الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اليهود يتأسون على انتهاء نفوذهم في عهد الملك محمد السادس

بقلم: مصطفى العلوي 

كان سكان حي فاس الجديد، بفاس، القدامى، يتذكرون ذلك العجوز الطويل الأسمر النحيل، الذي كان يقضي يومه جالسا في باب دكان اليهودي المسمى الياهو إسرائيل، والذي كان له في نهاية شارع بو الخصيصات، الواقع في مدخل ملاح اليهود بالمنطقة، متجر لبيع الذهب والجواهر.. وكان بقرب هذا المتجر بيت تسكنه يهودية خياطة تسمى مسعودة، حسبت هي أيضا أن هذا الرجل العجوز، إنما هو حارس لمتجر التاجر الياهو، ومرة نادته باسم العساس، وكلفته بسخرة إلا أنه غضب، وقال لها: أنا لست العساس، ومضت سنوات قليلة، ارتبطت فيها اليهودية مسعودة، بأم الملك محمد الخامس، أم سيدي الياقوت، وكانت مسعودة بارعة في الخياطة، فدخلت القصر بهذه الصفة، وأصبحت مرافقة لأم سيدنا.

ومضت سنوات أقل قام فيها الفرنسيون بنفي الملك محمد الخامس، وبقيت أمه للا الياقوت في القصر الملكي بفاس.

ومضت أيام قليلة، وجاء السلطان الجديد بن عرفة، يتجول في القصر الملكي بفاس، حيث كانت توجد أم الملك المنفي محمد الخامس، التي استعدت للقيام بالواجب، عند وصول السلطان الجديد، الذي احتل منصب ولدها، فكلفت مرافقتها اليهودية مسعودة بتقديم التمر والحليب للسلطان الجديد الزائر ودخل بن عرفة محاطا بمرافقيه ليفاجأ بهذه اليهودية تقدم له التمر والحليب، فنظر إليها متفحصا، ثم انقلبت ملامحه، ليقول لها غاضبا: أنت هي اليهودية الخايبة، لتنظر إليه اليهودية مفجوعة خائفة.. بعدما عرفت أنه ذلك العجوز الذي وصفته بالعساس، عندما كانت تراه جالسا في باب متجر اليهودي الياهو، لتقول له سأخرج نعاما سيدي، فعالجها السلطان بن عرفة بقوله: لا تخرجي من القصر.. وعليك أن تبقي في خدمة أم سيدي الياقوت إلى أن تموت، وأمر حالا بنقل أم محمد الخامس إلى قصر مكناس.

ويذكر أعضاء البعثة التي توجهت إلى انتسيرابي سنة 1954، وعلى رأسها باشا مكناس المختار الذي عينه الفرنسيون بدل الباشا الجنان، توجهوا إلى انتسيرابي لتهنئة الملك محمد الخامس بميلاد الأميرة للا أمينة، وعندما استقبلهم الملك المنفي، كان أول سؤال له بعد الاستفسار عن حالة أمه، هو السؤال عن رفيقتها اليهودية مسعودة، وهل بقيت مرافقة لأمه.

وهكذا دخلت مسعودة، في اهتمامات الكتاب اليهود، خصوصا وأنه يوم موت أم سيدي الياقوت، كانت اليهودية مسعودة هي المشرفة على شؤونها، في ظروف جد حزينة، ماتت فيها أم ملك المغرب، في غياب ولدها المنفي.

وليست ظاهرة حالة اليهودية مسعودة، جديدة على المغرب الذي عرف تواجد اليهود في كل المراحل التاريخية، حتى قبل نشأة الدولة العلوية، أيام السعديين والموحدين والمرابطين، مرورا بعهد الهزيمة العربية في الأندلس، حين التحق بالمغرب عشرات الآلاف من اليهود الأندلسيين، بعشرات الآلاف من اليهود البربر (…) الذين كانوا يسكنون المغرب كمكون أساسي من تركيبته.

وقبل أن يصدر اسم أندري أزولاي في كشوف الدولة المغربية في عهد الملك محمد السادس، رغم دخول منصبه كمستشار ملكي في متاهات عصفت بمسكنه على شاطئ السابل دور، في البيت العالي الذي أسكنه فيه الملك الحسن الثاني، الذي اختار هذا اليهودي النابغة، بعد تحوله من صحفي معارض، يرأس تحرير جريدة مروك أنفورماسيون إلى مستشار اقتصادي، كانت له الكلمة المسموعة في القرارات الاقتصادية للمغرب، دخل التاريخ قبله يهودي آخر في عهد السلطان محمد الثالث (1757-1792) اسمه جاكوب الطايل، وكان كاتبا خاصا للسلطان، قبل أن تصبح له الكلمة المسموعة، هو أيضا في مجال الاقتصاد، وكان معروفا عن السلطان محمد بن عبد الله، حبه للترف، حتى يحكى أنه عندما بني قصره في الرباط ((شيد وسطه مسجدا، وضع على قبته كرتين مستديرتين ضخمتين من الذهب الخالص، وفطن المستشار اليهودي جاكوب، الذي اكتشف حب سلطانه للمال، فابتدع طريقة جديدة لتعمير بيت مال السلطان، عبر تجريد الأثرياء المغاربة من ثرواتهم، وفي عهده اكتشف السلطان محمد الثالث أن وزيره الأول، وكان يسمى أفندي كان يمارس التجارة، ويصدر القمح المغربي للإسبان الذين كانوا في حرب مع محمد بن عبد الله وربما اعتبرها السلطان خيانة من طرف وزيره الأول، إلا أنه توفي قبل معاقبة وزيره الأفندي وبعد أن خلفه ولده السلطان اليزيد نفذ رغبة أبيه، وأمر بقطع يدي الوزير الأول، علقت اليد المقطوعة الأولى على جدار في فاس، وعلقت اليد المقطوعة الثانية على بوابة في طنجة، كرسالة للإسبان)) (كتاب رحلة في الإمبراطورية. وليام لامبريير).

وفي عهد السلطانين مولاي عبد العزيز ومولاي عبد الحفيظ، زاد نفوذ اليهود في الأوساط السلطانية، لدرجة أجمع كتاب العصر، أن نفوذ اليهود أصحاب السلاطين، كان يجعل المواطنين اليهود، وحدهم يحصلون من المحاكم على الأحكام العادلة. وللتذكير فإن السلطان عبد العزيز، كان يتكلم اللغة العبرية بطلاقة ((يحكي الفقيه يوسف النبهاني في رسالة وجدت عند السلطان مولاي حفيظ، أنه التقى السلطان مولاي عبد العزيز في مدينة حيفا بفلسطين سنة 1914 وأعطاه مائة ليرة، وساعة ذهبية)) (عهد السلطان مولاي يوسف. زين العابدين العلوي).

تفسير واحد تؤكده المراجع التاريخية، لدور بشع كان يقوم به اليهود في ذلك الزمان، خصوصا عند ثورة بوحمارة، الذي كان السلطانان عبد العزيز وعبد الحفيظ يعتقلان ثواره، ويحكمون بقطع رؤوسهم، وكان المكلفون المسلمون بالإعدام، يهربون من هذه المهمة (…) اللا أخلاقية، ويلتجئون إلى المساجد، حتى لا ينفذوا الأوامر، فكان الجزارون اليهود يقومون بهذه المهمة، فيأتي الجزارون اليهود لذبح الثوار وقطع رؤوسهم وتعليقها حسب الأصول ثلاثة أشهر معرضة للشمس حتى تيبس ((ومرة، أشرف باشا المدينة وهو ممتط ظهر بغلته، على مجموعة من اليهود وهم يذبحون أربعين ثائرا في باب محروق بفاس وربما كان الباشا في تلك الأثناء يفكر في المتجر الذي نعرف أنه كان يملكه في مدينة أورليانفيل بفرنسا)) (مهمة دبلوماسية. شارل رو).

المستشار الإنجليزي النبيل (…) ادموند هاي الذي كان يشرف على قرارات السلطان عبد العزيز وبقي اسمه مرتبطا بالتواجد الإنجليزي في المغرب، ولازالت لوحة كبيرة له معلقة في فندق المنزه بطنجة، وتروي مراحل حياته، أنه جاء لتطوير المغرب، وتأهيله على الطريقة الإنجليزية (…) حكى لأحد الكتاب، كيف أنه كان ذات يوم مارا في طنجة بباب متجر أحد الجزارين اليهود: ((جاء رئيس الحرس السلطاني وأحضر رجلين محكوم عليهما بالإعدام، فتوقف المستشار البريطاني، هاي للفرجة (…) ودخل رئيس الحرس ليأمر الجزار اليهودي بذبح الرجلين، فقال الجزار اليهودي للمبعوث، كم ستدفع لي.. فقال له كما هي العادة عشرين فرنكا للرأس، وفعلا أمسك الجزار اليهودي بالمحكوم الأول، وأسقطه على الأرض، وأخذ يذبحه قبل أن يقول، هذا السكين حافي اعطوني سكينا آخر، ثم أسقط الرجل الثاني على الأرض، وقبل أن يذبحه التفت إليه الرجل المسكين وقال له أرجو أن تكون السكين ماضية لأني لا أريد أن أتعذب مثل الذي سبقني وكان المستشار الإنجليزي يكتفي بإدارة رأسه حتى لا يرى منظر الذبح)) (كتاب المغرب. دو أمسيس).

طبعا لم تكن مهمة ذبح المغاربة، هي النشاط الوحيد لليهود في المغرب، بل كانت مهمتهم تجارية وثقافية وسياسية، وكانوا مفضلين عند السلاطين لدهائهم في التجارة، حتى كان القول المعروف، ((تاجر السلطان))، ليتوسع نفوذهم، ويصبح لكل تاجر مغربي صديقه أو شريكه اليهودي، لنذكر في فترة من عهد الاستقلال، أنه كان لليهود، دور كبير في وزارات التجارة والاقتصاد، وأسماء لامعة في كبريات مؤسسة الدولة.

((كان الملك الحسن الثاني يتعاطف مع اليهودي روجي بوطبول، الذي بعد أن أسس في باريس، شركة للأثواب بمساهمة المهندس بكار صديق الملك (…) جاء مرة للمغرب فأخبر رجل اتصالات الملك القايد رحال بتاريخ وصوله إلا أن روجي اعتقل في ميناء طنجة لمتابعة من أجل مخالفة مسجلة عليه، وفي المساء سأل عنه الحسن الثاني، وما أن علم باعتقاله، حتى أمر بإطلاق سراحه، وفي سنة 1986، أفلست مشاريع روجي في فرنسا، فكتبت زوجته “ليديا” رسالة تستنجد بالملك الذي كلف كاتبه الخاص بإعطاء شيك من حسابه الخاص، لتغطية ديون روجي)) (خياط السلاطين. ساسون).

ربما كان اهتمام الملك الحسن الثاني باليهود، وخاصة تعيينه لواحد منهم أزولاي كمستشار هو الذي جعل نفوذهم ينمو حتى في إسرائيل، التي اختارت واحدا منهم، وهو الذي غادر المغرب شابا في الستينات، حيث كان يسكن في ملاح الرباط “دافيد ليفي”، ليصبح وزيرا لخارجية الحكومة الإسرائيلية، إلا أن الجانب اليهودي يعترف بانطفاء شعلة النفوذ اليهودي، في المغرب أيام الملك محمد السادس:

((حقا إنه في سنة 1999، مع موت الملك الحسن الثاني كانت نهاية فترة من العلاقات المتينة بين القصر في عهد ستة من ملوك الدولة العلوية، وعائلات ساسون وبوطبول، وهو انقطاع شمل مجموعة من العائلات اليهودية التي كانت مرتبطة بالقصر)) (نفس المصدر).

فكانت النتيجة بالنسبة لإسرائيل، أنها عينت حارسا سابقا في بوابة أحد النوادي الليلية، هذا التيس البشع الذي يسمى ليبرمان، الذي أصبح وزيرا لخارجية إسرائيل في حكومة نتنياهو السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى