تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | تعيين الجنرال عبد الفتاح الوراق هيمنة لـ “المكتب الثالث” على القرار والتصنيع العسكري

المغرب يفصل المفتشية العامة للجيش عن قيادة المنطقة الجنوبية (الصحراء)

إعداد: عبد الحميد العوني

   بفعل التطورات الميدانية في نقطتي “العركوبي” و”الكركرات”، والمناورات الواسعة بالذخيرة الحية في “أوسرد”، فصل الجيش المغربي إدارة العمليات وقيادة المنطقة الجنوبية (الصحراء) عن المفتشية العامة للجيش، لكن القرار العسكري بقي تحت هيمنة “المكتب الثالث”، وجرى تعيين الجنرال عبد الفتاح الوراق الذي أنابه الجنرال عروب طيلة مرضه بين 2007 و2008 مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية.

   وانتقل الوراق من كولونيل في “المكتب الثالث” إلى جنرال دوديفيزيون في ثمان سنوات فقط، وأشرف على الإدارة الخاصة للضباط قبل تعيينه الأخير، وعرفت هذه الإدارة تغييرات “هادئة ودقيقة” لتجديد فعالية العنصر البشري في مواجهة الرهانات الموضوعة، خصوصا مهام التأطير، الذي ستزيد وتيرته مع الأفارقة بعد انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وتأهيل الجنود المحليين للحقبة “التكنولوجية”، بما فيها مشاركتهم في مشاريع الصناعة الحربية، وقد أطاحت بالجنرال لمغاري من قوات البحرية إثر اندلاع الأزمة مع موريتانيا حول “الكويرة”.

    وتواصلت متابعة مشاريع الصناعة العسكرية بمشاركة الجنود من خلال استراتيجية جديدة لتأطير الجنود، برؤية تغلب الخصال الإنسانية كما أشار بيان التعيين، ولا يزال الجنرال عروب قائدا للمنطقة الجنوبية في مواجهة تحدي “الكركرات” وإن باشر الجنرال بلخير فاروق العمليات بعد أن عاد الثقل على الأرض لسلاح المشاة، وينوب لأول مرة عن الملك جنرال من خارج جنرالات الحسن الثاني.

   ولم يرفع تعيين الوراق التوتر الذي يسود المنطقة، وأعاد القوة المعنوية إلى أفراد القوات المغربية بكل أسلاكها، وهو ما يحتاجه الجيش، لأن مهمة التأطير تسيطر على جانبي النزاع في جبهة البوليساريو، ومن الجانب المغربي، بعد رفع عديد قواته واعتماده على “الكم” لمواجهة تحدي “الكركرات” التي لن تكون معركة معزولة، بل “فتيل معركة شاملة”، كما أشار إلى ذلك وزير دفاع جبهة البوليساريو، عبد الله لحبيب، في مقابلة مع وكالة الأنباء البرتغالية، بعد تعيين برتغالي مكان بان كيمون  أمينا عاما للأمم المتحدة، وقال: “إن الكركرات لن تكون ساحة المعركة، بل كل الصحراء والمغرب، في احتمال يؤكد توجيه ضربات داخل المملكة” مستندا على الأسلوب والتكتيك الذي تنهجه قواته.

   وبعد تصريحه باستعداد مقاتلي البوليساريو، قال: “إن الجبهة لم تعد لديها إمكانيات لحمل الشباب على الصبر والتحمل، وأن الوضع معرض للانفجار بين الفينة والأخرى”.

   ولمواجهة هذا الوضع، عاد بديهيا التركيز على “القوة المعنوية للجيش المغربي”، وعلى فصل التفتيش عن قيادة العمليات في الصحراء، لأن جمعهما كان ممكنا في عهد المفاوضات واستبعاد سيناريو المواجهة، أما حاليا، فإن المعركة فرضت تعزيز التأطير وتفتيش المشاريع التي تواصلها قيادة العمليات على الأرض، إذ قررت جبهة البوليساريو في 17 يناير الجاري، تحويل عام 2017، عاما للاستعداد القتالي لعناصرها.

   وسيكون العامل الإنساني وعامل التأطير للضباط والجنود، اللذين أشار إليهما منفصلين، بيان تعيين الجنرال الوراق، أساسا جديدا لنهج “رؤية مندمجة ومتوازنة بين تقدم العامل التقني والقوة المعنوية للمقاتل”، بعد وصف عناصر الجيش المغربي في مناورات “الأسد الإفريقي” بالانفتاح وإتقانه للغات (حسب شهادة تيموثي جينا من مشاة البحرية في مناورات 2010)، مما يستوجب تشجيع المؤهلات لصالح المنخرطين في جيش قوي (وفق تعبير جون ساندرز، المشارك في نفس المناورات).

   والانتباه إلى الجانب المعنوي للجيش إن ركز الجنرال عروب على “التأهيل التكنولوجي”، توجه متقدم في القوات المسلحة الملكية، لأن الحرب لا تقودها الآلة فقط، بل يحسمها المقاتل، وهو ما لاحظه الأمريكيون في وقت يعمل فيه تعاون الجيشين، الأمريكي والمغربي، على “أشغال تهيئة ميادين العمليات وبناء المعسكرات”،  وفي أجواء تكرر ما حدث في 2014 بعد اجتماع استثنائي بكلميم، وناور الجيش المغربي بالذخيرة الحية في نفس المناطق (أوسرد، أم دريكة، وكلتة زمور وتيشلا) وحاليا، لا وجود لسيناريو “معركة”، بل حربا بين قوات البوليساريو والجيش المغربي.

   وعاد الخبراء الدوليون إلى “سيناريو 2014” لفهم ما يجري مؤخرا، وقد عرف على الجهتين مناورات في نفس النقط، كما شهد الجانب المغربي تحليقا كثيفا للطيران الحربي والاستطلاع، في رد على المناورات العسكرية بالذخيرة الحية للنواحي العسكرية 7 و1 و3، وشملت مع إبراهيم غالي كل النواحي، مما دفع إلى تغيير التكتيك وفرض هوامش جديدة في المناورة، فصلت التفتيش عن قيادة العمليات وحولت قيادة المنطقة الجنوبية (الصحراء) إلى “قيادة مركزية”.

   واليوم، يعزل توقيع المملكة على الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي الجيشين الموريتاني والجزائري، لإيمان المغرب حاليا بالحدود الموروثة عن الاستعمار، بما أفضى إلى دفاع الرباط عن الوحدة الترابية لكل من الجزائر وموريتانيا، طمعا في تعليق قضية “الدولة” في الصحراء، والدفع نحو ظروف أخرى، قد تفجر الوضع مع الجبهة التي أكدت من الآن، على قدراتها الذاتية في المواجهة القادمة والمقررة حول المناطق العازلة.

التجنيد والتكوين في مختلف الأسلحة بمركزي الحاجب وقصبة تادلة، والتأطير الموجه للأفارقة بعد انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، دفعا إلى فصل التفتيش عن إدارة العمليات، وتعيين الجنرال الوراق لهذه المهمة

   بعد خروج الجنود إلى الشارع في عملية “حذر”، وفتح باب التجنيد والتكوين لمختلف الأسلحة في مركزي الحاجب وقصبة تادلة، والتأطير الموجه للأفارقة بعد انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وقبله عبر تثمين الجانب العسكري في العلاقات الثنائية مع دول القارة، ظهر واضحا، في اتفاق حول تأطير الجنود الطوغوليين(1)، إيلاء أهمية كبيرة لفصل التفتيش عن إدارة العمليات، والمساهمة في تعزيز عديد القوات المسلحة.

   وحافظت المملكة، في كل السنوات الماضية، على حساب خاص بالخدمة العسكرية يصل إلى 6 ملايير درهم، خاصة بأجور وتعويضات المستدعين للخدمة العسكرية والمعاد استدعاؤهم، من ميزانية ارتفعت بـ 400 مليون درهم عقب التطورات التي حدثت في 2014، وهذه الزيادة بـ 1.3 في المائة لا تشكل فارقا، في حين ركزت الحسابات الخاصة على العامل التقني (10 ملايير درهم لشراء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية، 7 ملايير درهم لقسم التجهيز) ليصل مجموع الاعتمادات الخاصة لتغطية معدات وعتاد الجيش إلى 47 مليار درهم، منها 5 ملايير درهم لميزانية التسيير، أي المعدات واللوازم التي تحتاجها مختلف إدارات ومرافق الجيش المغربي.

   وبدخول مرسوم “712 – 16 – 2” الذي يحدد حماية المعلومات الحساسة للبنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية حيز التنفيذ، كان لزاما على دوائر القرار تقديم التأطير للعنصر البشري في هذه القوات والحفاظ على “مناعته” لمسايرة “التأهيل التكنولوجي” للقوات المسلحة الملكية.

   إذن، يفرض سيناريو الحرب في الصحراء قوة معنوية واستعدادا نفسيا متقدما لخوض المعركة، كما تشكل الرهانات على الجيش قدرة استثنائية لعنصره البشري من أجل تنزيل التحديث التكنولوجي إلى “قاعدة اشتباك” ناجحة مع حفظ البنيات التحتية.

   واعتمدت الرباط على العنصر البشري في كل مواجهاتها، وحاليا يزداد اعتمادها على “التأطير” بعد اتجاهها إلى تبني خيار “القوات الخاصة”.

رفع القوة المعنوية للجيش خطة لـ “المكتب الثالث” لمواجهة سيناريو الحرب في الصحراء، والرأي التقني للحلف الأطلسي يميز بين قيادة العمليات والتفتيش

   منذ قمة الحلف الأطلسي في فارسوفيا، بدا تمييز “هيئة التفتيش” عن القيادة الميدانية في الصحراء ضمن تقديرات التعاون الصلب(2) بين الرباط والناتو، تحت عنوان “تقوية التعاون من أجل الاستقرار”.

   وفقدت الرباط 7 نقط في شهر واحد، كما علق “موقع 360” نقلا عن “غلوبال فاير باور” بسبب هذا الجمع بين قيادة العمليات المركزية والتفتيش.

   ومن جهة رئيسية، فإن فصل التفتيش عن قيادة العمليات، جاء استجابة لضرورة أشار إليها بيان التعيين، وهو التأطير ورفع القوة المعنوية لأفراد الجيش، من منطلق “الخصال الإنسانية” للجنرال عبد الفتاح الوراق، واعتمدت القوات المغربية بالأساس، على قدرة الجندي المنتسب لها، وهو ما يحاول الجنرال الوراق والاستراتيجية الجديدة إحياءه من واقع اعتماد المملكة على عصبين: العمليات الخاصة في الفترة السابقة، والقوات الخاصة في المرحلة الأخيرة.

   وشارك الجنود المغاربة بعد حرب الصحراء، التي بدأت عام 1975، في عمليات “شابا 1” و”حرب الخليج”، ومعركة “مقديشو” و”الأرض المحروقة” في جبل الدخان على الحدود السعودية اليمنية في 2005، وفي إفريقيا الوسطى والنيجر قبل أن تعود هذه القوات إلى اليمن في الحرب الأخيرة.

   وطار 1700 جندي مغربي(3) إلى الزايير عبر طائرات فرنسية(4)، وكأنها عملية سياحية في “سفاري غروب” التي أشرفت على تفاصيلها(5)، وباقي الجيش المغربي يقاتل في الصحراء.

   وشارك الجنود المغاربة في “حرب الخليج” وفي معركة “مقديشو” ومعركة “الأرض المحروقة” (سكور شداو إيرث)(6) في اليمن بعد محادثات أكادير(7) التي حضرها الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، والملك الأردني عبد الله الثاني، إلى جانب الرئيس علي عبد الله صالح في نهاية أكتوبر 2009، وتواصلت المشاركة المغربية بحضور القوات المسلحة الملكية في حرب اليمن المتواصلة حاليا.

   وبناء قدرات جديدة للمقاتل المغربي في حرب شاملة، تتطلب “مناعة مؤسساتية”  و”تخصصا” و”رفضا للمركزية على صعيد التأطير والتفتيش”، وقررت الحكومة رفع معاش العسكريين وأوقفت تدهور أجورهم، بعدما صرحت النائبة، العيادي عن حزب الأصالة والمعاصرة، في مناقشة الميزانية العسكرية سنة 2015، بانخفاض أجور الجنود بـ 2 في المائة.

   وحسب “غلوبال فاير باور”، فإن الجيش المغربي متأخر بدرجة، عن الجيش اليمني، رغم صعوباته الشديدة، فيما تنفق الجارة الجزائر مرتين ونصف ما تنفقه المملكة على جنودها، ولذلك يكون بناء نموذج جديد للجندي المغربي، الموجود حاليا، حسب مجلة “جون أفريك”، في أحزمة من الكونغو إلى اليمن ومن الإمارات إلى النيجر، ويعد أساس الشراكات مع 11 دولة في مناورات “الأسد الإفريقي”، فيما يأتي، من ناحية أخرى، فصل التفتيش عن إدارة العمليات الحربية، تعزيزا لحكامة مشاريع الصناعة العسكرية.

التفتيش الصناعي لكل مشاريع القوات المسلحة الملكية وتعزيز الحكامة في القطاع العسكري، ضرورتان عمليتان لفصل منصب المفتش العام عن قيادة العمليات في الصحراء

   منذ تقرير موقع “سابواير” الأمريكي عام 2013، تحت عنوان: “مستقبل الصناعة العسكرية المغربية، جاذبية السوق ومناخ التنافسية والتوقعات في أفق 2018″، قال كاتبو التقرير بأهمية دخول القوات المسلحة الملكية “التنافسية” و”التدبير الحديث” الذي يفرض فصل التفتيش عن قيادة العمليات، التي يوجد مركزها في المنطقة الجنوبية (الصحراء)، وقال في خلاصة أخرى باستقرار ميزانية قطاع الدفاع بالمغرب في حدود 4.5 مليار دولار بحلول سنة 2018، اعتمادا على حساب معدل النمو السنوي التراكمي الذي من المتوقع أن يصل إلى 4.42 بالمائة، لكن الميزانية العسكرية، إلى الآن، في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، رغم الشروع في خطط تحديث قطاع الدفاع من خلال صناعة توجب تفتيشا صناعيا دقيقا، وهي المهمة التي أوكلت حاليا للمفتش العام الجديد.

   وسيرفع الجنرال عبد الفتاح الوراق من حكامة القطاع العسكري وصناعته تحديدا، لأن الاهتمام بالأفكار الجديدة، يعني قربا من الجندي ورفعا من التنسيق بين القطاعات، والوراق حاصل على دبلوم الدراسات العسكرية العليا بالكلية الحربية الفرنسية (كوليج أنتير أرمي دوديفانس).

   يقول موقع “كل شيء عن الجزائر”(9): “إن الجيش المغربي دخل استثمارات استراتيجية تخل بالتوازن مع جاره، إن على مستوى التسليح أو على صعيد الاكتفاء الذاتي بالذخيرة”.

   وعصف التفتيش الذي تعرضت له مشاريع الصناعة العسكرية بمواقع جنرالات كبار، وقدم جنرالات شباب إلى دوائر القرار.

   ودخل المغرب في شراكة مع المصنع البريطاني “شيرمين” والشركة البلجيكية (حاليا فرنسية) “نيكستر”، وأسست “ميكار” المعترف بها من الجيش البلجيكي، شركتها في الرباط برأسمال سنوي، يساهم فيه الطرف المغربي في الحد الأدنى بـ 300 مليون درهم، وفي الحد الأقصى ثلاثة ملايير درهم وعلى مساحة 1032 هكتارا يديرها “إريك مارتان”.

   وحسب وحدة “أ. دي. إن” في “المكتب الرابع” التابع للقوات المسلحة الملكية المغربية، في زيارته للشركة بين 2 و5 أكتوبر 2011، فإن “ما يعترض المشروع هو التمويل، وأن الأمر متعلق كله بالشركة الأم (شيرمين غروب)(10) بعد خلاف حول نسبة العملة الصعبة من مجموع الاستثمار بين 30 في المائة كما تقول المملكة و22 في المائة كما تريد الشركة، مؤكدة أن مشروعها لسنة 2012 يصل إلى 859 وظيفة مباشرة و2000 وظيفة غير مباشرة مع حفاظ الشركة على استقلالية القوات المسلحة الملكية”.

   وشرعت إدارة الدفاع الوطني، حسب مذكرة 12 يناير 2012، في مشروع صناعة عسكرية في المغرب، والمشرف على هذا المشروع هو المفتش العام، المنتمي لـ “المكتب الثالث”، فيما راقبت هذه المشاريع وحدة “دي. إن. إي” من “المكتب الرابع”، وبنقل هذه المهمة إلى الجنرال الوراق، يسود اعتقاد بأن “المكتب الثالث”، سيسيطر كما سيهيمن على إدارة هذه المشاريع ويراقبها، وهذه المشاريع المنتسبة للصناعة الحربية، تقابل مشاريع منافسة في الجزائر من خلال روسيا(11)، التي ستسلم بموجبها موسكو للعاصمة الجزائر صواريخ “س 400” حسب، سيرغي تشيميزوف عن شركة “روستيك”.

   ويتواصل التنافس الجزائري المغربي، بما جر الإسرائيليين إلى الملعب فدعموا الشركة الأمريكية “لوكهيد مارتين” من أجل تزويد طائرات “ف 16” المغربية بأنظمة تكنولوجية متفرقة، لكن ما كشفه الموقع الرسمي للغرفة التجارية الفرنسية ـ الإسرائيلية من أن شركة “إي. أم. إي”(12) طورت الطائرات المغربية، ولم يكن هذا التطوير دقيقا، بعد سقوط طائرة في اليمن، وطلبت الرباط عودة هذه الطائرات إلى مصانعها لإعادة تجهيزها بتكنولوجيا أكثر تقدما.

   ولا يشمل تحديث الجيش المغربي قواته البرية والجوية فقط، بل أيضا البحرية، وحسب وثيقة موقعة تحت رقم “007ـ 003” لسنة 2011، فإن الأدميرال محمد لغماري، يطلب بشكل واضح الانفتاح على الصناعة البحرية في أستراليا من خلال لجنة التجارة الأسترالية في الرباط، وتحمل الوثيقة توقيع “تيري ويلان”.

   ويشكل تدبير هذه الصناعة برا وبحرا وجوا، إلى جانب مشاريع التحديث العسكري المنطلق من دمج التقنية الصينية والتركية، تحديا مضاعفا، منذ دخول منظومتي “في. تي. إ. 1″ و”م. أر. ل. س. آر 2” الصينيتان إلى العمل في المغرب إلى جانب التقنية الأمريكية في دبابات “أبرامز” ونظام الدفاع الجوي “هاووك” و”إم 109 . إ. 5″.

   وبين “تبيئة” أو” تكييف” الأسلحة الجديدة مع الظروف والشروط المغربية، وبناء منظومة حربية في الصناعة “المحلية”، يكون قرار التفتيش الصناعي جزءا رئيسيا من مهام المفتش العام الجديد.

   والتوسع الحادث على مستوى التفتيش لتعزيز الحكامة في الصفقات والعمليات الصناعية، وأيضا البحث عن الأفكار والتصورات الجديدة في مشاريع استراتيجية يدخلها الجيش، سيكون ولا شك، العمل المستقل للتفتيش خطوة متقدمة في أي بناء عسكري جديد على صعيد المقاتل وآليته في ساحة المواجهة، وعلى صعيد “التكييف أو ما يسمى التبيئة”، سارع المغرب إلى تحسين أداء 3 فيالق للجمال “محاريس” في ظروف تؤمن بتعدد التكنولوجيا والأساليب، والارتكاز على عامل الفعالية والنجاعة في سياسات التدبير الجيد من أجل الوصول إلى الأهداف المرسومة.

التأطير والتفتيش الصناعي لرفع مستوى الحكامة في القطاع العسكري، وعلى صعيد الجندي وآلته، وفي كل القطاعات جوا بحرا وبرا

   قد تكون الصناعة العسكرية المغربية دخلت مرحلة أخرى، وعلى كل المستويات، البرية، بعد الشراكة مع المصنع البريطاني “شيرمين”، والبحرية مع الشركة الإيطالية “وايتدهيد إلينيا سيستيمي سوباكو” بتزويد المغرب عبر الشركة الفرنسية “جي. إي. أو. أو” ـ أوروتروباـ(13) بالآلة رقم “8 راجم بنظام ثلاثي خفيف –طوربيد- سو 90″، ومكونات الصيانة، وأخيرا القوات الجوية، بعد تزويد طائرات “ف 16” بأنظمة متقدمة.

   وهذه فرصة ثمينة بالنسبة للجيش، الذي لم يعرف مساسا بجنرالات العهد السابق، أو تقديم عهد على آخر، بل سار وضعه بطيئا يقطع مع ما سبق دون أي إحراج.

   وتقدم الضباط الجدد في سياق عادي نحو القيادة دون اعتبارات للتحديات التي يعيشها الإقليم أو الرؤية، وكادت النجاعة أن تكون “عقيدة شاملة”.

   ورفض العسكريون أي موقف “إيديولوجي”، بل فتحوا للمدنيين مصالحة الدولة مع الصناعة، وكما قال رئيس الحكومة بن كيران: “تخوفت الدولة في الصناعة خوفا من الاحتجاج العمالي المنظم، لكن هذه الفترة والفكرة، أصبحتا متجاوزتين”.

  وتسهر المملكة على إطلاق مشروع صناعي مدني وعسكري، يخدم الرؤية التنموية ويعزز مناعة الدولة ونظامها طبعا.

   وعاد ممكنا القول، أن المغرب أبعد نهائيا الحرب مع الجزائر وموريتانيا، بعد توقيعه للميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي، وقد تكون أي مواجهة، محصورة فقط في جبهة البوليساريو.

   ومع ذلك، تقرب هذه الخطوة خيار الحرب وإن أبعدتها مع الجوار، إقليميا وقاريا.

   وعلى هامش التقديرات المغربية نقرأ بوضوح:

   ـ أن الجنرال بوشعيب عروب، الذي يقود إلى الآن المنطقة الجنوبية (الصحراء) إلى جانب جنرالات الحسن الثاني يسيطرون، إلى هذه اللحظة، على قيادة العمليات وقرار  الحرب.

   ـ أن الجنرالات الجدد (أو الشباب) يقودون بالنيابة، ويتقدمون، حاليا إلى القرار، وقد أبعدت هذه التطورات أسماء جنرالات، كما ساد سلوك آخر أكثر شدة، لأن الأخطاء يتضاعف ثمنها في المراحل الحرجة، وهناك انتقال في التقديرات يعيش فيها الجنود والإدارة العسكرية أجواء الحرب، وصرامة إدارتها، دون قتال.

   ولم تساهم المؤسسة العسكرية في الإعلام المحلي الذي أعلن الحرب(14)، وقررت السياسة خفضها مع دول الجوار ليكون سيناريو المواجهة محصورا في البوليساريو وحول المناطق العازلة، لكن التقديرات الجديدة لا تسمح، مع عبد الفتاح الوراق، سوى بتعزيز التعاون الدولي، لأن الرباط تحتاج إلى تعاون الشركات الغربية في موضوع التكنولوجيا العسكرية، ولذلك، لا يمكن القول بأن إفريقيا متنفس لحل قضية الصحراء أو الهروب من ضغوط أوروبية وأمريكية، لأن تعويض “التكنولوجيا الغربية” بتكنولوجيا روسية وصينية لن يكون بين عشية وضحاها، وهذا الانتقال صعب إلى حد بعيد.

“المكتب الثالث” يحارب التجسس على الصناعة الحربية، ويفصل التفتيش عن قيادة العمليات في الصحراء، من أجل منع الوصول إلى الأسرار في حربه الاستخبارية ضد البوليساريو، وأيضا يهدف إلى توسيع المراقبة في مشاريع التصنيع العسكري دون الاحتماء بالسرية، ويشجع حمايتها لحماية البنية التحتية

   بعد تجميد مدريد لمستوى تعاونها العسكري في حدود ما وصلت إليه الجولة السابعة المختلطة الإسبانية ـ المغربية، وقد حضر فيها إلى المغرب، أليخاندرو ألفارغونزاليس سان مارتان، السكرتير العام للسياسة الدفاعية(15)، تقدم البريطانيون نحو الرباط من أجل شراكة في الصناعة العسكرية تكرس شراكتهم مع دول الخليج، وتقدم الإيطاليون أيضا، لابتعادهم عن الحساسية الجزائرية ـ المغربية من أجل تعاون مع المملكة الشريفة يضمن مستوى متقدما من التكنولوجيا العسكرية.

   ويحارب “المكتب الثالث” في هذه المرحلة، من أجل عدم تراجع مستوى تدفق التكنولوجيا العسكرية إلى الصناعة الحربية المغربية، وأن تتطور دون ربطها بملف الصحراء أو التوتر الحادث بعد اندلاع أزمة “الكركرات”.

   ووازن المكتب بين استمرار علاقته مع مدريد دون توتر بفعل التطورات الأخيرة، وبين تدفق الاستثمار الخارجي في الصناعة العسكرية تحديدا.

   ويفصل المغرب بين التفتيش وبين قيادة العمليات، لكي يضمن للقوات المسلحة الملكية هامش مناورة على مستوى المخاطبين الدوليين، ويحمي قدرة جديدة لعملياته في الصحراء تحديدا.

   وفي المهمة الشاملة التي تقودها القوات المسلحة الملكية من الشارع عبر “حذر”، وحماية البنيات التحتية والتفتيش الصناعي يتطور الوضع إلى:

   ـ إدارة غير مسبوقة للأمن المباشر في شوارع المملكة (من خلال حذر ومن خلال ترتيبات أخرى).

   ـ حماية البنيات التحتية.

   ـ التفتيش الصناعي والعمل على وضع القوات المسلحة الملكية، قاطرة لإقلاع الصناعة الوطنية.

   وتدخل الجيش بالمشاركة في برامج مدنية استراتيجية، في قطاعي الأمن والصناعة وحماية البنية التحتية، فرض على قيادته خطط عمل أخرى، تتقدمها حماية المغرب من “التجسس الخارجي” على مشاريعه الصناعية وبنيته التحتية.

   ولم يحدث هذا التطور في دور الجيش في الأوراش الحكومية، منذ سبعينيات القرن الماضي، كما لم تباشر المؤسسة العسكرية هذه المهام في حرب الصحراء رغم قساوتها، لأن الملك الراحل وضع حدودا، ليباشر بنفسه أمنا قوميا للمملكة بجهتين متنافستين، وحققت مخابرات الأمن الداخلي (الديستي) في قضايا الجيش تحت إشراف وزير الداخلية الأسبق، إدريس البصري، لكن حاليا، تغير السلوك بين المخابرات العسكرية والمدنية إلى حد بعيد، في إطار التعاون غير المسبوق بين الجهتين ـ المدنية والعسكرية ـ في تاريخ المملكة، رغم بعض الصراعات والضغوط التي تحاول جهات استمرارها للحفاظ على الحدود بين المؤسسات.

خفض العمليات من طرف دولتي الجزائر وموريتانيا، بعد توقيع المغرب لميثاق الاتحاد الإفريقي واعتراف المملكة بوحدتهما الترابية وحدودهما الدولية يرفع من تطوير العمل العسكري في الدائرة المدنية و”الأوراش الاستراتيجية”، وسيبني هذا الوضع “أمنا قوميا مغربيا” قويا فرض من الآن “حكامة عسكرية جديدة” لمسايرة الوضع العام

   ستعرف المؤسسة العسكرية حكامة متقدمة، لما يعرفه قطاع الأمن الداخلي من تقدم يباشره الحموشي على صعيد جهاز الأمن والمخابرات الداخلية، كما شهد له رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، وأيضا حكامة “لادجيد”، والوضع الحكومي المتقدم على هذا الصعيد، من جهة ثانية.

   وزيادة درجة استقلال التفتيش عن “قيادة العمليات”، تبيح للدولة توجيه المجهود الوطني بطريقة سلسة لحماية الأمن القومي الشامل للمملكة، وأيضا توحيد “وتيرة” الإصلاحات والرؤى، وخصوصا: إقلاع قطاع الصناعة الرهان الحاسم للمستقبل.

وصول الجنرال الوراق له بعد تكتيكي من الآن، وقد يتحول إلى “فرصة استراتيجية”

   يرتبط وصول الجنرال الوراق إلى منصب المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، بوصول قيادة شابة ونظيفة إلى المسؤولية، وكما تحول الحموشي إلى فرصة، يمكن أن يتحول الجنرال الوراق إلى فرصة أخرى في الحكامة الأمنية على مستوى الجيش.

   وأخرجت الأوضاع الجديدة للمملكة القوات المسلحة الملكية عن تحفظها الاستراتيجي المعروف لعقود، وقد تسبب “الرؤية” التي يعتمدها الملك الحالي في سياق استراتيجي (بديل تماما)، في وصول جيل جديد من القادة، واقعي برغماتي، إلى مركز القرار.

   وهناك رأيان في تقييم الوضع الجديد بعد تعيين الوراق في منصب المفتش العام، يقول الأول بأن هذا التعيين “تحول صامت لمؤسسة صامتة نحو قيادة لا تطرح خصوما”، مثل قيادة الحموشي للأمن الداخلي، وسيكون الثلاثي، ياسين المنصوري، الحموشي، والوراق جيل واحد رافض للممارسات القديمة ومدافع عن القانون وإنساني في تصرفه، ويجزم الرأي الآخر، بأن الجنرال عروب لا يزال مسيطرا على الوضع، ويبقى الجنرال الوراق نائبه “الدائم”، كما حدث في 2007 و2008.

   وفي الحالتين، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو الفصل الذي حدث بين مفتشية الجيش وقيادة العمليات في المنطقة الجنوبية (الصحراء)، وفيما جمع الحموشي في الأمن الداخلي بين منصبين، يطرح السؤال، لماذا قررت المؤسسة العسكرية إبداء رؤية أكثر تقدما؟

   القرار الحالي مشروط بتحول على مستوى قيادة الدولة، ومرتبط بوضع جديد يحافظ فيه الجيش على البنية التحتية للمملكة، ويساهم في إقلاعها الصناعي، ويرسم نهائيا  حدودها وأبعادها.

   وسيكون تعيين الجنرال الوراق في منصب المفتش العام، هامش غموض في الدوائر الخارجية، لأنه غير معروف بـ “سلوك محدد أو إيديولوجي”، وهذه الصفة “الوظيفية” البحتة، والبرغماتية للقادة الشباب في القوات المسلحة الملكية، تساير الوضع الجديد، وسيكون الرهان على إفريقيا، وعلى ربح سريع لحرب ضد البوليساريو، وعلى التصنيع العسكري، أهدافا استراتيجية حاسمة للقوات المسلحة وهي تقود سياسات الدولة وأمنها بشكل شبه كامل.

هوامش

1_ Special defense over blog (30/6/2016).
2_ l’OTAN veut renforcer sa coopération sécuritaire avec le Maroc, «huff post Maghreb.com» 10/7/2016. 
3_ Chris cook and  john Stevenson, companion to  world history since 1914, the rout ledge, 2005 p: 321.
4_ Giscard sends 11 plans to aid Zaire fight in Shaba, Baltimore sun, Associeted press, 11/4/1977.
5_ Van Nedrveen, «USAF airlift into the heart of darkness», 2004 p: 47.
6_ Moroccan, Jordaman soldiers fight along Saudi troops, «Yemen Gazette» 5/12/2009.
7_ Yemeni, saudi, Jordanian talks held in Morocco, «almonitor.net», Saba 2/9/2009.
8_ les force armées royales sentinelles de Mohammed 6, «jeune Afrique», 31/8/2016.
9_ l’équilibre entre l’Algérie et le Maroc a basculé, TSA (tout sur l’Algérie) 5/5/2016.
10_ «Cherming group».
11_ les secrets d’un deal proposé à la Russie pour surarmer l’Algérie contre le Maroc, Ziad Alami 360 fr.ma (11/6/2013).
13_ GEIF «Eurotrop»  et «Eurocopter».
14_ le Maroc sur le pied de Guerre, «Maroc hebdo», 6/5/2016.
15_ 7 commission mixte militaire Marocco – espagnole, «la relève», 24/4/2012.
تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى