمثله مع الزيادة بدون مقابل، لا سيما في تبادل الأموال التي تسمى ربوية بمثلها.

 

هل وظيفة البنوك التشاركية شبيهة بالبنوك التقليدية ؟

    البنوك التجارية، سواء كانت عمليتها مطابقة للشريعة أو لا، تقوم أساسا بالوساطة بين المودعين الذين لهم فائض من النقود والمستثمرين أو المستهلكين الذين لهم احتياج للنقود، فالبنوك تستلم الودائع وتوظفها في التمويلات لفائدة زبنائها الذين يطلبون منها ذلك، وتقوم إلى جانب ذلك بخدمات مصرفية، وخدمات مالية مكملة لهذه الوظيفة، مثل الإيداعات وتوفير دفاتر الشيكات وبطاقة الدفع والحوالات وخدمات مصرفية أخرى.

إن المنفعة من البنوك سواء كانت تقليدية أو تشاركية مزدوجة:

1) تسهيل الخدمات المصرفية على المواطنين، حتى لا يبقى تداول النقود الورقية عبئا عليهم، ولا تبقى أموالهم عرضة للضياع والتلف.

2) تدوير الحركة الاقتصادية حتى لا تبقى الأموال راكدة ومكتنزة في البيوت والمتاجر، ولا تبقى في دائرة الأغنياء من المواطنين فقط، وذلك عن طريق تمكين الأفراد المحتاجين للمال، من طلبه من البنك واستخدامه في ما هم في حاجة إليه.

 

هل البنك التشاركي شركة لتمويل السكن وغيره ؟

    لا شك أن البنك التشاركي يقصده المواطن إذا ما احتاج لتمويل عملية استثمارية، لتمويل السكن أو شراء سيارة أو تجهيزات أخرى، حيث تخضع هذه العمليات للمرابحة لا للفائدة المعمول بها في البنوك التقليدية.

وتوجد في المغرب خمس بنوك تشاركية هي: “الأخضر بنك”، “أمنية بنك”، “بنك التمويل والإنماء”، “بنك الصفا”، و”بنك اليسر”.

كما أن هناك ثلاثة نوافذ تشاركية ضمن البنوك التقليدية وهي: “دار الأمان” (تابعة للشركة العامة للأبناك)، “الرضى” (تابعة لمصرف المغرب)، و”نجمة” (تابعة للبنك المغربي للتجارة والصناعة).

وكل هذه المؤسسات تخضع لرقابة بنك المغرب، وللآليات المطبقة للشريعة الإسلامية.

فلكل مواطن مغربي الحق في التوجه إلى البنك الذي يرتاح إليه حسب قناعته المالية والدينية من أجل أخذ قرض لشراء سكن أو سيارة أو دراجة نارية أو تجهيز مقاولة صناعية أو تجارية، حيث تخضع عملية القرض لهامش الربح والخسارة بالنسبة للبنوك التشاركية، وللفائدة بالنسبة للبنوك التقليدية.

فالأموال التي تودع في البنوك عامة تستفيد منها الدورة الاقتصادية، وينتعش بها الاقتصاد الوطني.

* أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى