تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | الحرب السرية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب وتفاصيل الورقة الفرنسية في لقاء بوريطة وموغريني

نهاية الشراكة العميقة والشاملة وإفلاس الوضع المتقدم

إعداد: عبد الحميد العوني

   استجوبت الوكالة الفرنسية للأخبار “فرانس بريس” زعيم جبهة البوليساريو، ووزير دفاعها، فكشفا ولأول مرة، عدتها وعديدها (25 ألف مقاتل)، لتجاوز عائق “الجدار” في الصحراء الذي زاد عمق خنادقه مرتين في بعض النقط، بقرار من الجنرال الوراق، المفتش الجديد للجيش المغربي.

   ولم تبادر باريس إلى الاعتراض على فصل مشروع الطاقة الأوروبي لتبادل الكهرباء عن الصحراء، في تطور دفع الرباط إلى مواصلة اتفاقها الفلاحي مع الاتحاد الأوروبي، عبر مراجعته تقنيا على ضوء الحكم النهائي لمحكمة العدل الأوروبية بدعوى “تحصينه” من الإلغاء.

   وضغط الفرنسيون بطريقة غير معهودة على المغرب، جراء الوضع القانوني لفصل الصحراء عن المغرب، في قرار نهائي لأعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي، الذي قرر من جهته نهج مقاربة جديدة تجاه إفريقيا، بعيدة عن مصالح الشريك المغربي، في مسار فصل فيه المغرب، أيضا، مصالحه عن الاتحاد الأوروبي في القارة السمراء.

فور تغليب المغرب لهويته الإفريقية عن “المتوسطية”، وتكلس الوضع المتقدم للمملكة والشراكة الشاملة والعميقة مع الأوروبيين، حاصر الاتحاد الأوروبي استثمارات المغرب في القارة السمراء

   أزاحت باريس  المغرب إلى المرتبة السادسة، بعد أن تقدمها في 2015 بـ 22 في المائة، في لائحة المستثمرين الأجانب بدولة ساحل العاج، واجهة إفريقيا الفرنسية، وجاءت المملكة في 2016 خلف فرنسا، نيجيريا، بريطانيا، لبنان وجزر موريس، بغلاف لم يتجاوز 43.3 مليار فرنك إفريقي، فيما استثمرت باريس 1500 في المائة ما استثمره المغرب (أي حوالي مليار أورو) والشأن نفسه في باقي غرب إفريقيا كما صرح هولاند في زيارته الأخيرة إلى مالي.

   وفي ظرف سنة، كان التحول دراماتيكيا من الطرف الفرنسي، فباريس لم تعترض، وهي عضو في اتفاق تبادل الطاقة، على قرار المفوض الأوروبي المكلف بالمناخ، ميغال أرياس كانيتي، بفصل الصحراء عن المغرب في اتفاق وقعته الرباط مع فرنسا وإسبانيا وألمانيا والبرتغال في 17 نونبر الماضي، وعززت هذه الخطوة السكوت على ما سماه وزير الفلاحة المغربي، الحرب ضد المصدرين في تصريحه لوكالة “إيفي” الإسبانية قائلا: “لا نريد أن يمر كل ما تبقى من زمن الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي،  بين المحاكم في مختلف مدن الاتحاد الأوروبي، هنا وهناك” في إشارة إلى باخرة “كي باي” الموردة لزيت السمك من الصحراء، وأوقفت في لاس بالماس غداة تزويدها بالنفط، جراء شكاية حركها اليسار الموحد، بتهمة “النقل غير المشروع” لمواد قادمة من الصحراء.

   وفي نفس التصريح، أشار أخنوش إلى مشكلة الهجرة التي اعتبرها “مكلفة جدا للمغرب، وعلى أوروبا أن تقدرها حق قدرها”.

   وقرر الاتحاد الأوروبي سحب هذه الورقة من الرباط، خفضا للدور المغربي وتوزيعه على حزام المملكة، وخصصت إيطاليا 200 مليون يورو، كما صرح وزير خارجيتها أنجيلو ألفانو، إلى كل من ليبيا، النيجر وتونس، بعد نقص بمائة في المائة للمهاجرين القادمين إلى ليبيا من النيجر، في الستة أشهر الأخيرة، حسب إحصائيات الاتحاد الأوروبي(1) الذي قرر توجيه دعم مالي للحزام الثاني: نيجيريا، السنغال، مصر وإثيوبيا.

   ويدعم الاتحاد الأوروبي موريتانيا لخفض رقم 7 آلاف مهاجر إلى أقل من النصف، وتعمل نواكشوط على أخذ مكاسب ودور المغرب في شمال غرب إفريقيا، ونجحت في عزله من هذه الأجندة.

   وفي 11 و12 نونبر 2015، وفي قمة “فاليط”، العاصمة المالطية، قام الاتحاد الأوروبي بتوجيه مليار و800 مليون يورو لمحاربة هذه الظاهرة، وأعلن، جون كلود  يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، عن استثمار 44 مليار يورو في إفريقيا، على أن يكون المغرب عضوا من أعضاء الاتحاد الإفريقي، في استبعاد شبه كامل للوضع المتقدم للمملكة، والشراكة الشاملة والعميقة التي تجمعه مع الأوروبيين.

   وفي الواقع، فإن ما يحدث اليوم، هو إفلاس عملي للوضع المتقدم للمغرب، وللشراكة  العميقة والشاملة التي تجمعه مع الاتحاد الأوروبي، والرباط لا تجد باريس حليفا يمكن الاعتماد عليه، بعد قرار الرباط فصل سياستها الإفريقية عن شركائها الأوروبيين، ودخولها الاتحاد الإفريقي دون تنسيق مع باريس.

تنسيق المغرب والغابون، في شأن معارضتهما لقرارات الاتحاد الأوروبي، حول فرنسا إلى خصم، لأن الرباط تحاول أن تتزعم مصالح الاتحاد الإفريقي ومصالح أعضائه في وجه الاتحاد الأوروبي، في إفلاس واسع للشراكة وللوضع المتقدم للمملكة مع الأوروبيين

   مباشرة بعد قرار البرلمان الأوروبي ضد الغابون، بخصوص إعادة انتخاب رئيسها، علي بانغو أونديمبا واصفا، في 2 فبراير الجاري، الانتخابات الرئاسية التي جرت بـ “عدم الشفافية، بما يشكك في شرعية المنتصر”، خرج الناطق باسم الحكومة الغابونية، ألان كلود بينزي، داعيا إلى مراجعة العلاقات مع أوروبا، وهو ما تزامن مع خروج الوزير، أخنوش في المغرب للدعوة إلى نفس المراجعة، في تنسيق واضح للضغط على الاتحاد الأوروبي، وهو ما حول فرنسا إلى خصم، لأن الرباط لا تدافع عن مصالحها، بل تتزعم مصالح الاتحاد الإفريقي وأعضائه في وجه الاتحاد الأوروبي، في إفلاس للشراكة والوضع المتقدم مع الأوروبيين.

   وقبل الوزير المنتدب في الخارجية، ناصر بوريطة، تعديلا تقنيا للاتفاق الفلاحي، فيما رضيت الغابون بوقف التصعيد(2)، وهي أقل النتائج بالنسبة للبلدين الإفريقيين.

   وتعزل خطة “القضاء على الهجرة من خلال الاستثمارات” التي يقودها، جورج داسي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي، المغرب من دورين: دركي الشواطئ الأوروبية ودور المستثمر في إفريقيا، وعزل البحث عن الإنتاجية مع العاصمة الرباط، لأن الذهاب إلى إفريقيا يبدأ بساحل العاج كما جاء في لقاء داسو(3) والوزير الأول العاجي، أمادو كوليبالي.

   وعاد المغرب إلى حجمه الإفريقي عوض الاستفادة من الشراكة مع أوروبا، لصنع موقعه في القارة، وذهب الأمر بعيدا في مساواة الرباط مع باقي العواصم في القارة السمراء، إذ لم نلاحظ تقدم المملكة في الأجندة بين الاتحاد الأوروبي ـ إفريقيا، أو قمة “أبيدجان” التي قررتها الدورة 27 في كيغالي شهر يوليوز 2016.

   من جهة ثانية، تحركت بريطانيا، الخارجة مؤخرا من الاتحاد الأوروبي، من خلال المركز المالي في مورسيا، عوض تحريك المنصة المالية للدار البيضاء، لأن الرباط تحركت لشرق إفريقيا، من دون تنسيق مع لندن أو واشنطن.

   وتقدت مجموعة “صان” وكلها من مؤسسات بريطانية(4) بـ 100 مليار جنيه إسترليني، ومن خلال “إي. إف. س” المورسية، وبنك الأعمال “إيفيستيك بنك”(5) لتغطية الخطة الاستثمارية في إفريقيا بما يصل مع الاتحاد الأوروبي إلى 200 مليار دولار، وهو حجم يزيد عن الاستثمارات المغربية في القارة بأرقام قياسية، عاصفة وصادمة لا تسمح للرباط بأدنى منافسة.

   ورفع الرسملة إلى مستويات قياسية، ودخول الأبناك الاستثمارية لكبح الهجرة (آخرها قرض لإثيوبيا من البنك الاستثماري الأوروبي بـ 180 مليون يورو(6))، ومضاعفة المساعدات المالية (تونس في 30 شتنبر الماضي)، والهيمنة على القمم من قمة  “أبيدجان”، وإقرار مسلسل القضاء على الهجرة من خلال الاستثمارات، كلها خطوات استراتيجية تعزل دور المغرب، وتقوي شراكة الاتحاد الإفريقي مع الاتحاد الأوروبي بعيدا عن دول بعينها، لأن المغرب فقد بدخوله إلى الاتحاد الإفريقي أي وضع متقدم أو امتياز أو تفرد، لوجوده سابقا في إفريقيا دون أن يكون في الاتحاد الإفريقي.

الورقة الفرنسية في لقاء ناصر بوريطة وموغريني زادت من الضغوط على المغرب

   تخوف المغرب من نقل جزء من الأموال إلى “جمهورية” البوليساريو عن طريق الاتحاد الإفريقي الذي وضع في أبرز بنوده “الدفاع عن المصادر الطبيعية لإقليم الصحراء” وانتهى الأمر بمخرج “تقني” للقرار النهائي لمحكمة العدل الأوروبية الفاصل بين المملكة والصحراء.

   وانسحب جون كلود يونكر، رئيس المفوضية من الجلسة التي جمعت ناصر بوريطة وموغريني، لأسباب يتقدمها قبول المملكة بتعديل تقني على الاتفاق الفلاحي، وسيأتي اجتماع الفرق التقنية لتحديد الطريق الذي يجب اتباعه بشكل مفصل، وأيضا لعدم رغبته في أي “تمدد للشراكة مع دولة في حالة المغرب في المجال الإفريقي”، وقال البيان المشترك بـ”تعزيز الجهود في شراكتهما” دون وصفها بالاستراتيجية أو الشاملة أو العميقة، أو التذكير بالوضع المتقدم للمغرب في القضايا الإقليمية والإفريقية.

   وجاءت الضربة الفرنسية موجعة، لأنها لم تغط لقاء بوريطة وموغريني، بما يمس بمسار العلاقات الأوروبية المغربية، من واقع إبعاد الصحراء عن الاتفاق الفلاحي، كإحدى أهداف الاتحاد الأوروبي(7) في غرب إفريقيا، ويضعف نفوذ الرباط “الممنهج” في غرب القارة، كإحدى استراتيجيات قمة “أبيدجان”، وبتعزيز الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ووسط إفريقيا منذ قمة “مالابو” في غينيا الاستوائية من خلال “سيماك”(8)، يكون المغرب قد خسر حظوته وأي مساعدة للصحراويين خارج الاتفاق ستذهب إلى تعمير المناطق العازلة خلف الجدار الرملي في الصحراء، كما يؤسس هذا الوضع لقاعدة متقدمة لجنوب إفريقيا في شمال القارة.

فرنسا، من داخل الاتحاد الإفريقي، تساهم في حصار مصالح المغرب في غرب إفريقيا ووسطها

   يكاد يجمع المحللون على القطيعة التي تحدثها أهداف قمة “أبيدجان” عاصمة ساحل العاج، الدولة التي فقد فيها المغرب دوره الريادي في غرب إفريقيا، وفي وسط القارة حين نزل معدل النمو إلى 1.7 في المائة في 2016 بفعل تراجع أثمان البترول مقابل 2.5 في 2015 كما أوضح بنك دول وسط إفريقيا (بيياك)، وفي 2014، سجل النمو 4.9 في المائة.

   وفرض الواقع الجديد في مقررات قمتي “أبيدجان” و”مالابو” حصارا لمصالح المغرب، وفقدت الرباط بعدها المتوسطي، لأن المنطقة المتوسطية ليس لها إلا 3 في المائة من المخزون العالمي للماء و7 في المائة من البشر، وهناك دول لا يصل فيها نصيب الفرد سوى 100 متر مكعب سنويا إلى 2025، وهذه النظرة السلبية للرباط تجاه “المتوسطية”، عقيدة فرنسا الأولى، بدأت باللقاء العلمي الثامن حول المغرب والاتحاد الأوروبي المنظم من طرف المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (شبه الرسمي في المغرب) يوم 19 يونيو 2012(9).

   وأكد تقريره بهذه المناسبة، على هبوط في المبادلات بين المغرب والاتحاد الأوروبي بـ 13 و18 في المائة في مختلف القطاعات، مسجلا ارتفاع العجز من الطرف المغربي بـ 13 مليار درهم في عام 2000 إلى 70 مليار درهم في 2011، متهما أوروبا بأزمة الديون السيادية (فكيف إذا أضفنا اليوم خروج بريطانيا من اتحادها)، لذلك، فالخسارة كبيرة في نظره، لتراجع تصنيف فرنسا من “ثلاثة ألف” إلى “ألفين زائد” عبر وكالات التصنيف “ستاندارد آند بورز” وتراجع إسبانيا من (ألف 3) إلى (باء، ألف، ألف، 3).

   وتعامل المعهد مع الاتحاد الأوروبي كجسم اقتصادي أفلس، منتقدا بذلك مقاربته الأمنية، وواصفا إياها بـ “الغير فعالة والغير منتجة”، ومتسائلا عما سماه “أزمة الاندماج الأورو ـ متوسطي، وأيضا مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكامة التي لم تكن جزءا رئيسيا من الشراكة”.

   ودعا المركز شبه الرسمي للمملكة المغربية، إلى نموذج جديد للشراكة يعتمد على:

   ـ التحول من التبادل الحر إلى تنمية الإيجابيات التنافسية من أجل اندماج أورومتوسطي.

   ـ تبني نموذج تنموي مندمج.

   ـ اعتماد نظام حكامة فعال.

   ـ حل مشاكل النمو والاستقرار.

   لكن هذه الخطة المقترحة من المملكة، لم تكن متوازنة بين مصالح المغرب ومصالح الاتحاد الأوروبي، وغير دقيقة بالشكل العلمي الكافي، فسقطت الشراكة المتوسطية، وبالتالي، الدور المغربي، ومست هذه التطورات، إن لم تكن أسقطت “البعد الاستراتيجي للوضع المتقدم للمغرب”، بتعبير دقيق لسفير الملك، حسن أبو أيوب في 19 فبراير 2009 ببناية نفس المعهد.

   وشكل التوجه إلى إفريقيا تعويضا عن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدفع المغرب ثمنه الآن.

لا يستطيع المغرب خسارة الاتحاد الأوروبي أو مقاطعته، فالكلفة تساوي إفلاس الدولة

   ما بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، اقتصاد سياسي(10)، فمنذ سنة دخول المغرب إلى الصحراء واندلاع المواجهات عام 1976، وقع الأوروبيون أربع بروتوكولات مالية(11) مع العاصمة الرباط دعما لها، وحسب الإحصائيات المقدمة لمؤتمر “غرناطة” في 7 مارس 2010(12)، فإن المساعدات الأوروبية الموجهة إلى المملكة بين 1977 ـ 1996 خصت 46 في المائة للعالم القروي و17 في المائة للبنية التحتية، و10 في المائة للقطاع الخاص، وأقل من نصف نقطة للمجتمع المدني.

   وبتوجيه الدعم إلى الفلاح، المدافع الأول عن العرش، و0.4 في المائة للمجتمع المدني المعارض للنظام، كما في أوراق معهد “مونتيسكيو”(13)، يكون الاتحاد الأوروبي قد ساهم في حماية النظام الملكي في المغرب إلى حد بعيد، ومول الرباط في حرب الصحراء، واتفق الإسبان على نقل إدارة الإقليم إلى المغرب وموريتانيا في اتفاق مدريد.

   وفي دراسة “فردريك ميلر”، فإن مساعدة الأوروبيين للمغرب تعود إلى 1960(14) في دعمهم للحسن الثاني بعد جلوسه على العرش لتجاوز نظام أبيه محمد الخامس.

   ويكشف هذا المعطى، مدى الدعم المباشر الذي خصصه الاتحاد الأوروبي لنظام المغرب في مختلف المراحل، وكيف حافظ عليه في الحرب الباردة تحديدا، وفي يناير 2003، قال وزير التجارة الخارجية الفرنسية: “لا يمكن للمغرب أن يقول بعدم رغبته في الاتفاق مع الأوروبيين وهو يوقع مع الولايات المتحدة”(15)، وحاليا تقول “رويترز”: “إن المغرب يهدد بقطع العلاقات(16) مع الاتحاد الأوروبي، فالمسألة حساسة إلى حد بعيد”.

   وعرف الراحل الحسن الثاني، أن نظامه لا يمكن أن يتنفس بدون شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وفور خروجه من منظمة الوحدة الإفريقية، توجه في 1984 لطلب عضوية الاتحاد الأوروبي وتم رفض طلبه في 1987، لأنه لم يعترف بأن سبتة ومليلية “أوروبيتين”، وبالتالي فهو بلد غير أوروبي.

   وحكمت الجغرافيا على “الجغرافيا السياسية” أو “الجيوسياسية”، ودعم الغرب المملكة في حرب الصحراء، وبقي المغرب في الخارطة التي اختارها إلى أن عاد إلى الاتحاد الإفريقي.

   وحاليا، تغيرت الخارطة المستقرة للمغرب من 1984 إلى 2016، بإرادة حرة من المملكة، وبدأت أوروبا تبني رؤية أخرى تمس وتحرك الثوابت الأورو ـ مغربية الثابتة منذ ثلاثة عقود، مرت فيها الحرب الباردة والأحادية القطبية، ويهندس العالم أفقه للقرن الصيني، وينافس الاتحاد الأوروبي إلى جانب أمريكا في أفريقيا، “قوة بيكين”، فيما فضلت الرباط أن تنتقل إلى وجهة جديدة، كما جاء في تهديد مباشر لوزير الفلاحة، أخنوش.

   وقرر الاتحاد الأوروبي، بعد قرارات مشابهة من العاصمة الرباط، أن يراجع سياسته مع المغرب من واقع مراجعة السياسة المتوسطية للاتحاد وإعادة هيكلة الجوار، خصوصا بعد تخلي المغرب عن “متوسطيته” باتجاه “إفريقيته”.

   وعرقلت هذه التطورات اتفاقا شاملا وعميقا مع الاتحاد، يسمى اختزالا “أليسا”، وأفرز الواقع الجديد حقائق صادمة للجانبين:

   أولا: أن مخطط العمل بين 2013 و2017 انتهى في 2010، واتفق الطرفان على مواصلة العمل بمخطط 2005 انطلاقا من الوضع المتقدم.

   ثانيا: أن إفلاس الاتفاق أو الشراكة الشاملة والعميقة مع الاتحاد الأوروبي، امتداد لتراجع الوضع المتقدم منذ الأول من مارس 2013 غداة زيارة رئيس المفوضية الأوروبية حينئذ، مانويل بارسو، للمغرب، وتواصل مع مسلسل تجميد مفاصل العلاقات الاستراتيجية الأورو ـ مغربية.

   يقول التقرير المائة الصادر في أكتوبر 2013(17) للبرلمانيين، سومانستور وبيرناديت بورزي: “إن 30 اتفاقية بين مؤسسات مغربية وأوروبية منذ 2005، لم تستطع أن تعطينا سوى السؤال عن المستقبل ومحاولة تحصين ما هو موجود منذ 2002”.

تحصين ما هو موجود منذ 2002، يدخل ضمنه إجراء 2017 حول تحصين الاتفاق الفلاحي بين المغرب والاتحاد الأوروبي

   قد يصف المحلل ما يجري بين المغرب والاتحاد الأوروبي بنقص المناعة، مما استدعى تحصين ما هو موجود منذ 2002، بعد توقف أي تطور في علاقات الجانبين، وتبنيها “الجانب التقني” عوض بنائها الاستراتيجي مجددا.

   واختار المغرب توازنات جديدة أعادته إلى الاتحاد الإفريقي، وأنهت احتكار فرنسا لملف الصحراء بنقله إلى فاعلين آخرين.

   لقد أحست باريس بأنها مستفردة وتحدد مصير المنطقة، لأن قضية الصحراء في مجلس الأمن، وليس لدى أي طرف إفريقي الحق في رسم معالم الحل.

   والواقع، أن التقديرات التي حدثت بعد انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، حولته إلى رقم عادي في المعادلة القارية التي جاء الاتحاد الأوروبي ليذهب بعيدا في التعامل معها، ومع “جوار المملكة” وليس مع المملكة، ومن المهم التذكير أن الاتحاد الأوروبي استقر على ثلاثة أمور رئيسة:

   ـ نهاية أي شراكة جديدة مع المغرب في موضوع الهجرة.

   ـ أن دول الجوار الإفريقي للمملكة أكثر مرونة في كل الاتفاقيات الأمنية وفي تبني المعايير الأوروبية.

   وليس هناك تقييم جدي وحاسم في انتقال القطاعات المذكورة في المغرب إلى هذه المعايير، وذكرت تقارير المتابعة، تحديدا، حماية الاستثمارات، وتجارة الممتلكات الصناعية ومنتوجات الفلاحة والخدمات، والصفقات العمومية، وسياسة المنافسة والتوجهات التجارية للتنمية المستدامة، وتجارة الطاقة، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وأخيرا “الأمن القضائي للاستثمار”.

   وتتجاوز دول فرنكفونية في غرب إفريقيا دولة المغرب في تحقيقها لمستويات متقدمة على صعيد هذه المعايير، مما حول الاستثمارات مباشرة إلى هذه الدول، وبدعم فرنسي غير مسبوق، لأن الرباط اختارت نهج طريقها “الخاص” بموازاة الاستراتيجيتين، الفرنسية والأوروبية.

   ومن البديهي، أن تستقر علاقات الاتحاد الأوروبي والمغرب في ما هو موجود في 2002، فيما تسعى أطراف إلى خسارة المغرب لموقعه في الاتحاد الأوروبي، كلما بسط يده في الاتحاد الإفريقي، وانتقدت الدبلوماسية المغربية دور السفير الجزائري، أحمد بيلاني، في بروكسيل، وأيضا، المفوض الإسباني الذي فصل الصحراء عن المغرب في مشروع “تبادل الكهرباء”.

   وزادت الانتقادات الموجهة للمملكة لنسف الاتفاقيات الموجودة، بما يدل أن تحصين ما هو وجود عام 2002 يعد اليوم تحديا، لأن محاولة تأكيد بعض النواب الأوروبيين على تشغيل مليون طفل مغربي (حسب اليونسيف) في الاتفاق الفلاحي، وتحريم النقابات في القطاع الزراعي وهضم حقوق العمال (5 يورو في اليوم في المغرب مقابل 50 يورو في الجارة إسبانيا)، إشارات سلبية “شديدة” على الصدى السياسي للاتفاق، وتساير الدراسات هذه الموجة، فحسب دراسة ممولة من الاتحاد الأوروبي، فإن المؤسسة المالية “بيتريس أورو أراب أبو ظبي” حصلت على 700 ألف هكتار في جنوب المملكة لإنتاج مزروعات موجهة للاتحاد، بما يؤكد أن المشاريع لا تمس أصحاب الدخول المتوسطة أو المستثمرين المحليين الصغار، وبالإضافة إلى تسجيل استثمارات من هذا النوع، فإن الاتفاق يستنزف ويؤثر على البيئة المغربية، لأن منطقة “سوس” المعروفة بإنتاجها للطماطم تنقص فرشتها المائية مترين كل سنة، كذلك الشأن في الصحراء، التي تنزف فرشتها المائية القريبة من الساحل، بما يزيد من ملوحة المياه الصالحة للشرب، وتصدير 350 ألف طن من الطماطم يكلف 35 مليار متر مكعب من الماء(18)، بما يجعل الآثار البيئية والاجتماعية للاتفاق خطيرة حسب الدراسة (جلسة البرلمان الأوروبي لـ 14 نونبر 2012).

   ويزيد ترويج هذه الصورة من صعوبة التقدم في الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ومجرد جمودها، فيما توصل إليه الطرفان في 2002، صعب تدبيره على المغرب، والاتحاد الأوروبي والمغرب انفصلا عن بعضهما في سياستهما الإفريقية إلى حد واسع وبعيد ومؤثر على المصالح الجوهرية لكلا الطرفين.

   ويأتي “تحصين” الاتفاق الفلاحي، من انسجامه مع القرار النهائي لمحكمة العدل الأوروبية، ومن خلال صعوبة قبول فرنسا تحديدا، لجلوس المغرب إلى جانب “دولة” البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، وقد استأنف الأوروبيون الحكم على أساس أن البوليساريو، تنظيم وليس دولة تمثل الصحراويين، كما أن الأوروبيين الذين فصلوا الصحراء عن المغرب، تتوسع مقاربتهم بعد دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، من أجل تعمير الأراضي العازلة لصالح اللاجئين وليس لجبهة البوليساريو، لأنهم أهل الأرض وحقوقهم مشروعة كمدنيين، ويمكن تسليم مساعدات للاتحاد الإفريقي بما يضمن تجاوز الظرف الإنساني القاسي في المخيمات.

   ومسايرة الأوروبيين لـ “استراتيجية دونالد ترامب” في المناطق الآمنة، يضمن الحياة وشروطها المعيارية فوق الأراضي لصالح الشعوب، والمغرب الذي حصل بعد نهاية حرب الصحراء على مساعدات غربية كبيرة لصالح اقتصاده، لا يجب أن يعارض اقتصار المساعدات تجاه اللاجئين في تندوف، على المساعدات الإنسانية، ويجري التفكير عالميا في إعمار الصحراء.

   ومحاولة تكرار أزمة فبراير 2016 في فبراير 2017، انتهت إلى “حل تقني”، وغير سياسي، يخدم الجانبين الأوروبي والمغربي، لكنه لا يضمن عدم صدامهما في القارة السمراء، لأن الرباط لديها سياسة خاصة بها في القارة السمراء، فيما ذهب الاتحاد بعيدا عن الشريك المغربي، في نهج سياسة إفريقية وصلت مع البريطانيين، إلى مائتي مليار دولار، وهو رقم ينافس الصين، ولا يستفيد منه المغرب عكس ما كان متوقعا لو وقع الجانبان الشراكة العميقة والشاملة.

المغرب الذي استفاد من مليار يورو في المشروع المتوسطي للاتحاد الأوروبي(ميد 1) يواجه صعوبة في ضمانات للقروض في السنوات القادمة بفعل عدم توقيعه على الاتفاقية العميقة والشاملة مع الاتحاد الأوروبي، ونهجه سياسة اقتصادية تنافسية معه في القارة السمراء

   بين 1996 و2006، تجاوز المغرب خطوط التمويل بـ 15 مليون يورو وأخرى بـ 10 ملايين يورو، ولم يجد ما يمنعه من ذلك.

   وحاليا، اختلف الوضع كليا بعدم برمجته في مشاريع التمويل الخاصة بمادة الهجرة والاستثمارات المباشرة، بل إن ضمانات الاقتراض لم تعد مناسبة كالسابق، بما يهدد الأمن المالي للمغرب الذي قبل الجلوس مع البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، وسمح للشركاء الدوليين بالتعاون لتعمير 71 ألف كيلومتر إلى جانب الشريك الأمريكي والجنوب إفريقي في مستقبل الأيام.

   ولا يمكن للاتحاد الأوروبي، الذي تجمدت شراكته مع المغرب في مستوى 2002، أن يدافع في 2017 عن “تسييس” الاتفاقيات مع العاصمة الرباط ، وقد مول الأمن المغربي على كل مستويات، بل تحصل المغرب من “متوسطيته” على  مليار و130 مليون يورو (630 مليون يورو من برنامج ميد 1 و500 مليون يورو من بنك الاستثمار الأوروبي).

نهاية الشراكة العميقة والشاملة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وإفلاس الوضع المتقدم للعاصمة الرباط، يحاصر الجوار الإفريقي للمملكة بـ 44 مليار يورو وقواعد عسكرية في مالي وموريتانيا والسنغال

   استفادت تونس، التي تفردت بمساعدات لإنجاح ما فشل فيه النموذج المغربي الذي نهج سياسة خاصة في القارة السمراء، تحت عناوين “جنوب ـ جنوب” و”رابح ـ رابح” واستثمر الأوروبيون 44 مليار يورو في النطاق الحيوي للمملكة بعد دخولها للاتحاد الإفريقي، وأطلق الفرنسيون والألمان قواعد عسكرية في مالي إلى جانب موريتانيا، في تعاون كبير مع الولايات الأمريكية، في قوس كبير من “أفريكوم” بالسنغال وإلى جيبوتي.

   وهذا الحصار يمنع المغرب من تقديم خدمات اقتصادية وأمنية لحلفائه في الغابون، الذي يحاول فيه الأوروبيون رسم نظام جديد بالعاصمة ليبروفيل، وانتهت دكار في حضن استخبارات البنتاغون، الممتدة بمكاتبها إلى رواندا.

   والواقع، أن الخرائط الجديدة للاتحاد الأوروبي، على صعيد الأمن والاستثمارات، تنبئ بصعوبة شديدة لحركة المغرب في إفريقيا، لأن الحركة الحرة للاتحاد الأوروبي في القارة السمراء، تجاوزت صلاحية الاتفاقيات مع المغرب، بل قررت باريس العمل بما يتجاوز شريكها المغربي انطلاقا من “الأجندة” التي جعلت حجر زاويتها في ساحل العاج.

   وتدافع نواكشوط عن موقعها، بدعم فرنسي، في هذه الخارطة التي تحول فيها المغرب إلى شريك مثل الشركاء، إذ لا يستفيد من أي تميز أو عمق أو شمول في شراكته مع الاتحاد الأوروبي.

   ويدافع الاتحاد على “الاستمرار التقني” للاتفاقيات الموقعة مع المغرب، ولا يود فتح أي حوار استراتيجي أو تعاون في الوصول إلى أهدافه على الصعيد الإفريقي أو في البحر المتوسط.

   وقرر الاتحاد الأوروبي تجميد “التمويلات” أو القروض الموجهة إلى المغرب والمستثمرة خارج المملكة، لأنه الهدف من استراتيجية الاتحاد، تعزيز استثماراته نحو كل دولة على حدة، أو مجموعة إقليمية بمعايير يقررها برلمانهم، وقد رأى أن شراكته مع الرباط لن تتطور إلا على صعيد متوسطي أو مغاربي أو في غرب إفريقيا، كدولة من دول هذه الفضاءات، وبهذا قرر أن تكون دولة المغرب “عادية” وهي خسارة لمن يعرف تحرك الخرائط الجديدة.

هوامش

 1_ l’Italie crée «font Afrique» pour lutter contre l’immigration clandestine, jeune Afrique, 1/2/2017.
2_ le Gabon va examiner «a froid» la suite a donner a sa coopération avec l’union européenne, jeune Afrique /AFP (3/3/2017).
3_ Investir en Afrique, une des clés pour enrayer l’immigration clandestine pour L’UE, (Jeune Afrique /AFP, 30/1/2017).
4_ standard life investments, lion trust, old mutual, global investors.
5_ le mauricien international service passe sous pavillon britannique (30 nov. 2016) Joël Telessia, (Jeune Afrique, 30/nov/2016).
6_la «BEI» prête 180 millions d’euros à l’Ethiopie pour freiner l’immigration, Julien vallet, (Jeune Afrique, 21/9/2016).
7_ Maroc- UE: le maintien du Sahara occidental hors d’accord agricole plaidé par Bruxelles, (Jeune Afrique, 13/9/2016).
8_ l’Afrique centrale parie sur un accord économique avec l’UE (AFP, 31/7/2016)
9_ Institut royal des études stratégiques, Maroc _ union
Européenne à l’une des nouvelles donnés régionales, (Rabat, 19/6/2012)
10_ Economie politique de la reforme de la transition fiscal: le cas de Maroc, Jeans François brun, Gérard chambas and martial Laurent, (CERDI, working paper, 2007).
11_ euro-lex europa.eu (european union law) (r, 6/2/2017).
12_ europa.nu (7/3/2010).
13_ spaans voorzitterschap.europese unie le helft 2010, montesquieu – instituut.nl.
14_ Morocco – European union relation, Fredric p. Miller alpha script publishing, (Aout 2010).
15_ STRTFOR, global intelligence, trade relation, Morocco’s coming quandary (January 16, 2003).
16 _ Morocco threatens to cut EU ties if farm deal founders, (Reuters 6/2/2017).
17_ la politique méditerranéenne de l’union européenne après le printemps arabe: le cas de Maroc et de la Tunisie, sumonsutour, Bernadette Bourzain Jean François Humbert et Catherine Morin desailly, (Octobre 2013).
18_ accord UE Maroc, un marche de depues (15/2/2015) jose –bove .eu .(r,2/2/2017).
19_ institut Médéa .be.(r,3/2/2017). 
تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى