الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | عندما أمر الحسن الثاني بمنع الأخبار ودفن الأسرار

الصخيرات المجزرة السياسية "الحلقة 33"

حتى لا ننسى.. الصخيرات المجزرة السياسية
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)) صدق الله العظيم.
يقول القيدوم الراحل أستاذنا مصطفى العلوي: ((وما كان لأحداث على مستوى خطورة هجوم الصخيرات أن تدرج في مسالك النسيان، دون أن نستخلص الدرس منها، وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله، حريصا على إقبار أخبارها وأسرارها، تفاديا لاستمرار البحث عن دوافعها وأسبابها والمسؤولين عنها، بقدر ما يحرص كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” على استخلاص الدرس مما خطته دماء الضحايا، ودموع الثكالى على جبين التاريخ المغربي المعاصر.
فيما يلي، تقدم “الأسبوع” أقوى ما كتبه الراحل مصطفى العلوي عن محاولة انقلاب الصخيرات، عبر حلقات ضمن ركن “الحقيقة الضائعة”.
بقلم: مصطفى العلوي

    بنفس الدقة التي أطلق بها مهاجمو القصر وابل رشاشاتهم، باشر الإعلام الرسمي، بتوجيه شخصي من الملك الحسن الثاني، إقبار الأخبار والحقائق والظروف حول المجموعة التي قدمتها أجهزة الإعلام في المغرب غداة عاشر يوليوز 1971 الدامي، على أنها المسؤولة عن مذبحة الصخيرات، وأعلنت رسميا عن إعدامها رميا بالرصاص، ولكن أي واحد لم يكن مقتنعا بوجهة نظر الحكومة، ولا بصواب رأيها، خاصة في هذا الإعدام السريع الذي تم بدون محاكمة سابقة.

لذا سارعت وزارة الأنباء لتصدر بلاغا تقول فيه أن ((حكم الإعدام صدر في حق الضباط العشرة ليلة الانقلاب نفسه، وأن محكمة خاصة انعقدت في الصخيرات وأصدرت في حقهم حكمها بالإعدام))، ولكن الأيام التي أعقبت العاصفة أعطت أدلة أخرى على أن المسؤولين عن الانقلاب لم يكونوا عشرة، وربما أن عددا من بين الذين تم إعدامهم كانوا أبرياء أو ذوي علاقة بسيطة بالانقلاب، وليس أدل على ذلك من كون المحكمة العسكرية الخاصة التي تشكلت عقب حوادث الصخيرات، كانت منكبة على بحث ملف ألف وثلاثمائة متهم، بينهم تسعمائة من طلاب مدرسة أهرمومو الذين فاجؤوا الصخيرات، وأربعمائة ضابط مختلفي الدرجات، تم اعتقالهم عقب الحوادث أو أثناءها.

وبديهي أن تحديد مسؤولية التفكير في الانقلاب، أو إعداد الانقلاب أو المشاركة فيه، أو غض الطرف عن عملية ترتيب الانقلاب، أو تسهيل مهمة القائمين بالانقلاب، هي عملية صعبة جدا، خصوصا بالنسبة للباحث عن الحقيقة بشمعة ضئيلة اللهب في يده اليمنى والسلاسل والأغلال في يده اليسرى، خصوصا في بلد كالمغرب، متكون أصلا وحتى قبل دخول الإسلام، من قبائل متباعدة التكوين مختلفة اللغات، وأشراف واكبوا الفتح الإسلامي، حضروا مع الفاتح المولى إدريس من سلالة الرسول محمد عليه السلام، وامتزجوا وأصبحوا أمة واحدة، إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي سنة 1912، ليجد بقاءه مرتبطا بخلق صراعات داخلية في إطار فرق تسد، وجند أولاد القبائل الأمازيغية في الجيوش الفرنسية، وأدخلهم الثكنات العسكرية، ليظهر نبوغ عدد منهم في الحروب التي خاضتها فرنسا في الحرب الأولى والثانية، وفي حرب الفيتنام، وعاد أولاد الأمازيغ يحملون رتبا ونياشين عسكرية، فرنسية وإسبانية، وعند التعمق، يتبين أن هذه العوامل هي الكامنة وراء هجوم الصخيرات، حيث كان المهاجمون والمدبرون كلهم أمازيغيو الجذور هاجموا ملكا معروفا بأنه من سلالة الرسول.

قد يكون من المستحيل على أي كاتب أن يسجل الأحداث كما جرت في ذلك المساء الحزين من عاشر يوليوز 1971، وأن يلم بالوقائع التي كانت تتسع رقعتها وكأن الدماء التي سالت في مصيف الصخيرات تحولت إلى سيل من الزيت تزداد دائرتها اتساعا كل لحظة..

لقد كانت الأعصاب تشل كلما ألقت العيون نظرات على مسرح الأحداث نفسه، خصوصا بعد أن أخذ من تبقى من الجنود والحراس يجرون جثث الأموات إلى الباب الخارجي للمصيف، ويغطونها بالأردية البيضاء انتظارا للشاحنات التي تنقلها إلى مستشفى ابن سينا بالرباط.

كان العدد كثيرا والرزء كبيرا، وكان أي واحد عاجزا عن إطالة النظر إلى أي جانب من جوانب المجزرة، خصوصا بعد أن أخذ الظلام يحفها، ورعشة الموت تهيمن عليها.

وفي شوارع الرباط، كان على جنود قوات التدخل السريع أن يواجهوا عدة مئات من جنود التمرد الهاربين، والملتجئين في العمارات، والمحتلين للإذاعة ولوزارة الداخلية، والمهددين بشيء لا يعرفه أحد.

وكان كل الناس قد اشتكوا هذا العام من تقلب الظروف الطبيعية، ومن استمرار نزول المطر حتى شهر جوان، ومن هذا الغمام الذي يكسو السماء حتى في شهر يوليوز.

وفي ذلك الصباح من يوم الثلاثاء ثالث عشر يوليوز، لم تكن الطبيعة بأكثر انشراحا من الأيام الأخرى، ولكن الناس لم يلتفتوا إليها مادام الأمر أصبح عاديا، ومادامت العقول متجهة أكثر فأكثر في هذا اليوم الرابع الذي يعقب مذبحة الصخيرات إلى ماذا يجري وماذا جرى، وماذا سيجري؟

وباع التجار في ذلك المساء الذي لم يكن أحد يعرف فيه ماذا يجري، أكبر عدد من أجهزة الراديو، ونفذت من الأسواق كل البطاريات التي كانت في المتاجر، وخلت الشوارع وعم الوجوم، وساد الخوف، وهيمن الرعب، وأسلم الناس أنفسهم للصمت.. وللانتظار.

إن إذاعة طنجة حتى الساعة الثامنة تؤكد أن الملك سلم سلطاته المدنية والعسكرية للجنرال أوفقير، وإذاعة الرباط لازالت تؤكد أن جيش الثورة مسيطر على الوضع، وعند منتصف الساعة الثامنة، تسربت إلى الإذاعة حيث كان الكولونيل بوبري مسيطرا باسم مجلس الثورة على الوضع، تسربت فرقة خاصة من الكوماندو التابع لقوات التدخل السريع، إلى داخل الاستوديوهات والمكاتب بلباس الجنود الثوار، وبشارة صغيرة خاصة لا يعرفها إلا أفراد ذلك الكوماندو، واختلطوا بالجنود المتمردين وأخذوا يعطون الأوامر مثلهم، ويضربون الناس مثلهم.. إلى أن ظهرت لهم الفرصة السانحة، فانقضوا بدهاء فائق على من كان من الجنود الثوار في داخل الإذاعة، وبدأت عمليات الاستسلام، وكان رصاص القوات النظامية أسرع من تنقلات الجنود الثوار، وعندما كان صوت رئيس تحرير الأخبار بالإذاعة، محمد بن ددوش، يذيع البيان الثوري بعد أن استطاع الثوار إرغامه على إذاعته، وحوالي الساعة التاسعة، انقطع صوت بن ددوش في نصف البيان.. وساد صمت في أجهزة الراديو، وتساءل الناس، ثم عادت الإذاعة للعمل، وأذيع النشيد الوطني، ثم أذيع أول بيان حكومي يقول بأن جلالة الملك لازال يسير دفة الأمور، وأنه سيذيع خطابا لن يلقيه هو.. وإنما سيذاع باسمه، وزاد الغموض وزاد الارتياب، وأذاعت محطات فرنسا أن الملك سيذيع بنفسه الخطاب، وأذاعت أنه تكلم مع تلك الإذاعات بنفسه بالتلفون، وتأكد الجميع أن الملك حي، ولم يتأكد الجميع من أي شيء آخر.. وكانت عناصر الثوار الذين احتلوا الإذاعة قد حاولوا تشغيل التلفزيون حوالي الساعة السادسة بإذاعة بعض القطع الموسيقية العسكرية وبعض صور المدافع، ولكن التلفزيون لم يشتغل إلا بضع دقائق تعطل بعدها مرة واحدة، ولم يشتغل أبدا في تلك الليلة من عاشر يوليوز.

وعندما انطلق النشيد الوطني بعد منتصف الليل، وأعلن عن الخطاب الذي سيلقيه الملك بنفسه، زاد تلهف الناس وفضولهم، إلى أن سمع الناس الملك الحسن الثاني بنفسه يذيع بيانه الأول.. كان حزينا متأثرا، وكان يروي الأحداث كما رآها.. وكما يتذكرها.. ووصف المعجزة حينما كان رافعا يديه وناداه أحد الجنود الثوار، وظن أنه سيعدمه، ولكنه أخبره أن قائدهم عبابو غرر بهم، وقال لهم أن الملك في خطر وأن عليهم أن يدخلوا لحمايته.. وأعلن الملك أن الجنرال المذبوح هو قائد الانقلاب، وكانت تلك مفاجأة الانقلاب الأولى، وقال أن عشرة ضباط هم مشاركو المذبوح في الانقلاب.

ونام الناس على صوت الملك.. وما كان أحد في تلك الليلة بقادر على أن يسلم جفونه للسبات العميق، خصوصا في وسط العاصمة الرباط، حيث كان الرصاص يلعلع إلى منتصف الليل.

لقد شوهد الناس في الأحياء الراقية يفرغون بيوتهم، وشوهدت عائلات الوزراء تتخاطف مفاتيح البيوت في “أوتيل هيلتون” و”أوتيل حسان”، وكانت أغلب البيوت محجوزة للمدعوين الأجانب الذين جاؤوا للمشاركة في عيد ميلاد الملك، ونام الناس الهاربون من بيوتهم في صالونات الأوتيلات خوفا من أي شيء جديد قد تسفر عنه تلك الليلة الليلاء.

لقد سرت الشائعات كتيار كهربائي في أوساط المواطنين، وكان الجميع موقنا أن كل شيء لم ينته، وأن هناك تفاصيل كثيرة أخفتها عنهم الإذاعة، وها هي إذاعة ليبيا لازالت تذيع بيان الثورة ونجاح الثورة.. إن كل شيء لم ينته بعد، وغدا سيفاجأ الناس بشيء جديد وخيم الصمت على شوارع الرباط.

إذا كان يوم السبت عاشر يوليوز يوما للثوار، فإن نهار الأحد الذي أعقبه، لم يكن لهم وإنما عليهم، لقد امتلأت الشوارع في ذلك الصباح بالمتطلعين الباحثين، خرجوا ليروا ماذا جرى.. وماذا سيجري.. وكانت الدبابات تحتل شوارع العاصمة وتواجه عماراتها.

وكانت منطقة الإذاعة عبارة عن منطقة حرب.. تمتد من ساحة محطة القطار بشارع محمد الخامس إلى وزارة الداخلية مارة بشوارع “لامارن” و”أوربان بلان”، وكانت مهمة الجنود النظاميين هي اصطياد فلول الجنود الثوار، الذين قضوا ليلتهم في بيوت الناس ومع العائلات المرتعشة التي أطعمتهم وآوتهم تحت تهديد السلاح.

وكانت تلك العائلات تراهم في الصباح يتنكرون ويغيرون لباسهم ويبحثون عن شعور اصطناعية لوضعها فوق رؤوسهم، وكانت بجانب الإذاعة دار مليئة بالسيدات صادفتهن ظروف السبت في حفلة زفاف، مرتديات لأجمل ثيابهن وأغلى حليهن، وقد هاجمتهم حشود الجنود الثوار وأغلبهم شباب متعطشون، وكان على الجيش النظامي أن يدخل مع أولئك المعتصمين بتلك الدار في معركة ضارية.

لقد كانت تصرفات بعض الجنود الثوار الأخلاقية أبعد ما تكون عن اللياقة وروح الإصلاح، فقد هتكت أعراضا ونهبت بيوتا، وسرقت أمتعة، خصوصا في اللحظات التي كان فيها الثوار يستعدون للهروب، ولكن أي هروب؟ لقد كان الرصاص يجند لهم أمام الأطفال الذين كانوا مصطفين على جوانب الطريق يتفرجون.

كان الأطفال يشاهدون المعارك العسكرية وعمليات الاصطياد والقتل وكأنهم يعيشون في قاعة سينما، كانوا لا يخافون، ولا يهربون، وهكذا مات بعض الأطفال الذين دفعهم فضولهم إلى المزيد من الاقتراب، ومات بساحة جامع السنة أحد المارة ممن كان لا يأبه لما يجري، وكان الرصاص يدوي كالمطر حتى الساعة الثانية عشر من زوال يوم الأحد فوق السطوح وفي منعرجات الأزقة وفي أبواب المتاجر.

لقد انتهى كل شيء بالنسبة للجنود الثوار، واعتقل أغلب قادتهم ومات رؤساؤهم.. ولم يتحرك أي أحد لتأييدهم ولا لإنقاذهم.

وأصبحت الأحداث بالنسبة للناس، عبارة عن فرحة لا أقل ولا أكثر لحركة صيد بشري يمارسها جنود التدخل السريع ضد الجنود الثوار.

 

يتبع

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى