ملف الأسبوع | المخابرات المركزية الأمريكية في تقرير استراتيجي: الجزائر تستهدف الأسرة العلوية الحاكمة في المغرب من أجل الهيمنة الإقليمية
11 فبراير، 2017
12 دقائق
إعداد: عبد الحميد العوني
كشفت المخابرات المركزية الأمريكية عن تقريرين تركيبيين نعتتهما بالاستراتيجيين، الأول حول دخول المغرب منطقة وادي الذهب عام 1979، أو الشطر الموريتاني من الصحراء، حسب “اتفاقية مدريد” الموقعة في نونبر 1975، والتي أخذت الأمم المتحدة علما بها تحت عنوان: “الصحراء الغربية، قطب الرحى أو العبء الثقيل في المغرب” والمنتهي تحريره في 23 أبريل 1979 تحت رقم: “بي. ألف 29ـ10167” والموزع في أبريل 1979 والمصنف تحت رقم “498933”، ويركز التقرير الثاني بدقة، على ظروف المملكة قبيل وقف إطلاق النار في الصحراء تحت عنوان: “السياسة الخارجية المغربية: رهان بحدين” صدر لأصحاب القرار في مايو 1988، مرقم حسب المشروع بـ”نيسا 215088″.
التقريران المذكوران أعلاه، استراتيجيان ومفصليان لفهم تغيير الخارطة في 1979 وقبول المغرب بوقف إطلاق النار في الصحراء.
تقرير 1979: “الحسن الثاني ربط عرشه بقضية الصحراء، وأرادت الجزائر خسارته في الصحراء لخسارة الأسرة المالكة للمغرب منذ القرن السابع عشر، من أجل بسط هيمنتها الإقليمية على المنطقة بشكل نهائي”
تواصل الصراع بين المغرب والجزائر حول من يسيطر على معادن “جبيلات” قبل “اتفاق 1976” الذي انتهت فيه الأطراف إلى تصدير “الحديد” من الزويرات عبر الداخلة تحت إدارة موريتانيا، ورفضت الجزائر المبادرة من الأصل، فيما سمته “السيطرة على الصحراء الغربية”، وأنشأت جسرا جويا بين الجزائر و3 آلاف إلى 5 آلاف مقاتل صحراوي على طول خطوط المواجهة، وبتكلفة عالية.
من جهته، ربط الحسن الثاني عرشه بالصحراء، وقبل الطرفان، الجزائري والمغربي، المفاوضات بدون وساطات في وضع قد ينتهي بحرب شاملة، بدأت معالمها بتكتيك ضرب الأقاليم الجنوبية للمملكة، وخرجت موريتانيا من هذا التطاحن باعترافها بـ”دولة” البوليساريو على الأراضي العازلة، وإدارة مشتركة لـ “الزويرات والكويرة” انتهت بإدارة نواكشوط للمدينتين إلى حين إنهاء الصراع.
وأشار التقرير إلى عنصرين لربح المعركة:
ـ تحقيق التوازن العسكري بين المغرب والجزائر.
ـ عمليات قطع الطريق عبر قوات “الكومندو” أو “القوات الخاصة”، (وبتحقق هذين العملين حاليا، قد تشتعل المعركة مجددا حول “الكركرات”)، ويفصل التقرير بالقول: “إن قرار دخول وادي الذهب في 1979، قرار لشخص الملك الحسن الثاني رغم الاستخبارات الضعيفة وضعف الصيانة وقيادة التحكم الضعيفة”.
وقادت البوليساريو جميع عملياتها من قواعد في الجزائر، ورغم إيجابية البوليساريو فهي محدودة، وخسرت الجبهة الأراضي التي كانت تحت إدارة موريتانيا لأنها لم تعتمد على بناء قواعد للعمليات في وادي الذهب الذي تحمل اسمه، وفضلت دائما الأراضي الجزائرية.
ورغم أن المغرب فقد 100 جندي في شهر واحد، ولم تمارس قواته المسلحة أي هجوم عبر الحدود الدولية لجيرانها، قرر دخول وادي الذهب لأنه أدرك أن البوليساريو تريد المفاوضات أو الانسحاب، فسار بحذر قبل أن يدخل وادي الذهب فلم تقرر الجزائر “الحرب الشاملة”.
والواقع أن مساعدة بومدين للبوليساريو كانت “محدودة”، لأن الجزائر لم ترد في عهده نهاية البوليساريو، ومساعدتها محددة بقدر احتوائها من طرف القوات المغربية، كما لم ترغب أيضا في أعداد كبيرة من اللاجئين، ووصل إليها بين 20 و40 ألف من أصل 75 ألف صحراوي حسب الإحصاء الإسباني، حيث أقاموا في مخيمات بتندوف، منهم قريبون من الجزائر غير ماركسيين، وآخرون ماركسيون، وقريبون من ليبيا (أغلب هؤلاء عادوا إلى المغرب منذ اتفاق أثار حفيظة الرئيس رونالد ريغان بين القذافي والحسن الثاني).
واقترحت موريتانيا الاستفتاء تحت منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي حاليا) أو الأمم المتحدة، والمغرب وموريتانيا متفقان على الوصول إلى المفاوضات، لكن تكتيكاتهما مختلفة، لأن نواكشوط تريد مفاوضات شاملة بين الموريتانيين والمغاربة والبوليساريو، فيما 6 إلى 8 آلاف جندي مغربي في وادي الذهب.
وتلقت نواكشوط 400 مليون دولار ثمن انسحابها من مشكل الصحراء، أي ثلاث أضعاف ما تصدره إلى الخارج، بعد أن وصلت ميزانية وزارة الدفاع في حكومتها إلى 60 في المائة من الميزانية العامة للبلد.
مواقف الجزائر أكثر تعقيدا
الجزائريون يريدون نهاية الأسرة العلوية كي يصلوا إلى الهيمنة على المنطقة، كما يرغبون في حرب بتكلفة قليلة، وكلفة حرب الصحراء ظهرت بزيادة في ميزانية الدفاع، حين وصلت إلى 10 في المائة من الناتج الوطني الخام، بعد أن كانت قبل النزاع، 6 في المائة فقط، ولم تنعكس هذه الزيادة ـ أي 4 في المائة ـ على تزويد جبهة البوليساريو التي احتفظت بأسلحة قليلة وعتاد خفيف.
ومواقف الجزائر أكثر تعقيدا، فيما الصحراء قضية حيوية ـ بالنسبة للسياسة الداخلية للمغرب ـ ووطنية بمصطلحات استراتيجية، والحسن (حسب تعبير التقرير والقصد هو الحسن الثاني) ربط نجاح ضمه للصحراء بمقدرته وتوجهه الجيوسياسي الرئيسي: الجزائر.
وفي غياب الحل السياسي، فإن مواهب الملك تحت الاختبار بشكل قاس، وقدمت السعودية لوحدها 800 مليون دولار في 1977، لأن 40 في المائة من ميزانية 1978 والبالغة 4.3 مليار دولار ذهبت للحرب، والحرب و تحديث الجيش أثقلا الميزانية.
وتوقفت المساعدات السعودية بداية من 1978 (استجابة للضغط الغربي والأمريكي تحديدا، كي لا يدخل المغرب منطقة وادي الذهب)، وصادقت موسكو على نقل السلاح من المخزون الليبي إلى الجزائر نحو جبهة البوليساريو ومناطق الحدود، وهو ما اعتبر تدخلا سريعا في الصراع.
واستقر ألف عسكري سوفياتي في الجزائر، رغم أن بومدين رفض القواعد السوفياتية، كما رفض القواعد الأمريكية في البحر المتوسط، تأكيدا على سياسة عدم الانحياز.
اللقاء المجهض بين بومدين والحسن الثاني في بلجيكا اعتمده الأمريكيون ضمن إحداثياتهم الرئيسية في قراءة الوضع
ما كان منتظرا شهر شتنبر 1978 من خلال قمة الحسن الثاني وبومدين في بلجيكا، مهم للغاية إلى درجة أن المخابرات الأمريكية وضعته إلى جانب حدث المسيرة الخضراء، ضمن إحداثياتها التي عدتها “سرية أيضا”.
واحتفظ بومدين بعلاقات مع الحسن الثاني، لأنه لم يدعم أي انقلاب عسكري في المغرب رغم مواقف باقي القيادة، ولم يدفع المغرب إلى كسر الاتفاق الحدودي لـ1972، لأن الملك المغربي احترم “الحدود” في مطاردته الساخنة لمقاتلي البوليساريو، واتفق الطرفان على صفقة تقسيم الصحراء في “قمة بلجيكا”، والاعتراف للمغرب بما منحه إياه “اتفاق مدريد” من أراض، فيما يؤول ما أقره نفس الاتفاق من أراض لموريتانيا، إلى البوليساريو التي اعترفت بها نواكشوط دولة معلنة في المخيمات، ومباشرة بعد فشل الصفقة، دخل المغرب وادي الذهب وأطلق، الشاذلي بن جديد، الذي خلف بومدين يده في تسليح البوليساريو، وفرضت الحرب صدامات مع قوات جزائرية خلف البوليساريو.
رد فعل دول الجوار بخصوص دخول المغرب منطقة وادي الذهب فرض تصعيدا عسكريا تسبب في حرب استنزاف على مدى عشر سنوات انتهت بوقف إطلاق النار
فرضت الحرب على المغرب، معدل نمو في حدود 3 في المائة و25 في المائة على مستوى البطالة، وقرر الحسن الثاني في معركة الاستنزاف الذي حدث استدعاء مظلة الناتو، بعد أن وثق بشكل كبير، أن الشيوعيين لا يمكن الاعتماد عليهم أو الاتفاق معهم.
يقول تقرير مايو 1988: “إن ابني الملك يشاركانه، إلى جانب المؤسسة العسكرية، قربهم للغرب، وقد وضع المغرب نفسه سورا (بول وورك) لحماية جبل طارق المعرض لخطرين، لأنه أطلسي وأيضا متوسطي”، واختصرت المخابرات المركزية الأمريكية السياسة الخارجية للملك الحسن الثاني في:
أ ـ تأمين المساعدة الأمريكية للمغرب، وأيضا من أوروبا الغربية ودول الخليج في مجال التنمية ودعم قواته المسلحة.
ب ـ تعزيز دور المغرب في منطقة المغرب العربي كي يوسع من إدارته للصحراء.
ج ـ العمل على تطوير علاقات الغرب والعالم العربي من أجل خلق موقع لبلاده.
د ـ دعم جهود السلام الإسرائيلي العربي.
والواقع، أن العلاقات الجزائرية ـ المغربية والتنافس بين الدولتين، ضلل على كل ما هو استراتيجي ورئيسي في المنطقة، ودعمت الجزائر بجنودها، البوليساريو بعد دخول المغرب إلى وادي الذهب، ونافسته على مستوى التجنيد وقواتهما متساوية على صعيد نسبة ساكنتهما، وقد اصطدما في 1963، وبعد 12 سنة حدث أن اصطداما عسكريا هو من خلف البوليساريو.
وتابع الحسن الثاني أسلوبه، ففي 1975، دخل الصحراء لمعالجة مشاكل داخلية، وقام بتحديث الجيش الذي خرج من انقلابين، وصنع صورة وسط شعبه، أراد الجزائريون إسقاطها للهيمنة على المنطقة.
وتواصل هذا الأسلوب الخاص للحسن الثاني في عزل ليبيا عن الجزائر، قبل أن يجتمع الرئيسان التونسي والجزائري للرد على بناء هذا المحور، واختلف الحسن الثاني مع الإدارة الأمريكية بشأن هذا الاتفاق، لكنه لم يرد في الحقيقة، سوى رفع المساعدة الأمريكية ـ والغربية ـ لبلده وجيشه، خصوصا وأن القذافي عالق في تشاد والحسن الثاني في الصحراء، والملفان في يد فرنسا.
ولم يتراجع الحسن الثاني عن تصعيده إلا بعد أن تأكد له، أنه لن يستطيع مع الرئيس، بن جديد، الوصول إلى حل إثر لقائهما في مايو 1987، ولم يعد الدور المغاربي والإقليمي قادرا ـ بعد الدور الإفريقي ـ على التقدم إلى الحل.
وحدث تطور على الأرض، إذ سمح الرئيس، بن جديد، بتوسعة الجدار الدفاعي الذي بدأ في 1981، فأصبحت حصة 80 في المائة من الصحراء، تحت سيطرة المغرب، لقبول الحسن الثاني بحل “سريع” وهو الذي تقوده الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن.
ودعا بن جديد إلى المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو، فيما راهن الحسن الثاني على الدعم الخليجي والعربي، وعرفت العلاقات السعودية المغربية طفرة نوعية، تبدأ من المخابرات ولا تنتهي عند الاقتصاد، ذلك أن 1500 جندي إلى 2000 جندي مغربي في السعودية، و3 آلاف آخرين في الإمارات العربية المتحدة، و120 مستشارا عسكريا مغربيا في الكويت.
وبين 1980 و1985، وصلت مساعدات الخليجيين لنظام الحسن الثاني إلى 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى 700 مليون دولار، ونصف ما تحتاجه المملكة من النفط (مليوني طن)، وفي 1986، سلمت الرياض للعاصمة الرباط 267 مليون دولار و176 مليونا في 1987.
وعلى الصعيد العسكري المباشر، سلمت الإمارات 13 مليون دولار لتدريبات مغربية على الميراج “ف 1″، ومنذ 1980، كانت صفقة “ف 5” مع السعودية.
وفي 1985، أعلن الحسن الثاني عن تحديث جيشه بمليار دولار، استقبل منها 400 مليون مع بداية 1986 من طرف السعوديين.
تمويل الخليجيين والغربيين لحرب الصحراء، وصل إلى حد بيع إسبانيا سلاحا للملك الحسن الثاني، فتقرر وقف إطلاق النار
منذ منتصف السبعينات، تحولت المملكتان: المغرب والسعودية، إلى جانب إيران، مصر وفرنسا إلى خمس قوى استخبارية.
وصحح المغرب مستوى استخباراته بعد دخوله وادي الذهب، ومول الخليجيون والغربيون حرب وادي الذهب التي اعتبرتها دول الجوار “خطا أحمر”.
ولم يسمح الأمريكيون والخليجيون بتأثير حرب الاستنزاف على صمود النظام في المغرب، فيما كان مقررا في استراتيجية بن جديد، مساعدة الغرب على وقف إطلاق النار إثر انسحاب موريتانيا وتسليم ما بحوزتها لجبهة البوليساريو.
ولكن هذا لم يحدث، وقرر الجزائريون دعم مقاتلي البوليساريو، حين وصلت صواريخ “سام 7” إلى أيديهم، وفتحت الرباط على الفور، حوارات مع القذافي انتهت إلى اتفاق.
ومنع الحسن الثاني بهذا الاتفاق، مصادر السلاح إلى البوليساريو، ووفر لنفسه خروجا آمنا وغير معلن من عدم الانحياز إلى الغرب، وفضل أن يقود سياسة إقليمية مستقلة طالب واشنطن بدعمها، لكن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت احتواءه لليبيا، لكنها لم تعرقل توجهه الشرق الأوسطي، لأن الحسن الثاني غطى على توتر علاقته بواشنطن بمخاطبة تل أبيب، وعلى الصعيد الميداني، أزاح الجنرال الدليمي، وبنى هيكلا استخباريا جديدا، ولتوازن جديد مع المغرب، طالب اليحياوي من قادة الجزائر، إقامة علاقات عسكرية عميقة مع الاتحاد السوفياتي.
من 1984 إلى 1986، خاطب الحسن الثاني الإسرائيليين لتغطية علاقته مع ليبيا المزعجة للأمريكيين، لكن واشنطن عرفت كيف تضغط عسكريا واقتصاديا، وكان من الطبيعي أن تتدخل فرنسا، وحسب “بروتوكول 1987″، أعطت باريس 61 مليون دولار من أجل دفع خدمة ديون المملكة التي بلغت 15 مليار دولار، وخصصت 130 مليونا أخرى للدعم، لكن فرنسا لم تبع “الميراج 2000” إلا بعد أن ضمنت استثماراتها في المملكة، وتخوف الحسن الثاني من هذه الهيمنة وعاد إلى الولايات المتحدة، بعد أن أوقف اتفاقه مع القذافي، وتمكن من 70 مليون دولار مساعدات عسكرية، انتهت بدخول مدريد على الخط، ووصل السلاح الإسباني إلى الرباط لقتال البوليساريو.
أمريكا تعود بقوة إلى المغرب بعد كسر اتفاق الحسن الثاني والقذافي، مما جعل إسبانيا تساعد بـ 220 مليون دولار على شكل أسلحة موجهة لقتال البوليساريو، وكان هذا تحولا لقبول جميع الأطراف بوقف إطلاق النار
جاء وقف إطلاق النار حلا لعدم تجديد نقل السلاح من ليبيا إلى جبهة البوليساريو، بعد كسر الاتفاق بين القذافي والحسن الثاني، رغم تغطيته من إسرائيل، التي فضلت عودة الرباط إلى علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة، وسلمت واشنطن 70 مليون دولار مساعدات عسكرية للجيش المغربي، وقررت عبر عرابها الإسباني، مساعدة بـ 220 مليون دولار، فأنذرت هذه الخطوة الإقليم بمواجهة مفتوحة مع الغرب، فرضت على كل الأطراف وقف إطلاق النار، فتحول الحل إلى مجلس الأمن.
وبهذا الانتقال، خرج ملف الصحراء عن الترتيبات الإقليمية التي دفعت إلى انزلاق غير مقبول أمريكيا، جراء اتفاق القذافي والحسن الثاني، وأوقفت واشنطن، من جهة ثانية، إعلان الاتحاد السوفياتي والجزائر عن علاقات “عسكرية كبيرة واستراتيجية”.
ولم يحدث أن الاتحاد السوفياتي دعم البوليساريو مباشرة، لكنه لم يمنع الجزائر من تسليم أسلحة إلى البوليساريو.
وحافظ المغرب، رغم الخلاف السياسي مع موسكو، على علاقات تجارية كبيرة مع الاتحاد السوفياتي، منذ اتفاق المساعدات الاقتصادية بين الجانبين والبالغ ملياري دولار عام 1978، والخاص بتطوير فوسفاط “ميسكالا”، وهو ما خفض من رد الفعل السوفياتي على دخول المغرب لوادي الذهب عام 1979.
وكادت الرباط أن تضمن مصالح السوفيات والأمريكيين إلى جانب البريطانيين، الذين وجدوا في نظام الحسن الثاني سورا لحماية جبل طارق، ودخلت مدريد لتعزيز هذا التوجه كي لا تفقد دورها في المضيق.
وإلى جانب هذه الدول، نجد فرنسا التي يحب رئيسها، جيسكار، من سبقه، وينظر إلى شمال إفريقيا مجالا طبيعيا لتأثير بلاده، وهو يصدق أن فرنسا لها “مسؤولية خاصة” من أجل الحفاظ على الاستقرار.
باريس “تغامر بربح قليل” وتريد حلا دائما، وتقف إلى جانب المغرب لمصالحها الاقتصادية وعلاقاتها العسكرية مع المغرب، ولعملهما في القارة الإفريقية، وقد ضربت بنيرانها البوليساريو لحماية مصالحها في موريتانيا في صيف 77 ـ 1978، وفي مايو 1978 إثر اختطاف رهائن لها في الزويرات.
وهذه العمليات المحدودة والدفاعية ضد البوليساريو، جاءت بفعل دعم المغرب لاقتراح باريس القاضي بإنشاء “قوة إفريقية”.
ومن الطبيعي، أن يبقى الدعم الفرنسي للمغرب “سريا”، أما بالنسبة لمدريد، ففي إطار التوازن بين المغرب والجزائر، فهي تدفع وحدها ثمن الاتفاق الثلاثي الخاص بالصحراء في نونبر 1975، حين نادت من 1976، باستفتاء تحت رعاية الأمم المتحدة.
وتتعلق المصالح القوية لأمن إسبانيا، وبشكل وثيق، بالصراع بين المغرب والجزائر، وتخوفت مدريد من مسيرة خضراء تجاه مدينتي سبتة ومليلية، ودعمت الجزائر حركات انفصالية، وهو ما لم يسهل التعاون بين الإسبان والجزائريين.
لكن مدريد أصبحت حليفة قوية للموقف الأمريكي، منذ منتصف الثمانينات، بعد تحالف الحسن الثاني والقذافي، وعرضت التعاون العسكري مع إدارة ريغان، فيما أوقف الحسن الثاني منذ 1963، القواعد الجوية الأمريكية في المملكة، وأوقف في 1978 تسهيلات الاتصال البحري في القنيطرة.
وما إن عادت العلاقات إلى مجاريها بين واشنطن والرباط، حتى رست سفن نووية في الموانئ المغربية، وتحولت المملكة إلى أهم منطقة للتدريب، وثاني منطقة بالنسبة للأمريكيين بعد ألمانيا، و”سور” أمام الشيوعيين.
وانتهى الوضع إلى مشاركة إسبانيا في مساهمة المغرب لتأمين جبل طارق، واستقرت المساعدات الأمريكية والغربية نحو المملكة، لكن أي طرف من الأطراف لم يدعم الحرب الشاملة بين المغرب والجزائر، بعد أن مثل الجانبان طرفي الحرب الباردة، فانتقل ملف الصحراء إلى مجلس الأمن، بعد فشل إقليمي في الوصول إلى حل.
فشل الوساطات السعودية التي بدأت في 1976
شرع السعوديون في وساطات بدأت منذ 1976 لإيجاد حل، وضمت:
ـ تنازلات ترابية لتوسيع المناطق العازلة.
ـ اعتراف جزائري بالجزء المغربي من “اتفاقية مدريد”.
ـ المساعدات الاقتصادية للسعودية من أجل استثمار المعادن في الصحراء.
ـ ضمانات وصول الجزائر إلى مياه الأطلسي.
ـ المصادقة على اتفاقية الحدود لـ 1972.
وفور رفض الرباط، قطعت العاصمة الرياض مساعداتها للمغرب قبل أن تستأنفها لتحسم مع هذه القضية، لأن الأمر متعلق بمجلس الأمن، ولم يمس الحسن الثاني أبدا قوة البوليساريو داخل الحدود الجزائرية، وفي شتنبر 1977، قرر “المتابعة الساخنة” لضرب كل مقاتل قبل الوصول إلى الحدود، وحسم سلاح الطيران النزاع، بمساعدة تقنية غربية، ومنذ دجنبر 1977، دخل سلاح الجو المغربي في المعركة بدعم أمريكي، وتوفر هذا المعطى، فور بدء فرنسا ضرباتها ضد الجبهة إثر اختطاف ستة من رعاياها.
وبقيت العمليات الجوية “محددة ودفاعية” ضد الجبهة، ونقلت عملياتها الكبرى نحو العمق من خلال التعاون السري مع سلاح الجو المغري.
المخابرات المركزية الأمريكية تكتب في تقرير سري لها تحت رقم “684” بتاريخ 28 غشت 1985 تحت عنوان: “المغرب: نوايا الجزائر”، “إن العلاقات بين البلدين مضطربة بشكل تاريخي، ليس بسبب قضية الصحراء، بل راجعة أيضا لسياسة الحسن الثاني تجاه ليبيا، وهو أسلوب الملك المغربي لقيادة المنطقة وحسم القيادة الإقليمية لصالحه”.
أرادت الجزائر دائما ممارسة ضغوط على الحسن الثاني من أجل مفاوضات ترتب مع رئاسة بن جديد، اتفاقا يضمن بعض الاستقلالية للصحراء، وهي التي تتخوف من حدود عدائية في شرقها وغربها بعد اتفاق الحسن الثاني ومعمر القذافي.
التقرير الذي أنجزه قسم “العرب ـ إسرائيل” في المخابرات المركزية الأمريكية، أشار في صفحته الأولى إلى “الحكم الذاتي”، وفي فقرة بعنوان: “زاوية جديدة”، أشار إلى “سعي الجزائريين إلى إطلاق موجة من عدم استقرار في المغرب، وقد ألقت الرباط القبض على 17 عنصرا، قالت السلطات المغربية أنهم تدربوا في الجزائر، ولا يمكن الجزم بهذه الصلة”.
وفي الواقع، فإن بن جديد، تعرض لضغوط من أجل القيام بعمل عسكري ضد الجدار الرملي في الصحراء، ولا يريد الرئيس أن يكون إلى جانب اليساريين في صفوف جيشه ويثير الغرب، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.
من جهة ثانية، هؤلاء العسكريون الراغبون في رد قوي وعلني على الجدار الرملي، يرفضون سياسة “الاختراقات” وزعزعة الأمن الداخلي للمملكة، وهذه التناقضات التي عاشتها الجزائر كادت أن تخرج عن السيطرة، لولا وقف إطلاق النار حين سمحت الجزائر العاصمة بـ”دبلوماسية معتدلة”.
وآمنت الولايات المتحدة بهذه السياسة في قضية منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن يطلب بن جديد نفس السياسة من واشنطن تجاه قضية الصحراء.
وتدخل الاتهامات المغربية في إطار صراع الرباط والعاصمة الجزائر، لأن علاقات جزائرية ـ أمريكية مثيرة للمغرب، الذي يبني جدارا لمواجهة 3500 مقاتل من البوليساريو، مقطوع عنهم السلاح منذ التقارب الليبي ـ المغربي، ولذلك تبنّى الجزائريون المواجهة مع الرباط.
وحسب تقييمنا، تقول المخابرات المركزية الأمريكية، فإن الجزائر، ستستمر في دعم البوليساريو بعد دخول الحسن الثاني في منطقة وادي الذهب، لأن مثل هذا الإجراء الغير محكوم بـ”اتفاقية مدريد”، أو أي اتفاقية أخرى، يكاد يحيي “المغرب الكبير” الذي لا يضم الصحراء “الغربية”، بل موريتانيا وجنوب غرب الجزائر.
ونعتقد أن حكومة بن جديد، لم تكن تريد مواجهة عسكرية كبرى مع المملكة، وتعتقد أن المغرب له وضع متقدم في المنطقة الجنوبية من الحدود، بما يضمن له القفز على تندوف، ولا وجود لشيء دال لوجود جزائري إلا من خلال وجود قيادة البوليساريو، والرباط قادرة على شن هجمات جوية ضد المنشآت النفطية والغاز الطبيعي.
وفي فقرة السيناريوهات البديلة، تؤكد المخابرات المركزية الأمريكية، أن قرار تمديد الحسن الثاني “المطاردة الساخنة” ضد مقاتلي البوليساريو إلى الحدود الجزائرية أو شمال موريتانيا، سيدفع الجيش الجزائري مباشرة إلى الحرب.
وبن جديد مستعد لأي مخطط عسكري ليبي مغربي ضد بلاده أو أي عمل سري عدائي أو إرهابي.
الخوف من سيناريو عسكري يقوده الحسن الثاني والقذافي خاصة داخل الجزائر
كان الضغط الذي مارسه التقارب بين القذافي والحسن الثاني على الرئيس الجزائري، كبيرا، وقد دفع ببن جديد، إلى طلب زيارة واشنطن، وبفضل هذا الاتفاق، تحرك “قسم إسرائيل ـ العرب” في “سي. آي. إي”، لتقييم الوضع، وخرجت الخلاصات على الشكل التالي:
1 ـ رفض بن جديد، لاقتراح الجيش المتعلق بشن عملية عسكرية على الجدار الدفاعي للمغرب في الصحراء، فيما رفض الجيش أي عملية أو اختراق في العمق المغربي.
2 ـ الاستعداد لأي عملية عدائية أو خاصة يقوم بها القذافي والحسن الثاني ضد نظام الجزائر.
3 ـ رفع تسليح البوليساريو من طرف الجزائر هذه المرة، وهو ما دفع الغرب إلى تسليح المغرب أيضا، لأن الحرب في الصحراء تحولت إلى حرب ثنائية.
الرئيس بن جديد أراد اختراق المغرب لضرب عمقه بعمليات خاصة، وهو ما رفضه ضباط الجيش، لأن الحرب ليست ضد نظام، بل حربا جيوسياسية تدور حول الصحراء ومعها
اتخذ الرئيس بن جديد مبادرة، وإن لم تكن له الأغلبية في أوساط ضباط الجيش، لضرب العرش المغربي وتغيير النظام الملكي، لأن بعض قادة الجزائر لا يخفون رغبتهم ـ وليس الجيش بالضرورة ـ في تغيير النظام المغربي، ويكشف التقرير الأمريكي، أن مشكلة المغرب والجيش الجزائري محددة ومحدودة بالصحراء، لكن مشكلة جبهة التحرير تخص النظام الملكي، وهذه الخلاصة مركزية، في أي قراءة دقيقة للوضع القائم بين البلدين، فالجزائر بتعبير التقرير، “متناقضة”، فيما الحسن الثاني، رفض كل خطط السلام القادمة منها، وهو ما دفع بالرئيس بن جديد إلى تبني سياسة” المواجهة” ضد المملكة، وتكون استراتيجية الجزائر هي “المزيد من نفس النوع”، والاعتماد على استثمار التراكم، حيث يتأكد أن نوايا الجزائر لن تصل إلى حرب شاملة، وتفضل تخريب النظام المغربي واختراقه، وهذه قصة الخلاف بين مؤسستي الرئاسة والجيش في الجزائر، والمتواصل إلى حد اللحظة.