تحليل إخباري | محاولة “تسميم الوفد المغربي” ومحاصرة الملك في فندق بأديس أبابا
10 فبراير، 2017
5 دقائق
كواليس التحركات التي مهدت لعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي
إعداد: سعيد الريحاني
فشلت كل مساعي خصوم المغرب لمنع الملك محمد السادس من دخول مقر الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، الذي احتضن أشغال القمة الإفريقية الأخيرة، وكانت الخطة هي جعل الملك يتابع القمة، من فندق “الشيراتون”، بدعوى الإجراءات المسطرية، ولكن الذين نجحوا نسبيا في إبعاد الوفد الملكي عن جلسة افتتاح الأشغال(..)، لم يكونوا يتوقعون أن الترتيبات الغير معلنة، والغير مدرجة في جدول الأعمال(..)، كانت تتضمن إعطاء الكلمة للملك محمد السادس، بل إن خصوم المغرب لم يكونوا يتوقعون الحفاوة التي استقبل بها الملك محمد السادس داخل القاعة، إلى درجة أن الحاضرين كانوا يقاطعون خطابه بالتصفيقات أكثر من مرة، حتى أن زعيم الجبهة الانفصالية وقف مرغما لتحية الملك.
“كم هو جميل هذا اليوم، الذي أعود فيه إلى البيت، بعد طول غياب! كم هو جميل هذا اليوم، الذي أحمل فيه قلبي ومشاعري إلى المكان الذي أحبه! فإفريقيا قارتي، وهي أيضا بيتي.. لقد عدت أخيرا إلى بيتي.. وكم أنا سعيد بلقائكم من جديد.. لقد اشتقت إليكم جميعا، من أجل ذلك، قررت، أخواتي وإخواني الأعزاء قادة الدول، أن أقوم بهذه الزيارة، وأن أتوجه إليكم بهذا الخطاب، دون انتظار استكمال الإجراءات القانونية والمسطرية، التي ستفضي لاستعادة المملكة مكانها داخل الاتحاد”، هكذا تحدث الملك محمد السادس وهو يخاطب الرؤساء الأفارقة.
وبغض النظر عما إذا كان الملك قد “بكى” أم “لا”، عقب إلقائه لخطاب حماسي تاريخي في القمة الإفريقية، وهو شعور إنساني، يدل على صدق المعركة التي خاضها الملك في غياب أي دعم حزبي، وفي غياب رئيس الحكومة(..)، وكل ما كان في يده هو الموافقة الصادرة عن البرلمان المغربي على قوانين الاتحاد الإفريقي، وتوقيعات الدول الإفريقية التي عبرت عن مساندتها “كتابيا” لمطلب المغرب بالدخول للاتحاد الإفريقي، فإن مؤشرات “الغزوة الإفريقية” قد ظهرت ملامحها منذ اليوم الأول الذي حل فيه الوفد الملكي بالعاصمة، أديس أبابا (السبت الماضي)، حيث تم وضع كل الترتيبات لإنجاح حفل عشاء ملكي في اليوم الموالي، شكل في حد ذاته قمة لوحده، بعد أن أشارت وسائل الإعلام العالمية إلى كون 42 شخصية تمثل زعماء ورؤساء وممثلي الدول الإفريقية الذين يشاركون في القمة الإفريقية، حضروا حفل العشاء الذي أقامه الملك محمد السادس مساء الأحد 29 يناير بمقر إقامته في أحد الفنادق بالعاصمة الإثيوبية.
العشاء، كان من الطبيعي أن يغيب عنه الوزير الأول الجزائري عبد المالك سلال، والرئيس الموريتاني ولد العزيز، الذي قالت الصحافة إنه قاطع المأدبة الملكية بسبب تصريحات شباط(..)، لكن، ولا قياس مع وجود الفارق، فقد حضره الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرس، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتخللته عدة لقاءات ملكية مع رؤساء أفارقة، وقد كان ذلك أول ضربة للجزائر وجنوب إفريقيا، اللتين حاولتا بكل جهدهما منع الزعماء الأفارقة من الحضور، وقد تطلب تنظيم حفل عشاء من هذا النوع في إفريقيا، تسخير إمكانيات ضخمة، وإنجاز خطة أمنية محكمة لتأمين حضور الوفود وتأمين سلامتها، بالإضافة إلى حماية الوفد المغربي نفسه، وقد كتبت مصادر إعلامية: “أن هناك مخططا لتخدير وتسميم تكتيكي محدود ومؤقت لبعض الأعضاء المسؤولين بالوفد المغربي المشارك في أعمال المؤتمر 28 للاتحاد الإفريقي بإثيوبيا، والهدف من هذا المخطط، هو شل قدرات وطاقات الوفد على اليقظة خلال يومي المؤتمر المزمع عقدهما بتاريخ 30 و31 يناير 2017 بمقر الاتحاد الإفريقي، كما أكدت نفس المصادر على أن نظام التهوية بمقر الاتحاد يعاني من أعطاب تعذر إصلاحها إلى حد الساعة، الشيء الذي ينذر بتلويث وتعكير الهواء بقاعات اجتماعات الوفود المشاركة، ما سيدفع لإصابتها بالإرهاق والإعياء لإرغامها على عدم التركيز وإجبارية مغادرة قاعات الاجتماعات للسماح لبعض أعضاء اللجنة المنظمة بتمرير قرارات ضد المغرب” (المصدر: موقع l’enquête لانكيط/ الأحد 29 يناير 2017).
غاب الملك محمد السادس عن حفل الافتتاح، لكن كان نجم القمة في مناسبتين، في ما يتعلق بالعشاء الكبير مع الزعماء الأفارقة، وفي ما يتعلق بخطابه الذي ألقاه يوم الثلاثاء الماضي، وكان الخصوم قد تجنبوا تفعيل آلية التصويت في ما يتعلق بانضمام المغرب للاتحاد الإفريقي، لأن ذلك كان سيكشف للعالم بوضوح، الحجم الحقيقي لخصوم المغرب، لذلك انصبت كل الجهود على آلية التوافق، وهي الآلية التي تأكد عطبها، بعد “التواطؤ” على تعيين عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس الجزائري المريض، نائبا لرئيس الاتحاد الإفريقي، وهو منصب لا قيمة له على أرض الواقع، ولم يسبق أن تم الحديث عنه في وسائل الإعلام.
جهود الخصوم، وفي مقدمتهم 11 دولة، هي: نيجيريا، زيمبابوي، جنوب السودان، ناميبيا، أوغندا، موزمبيق، ملاوي، ليسوتو، جنوب إفريقيا، الجزائر، كينيا، قاموا بكل المناورات الممكنة لمحاصرة المغرب بالإجراءات المسطرية، غير أن رئيس الاتحاد الغيني، ألفا كوندي، وهو محسوب من أصدقاء المغرب، وهذا يحسب له، وضع حدا للتلاعب عندما قال مخاطبا الجميع في الجلسة: “ألا تريدون أن نطبق الديمقراطية، هذه الأخيرة تقول بعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي”.. فكانت هذه الجملة إيذانا بالتوافق على قبول عضوية المغرب، وإهمال مطلب ممثل جنوب إفريقيا الذي كان يطلب الاعتراف بالبوليساريو أولا، علما أن خصوم المغرب المشار إليهم في هذه الفقرة، كانوا قد لجؤوا إلى مناورة لم يكن لها أي أثر، بعد أن قرروا بصفتهم أعضاء دائمين، توجيه عدة أسئلة إلى المستشار القانوني للاتحاد الإفريقي، وكان الغرض من ذلك، تعطيل المسطرة من قبيل: “هل يتفق طلب المملكة المغربية الانضمام إلى القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي وقبولها عضوا في الاتحاد مع ديباجة القانون التأسيسي المتعلقة باحترام الحدود على ما كانت عليه عند نيل الاستقلال؟ هل المغرب مؤهل لعضوية الاتحاد وفقا للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (الديباجة، المواد 19، 20، 21، 22، 23) وأي وثائق قانونية ومقررات أخرى ذات صلة لمنظمة الوحدة الإفريقية / الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة؟ هل يمكن قبول طلب الانضمام إلى الاتحاد بينما لا تعترف الدولة المعنية بالحدود الدولية المعترف بها ولا تحترمها؟ هل طلب الانضمام إلى الاتحاد مقبول قانونا بينما تحتل الدولة المعنية أجزاء من أراضي دولة عضو في نفس الاتحاد؟ هل يعتبر التزام المملكة المغربية بالانضمام إلى القانون التأسيسي بدون أي تحفظات أو شروط كافيا بينما تحتل عسكريا أجزاء مهمة من أراضي البوليساريو لأكثر من أربعين (40) سنة؟ هل يعتبر التزام المملكة المغربية صادقا ما لم يعلن تعهدا رسميا بإنهاء احتلالها لأراضي الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وقبولها لحدودها المعترف بها دوليا؟ وأخيرا، وحتى بعد القيام بإيداع وثائق التصديق، هل يمكن قبول بلد الاحتلال عضوا في الاتحاد الإفريقي بينما ينتهك نفس هذا البلد انتهاكا صارخا، المبادئ والقيم التي تشكل أسس الاتحاد؟” (المصدر: رسالة 11 عضوا دائما بالاتحاد الإفريقي موقعة بتاريخ: 13 نونبر 2016).
يقول الملك محمد السادس: “إننا ندرك أننا لسنا محط إجماع داخل هذا الاتحاد الموقر.. إن هدفنا ليس إثارة نقاش عقيم، ولا نرغب إطلاقا في التفرقة، كما قد يزعم البعض !وستلمسون ذلك بأنفسكم، فبمجرد استعادة المملكة المغربية لمكانها فعليا داخل الاتحاد، والشروع في المساهمة في تحقيق أجندته، فإن جهودها ستنكب على لمّ الشمل والدفع به إلى الأمام.. لقد ساهمنا في انبثاق هذه المؤسسة الإفريقية العتيدة، ومن الطبيعي أن نتطلع إلى استرجاع مكاننا فيها. (من خطاب الملك محمد السادس في القمة الإفريقية).
وقد أصبحت التحديات المطروحة اليوم على المغرب كبيرة جدا، بعد أن قرر مواجهة مخطط تقسيمه(..) من داخل الاتحاد الإفريقي، غير أن مجرد إطلالة على تساؤلات الخصوم، يمكن أن يعطي فكرة عما ينتظر البوليساريو مستقبلا، وقد كتب أحد مواقع الجبهة، أن “المغرب بعودته إلى الاتحاد الإفريقي، سيعمل على: التمرد على المبادئ بطريقته، وأن الدبلوماسية المغربية سوف تنتهز أول فرصة لها في عقر دار الاتحاد الإفريقي لتنفي اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ولتعرض رؤيتها لمبدإ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار.
ثانيا: المغرب سوف يحاول التغلغل داخل دواليب الاتحاد الإفريقي وبسط موظفيه لاستغلالهم في فترات لاحقة لتنفيذ أهداف المسطرة. ثالثا: المغرب سوف يحاول رص صفوف مؤيديه على مستوى الاتحاد الإفريقي وحشد دعم أكبر لأفكاره وأطروحاته… أخيرا: ولعل هذا هو الهدف الاستراتيجي الأول للمغرب، والذي يمر حتما عبر تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه، محاولة إخراج الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية من الصرح الإفريقي” (المصدر: موقع صحراوي).
تساؤلات البوليساريو، تؤكد حقيقة واحدة وهي أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، أربكت كل الحسابات، بل إن دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي وحجم الدول المساندة له، يؤكد أن التكالب على المغرب مستقبلا، قد يكون مجرد مقدمة لانفجار الاتحاد الإفريقي واندثاره، شأنه شأن اتحاد المغرب العربي، الذي يتهدده الانحلال، بتعبير الملك محمد السادس.