ملف الأسبوع | البوليساريو تصفق لتعويم الدرهم المغربي
21 يناير، 2017
15 دقائق
في رهانات استراتيجية لإقصاء العملة الوطنية من منطقة النزاع
إعداد: عبد الحميد العوني
بفعل الحرب والتقويم الهيكلي، ربحت جبهة البوليساريو وقف إطلاق النار في الصحراء، وقبلت المملكة باستفتاء ساكنة الإقليم المتنازع عليه لحل القضية المثارة، وحاليا تصفق الجبهة لآخر مراحل تعويم الدرهم المغربي لإقصاء العملة الوطنية وفتح التجارة في المنطقة على الدولار عملة وحيدة للتداول.
وإغراق الصحراء بالعملة الأمريكية وجوار سبتة ومليلية باليورو، يمنعان آخر مظاهر السيادة التي وصلت حد مطالبة قوات البوليساريو في الكركرات بمنع مرور كل المنتجات القادمة من الصحراء عبر هذا الممر، وخصوصا “الخيار البحري” المطحون والموجه إلى ميناء نواذيبو الموريتاني من أجل تصديره بواسطة رجل أعمال عماني إلى اليابان والصين.
وتتفاعل الجبهة والجزائر مع رهان تعويم الدرهم بناتج داخلي خام للصحراء يحددانه في 147 تريليون دينار جزائري، وكاد أن يصبح الاقتصاد مأزقا، بعد فرض موريتانيا ضريبة جمركية بـ700 ألف أوقية على المنتجات المغربية العابرة لأراضيها نحو السنغال ومالي، وحاولت الرباط عزل موريتانيا بأي ثمن عن الرهانات الاستراتيجية لإقصاء الدرهم من منطقة النزاع، وفاوض الوزير المنتدب، ناصر بوريطة لأيام في موريتانيا، لعودة نواكشوط إلى حيادها السلبي لإنجاح رهانات الرباط، وضمنها تعويم الدرهم دون خسائر فادحة.
ومنذ قطع المغرب علاقته بالفرنك الفرنسي عام 1973، وعوض السنتيم الفرنك في 1974، بقيت الرباط تحت نظام الصرف الثابت كإحدى عناوين السيادة التي سمحت له بدخول الصحراء في 1975، وصمد هذا النظام تحت الحرب، وفي انفتاح الاقتصاد على الشركات المتعددة القومية، وتوقيع اتفاقيات للتبادل الحر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وإطلاق استراتيجية جديدة في إفريقيا.
وفي 1980، وفي ارتباط العاصمة الرباط بالدولرة (من الدولار) تراجع التنافس المحلي(1) بفعل الحرب، ومنذ وقف إطلاق النار، تمكن المغرب من ربح الرهان الماكرو اقتصادي، وفي 1993، دخل المغرب رهان تعويم عملته، حيث بدأ عمليا في 1996، وارتفع تضخم مؤشر المستهلك بـ21 في المائة من يناير 1991 إلى مارس 2011(2)، لأن الدولار خفيف في سلة العملات.
واختارت المملكة الطريق الثالث لتعويم الدرهم عبر “تدبير التعويم”، حيث ترتبط جزئيا باليورو وتحترم الدولار وتدفع الأبناك 0.2 في المائة عن كل درهم في كل تعاملاتها الخارجية، تحت الترتيب الطبيعي الموضوع من طرف رينهارت وروغوف عام 2004، ويتعامل المغرب بـ”تعامل” صيرفي ثابت، لا يزيد ولا ينقص عن 2 في المائة حول اليورو(3)، وهو ما يدعوه الموقع المالي، “كورس هيرو”، “التدبير الثقيل لتعويم الدرهم”(4) من خلال دفع 0.12 عن كل درهم، وفي السوق الدولي للعملات 0.15 في المائة بطريقة غير رسمية.
تعويم الدرهم المغربي يمنع حربا جديدة في الصحراء
في تداول العملات الدولية بالمغرب، سيكون اليورو سيد الشمال والدولار سيد الجنوب، بما قد يتأسس عليه بناء اقتصاد يمنع الحرب في حالتي قوته أو ضعفه، فالقوة تمنعه من الخسارة، لارتباطه بالرأسمال المرتكز على المضاربة، وفي ضعفه، لا يمكن إدارة حرب في مناطق خارجة عن السيادة المالية، وفي لحظة هجرة الرساميل الداخلية إلى إفريقيا، لا يمكن تكريس رهان الدولة على الاستثمار الخارجي، وربط الدرهم بتقلبات رؤوس الأموال في السوق الدولي.
والواقع، أن ما سيعتمده المغرب في النصف الثاني من سنة 2017، ليس سوى مرحلة أخيرة من تعويم الدرهم الذي بدأ جزئيا، وينتهي كليا في أقصى تقدير عام 2018، وهي خطة معتمدة منذ 1993 لارتفاع العجز التجاري، وستتأثر العملة الوطنية على الأقل بنفس ما تأثرت به الليرة التركية بعد هجمات الأكراد، وستكون فاتورة الحرب في الصحراء أكثر كلفة إن عومت الرباط عملتها بشكل نهائي، لأن فوائد الديون الخارجية ستزداد، كما ستزيد كلفة وفواتير السلاح، وهما عائقان طبيعيان لمنع الحرب أو خسارتها في حال اندلاعها.
واليوم، تحدث عملية التعويم في وقت تعود فيه بريطانيا والولايات المتحدة إلى الحمائية، وتكون نتيجة فك ارتباط الدرهم باليورو، دفع فاتورة إضافية مع الاتحاد الأوروبي.
ونزل خط السيولة الموجه إلى الرباط من 6 مليارات دولار إلى 3.47 مليار دولار، ويتيح هذا التسهيل التمويلي من طرف صندوق النقد الدولي، الوقاية من الصدمات الخارجية وتمويل النمو الاحتوائي من خلال معالجة تحديات مثل البطالة المرتفعة بين الشباب ومشاركة الإناث في الدورة الاقتصادية.
وجاء قرار تعويم الدرهم نهاية لاتفاقيتين في 2012 و2014، بغرض الوقاية والسيولة، ومن أجل تنفيذ إصلاحات صعبة، مثل تحديث الميزانية واعتماد إصلاحات تتعلق بدعم الطاقة، والرباط تستثمر 9 مليارات دولار في أكبر مصنع للطاقة الشمسية، وأيضا تقوية القطاع المالي المحلي، ومؤخرا إصلاح نظام معاشات التقاعد لموظفي الخدمة العمومية.
وتمثلت الوقاية من الصدمات الخارجية في تباطئ النشاط في منطقة اليورو وزيادة التقلب في الأسواق المالية، والتداعيات الإقليمية في موضوع السياحة، وزيادة تقلب أسعار النفط، فيما يستهدف تعويم العملة، تشجيع النمو بقيادة القطاع الخاص، بما في ذلك تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تحسين فرص الحصول على الائتمان، وضمان المنافسة الصحية بين الشركات وتعزيز الحكامة والشفافية، ويحيل هذا الرهان في حد ذاته، إلى مكافحة الفساد التي فشلت فيها المملكة، وبهذا الفشل، خسرت العاصمة الرباط النظام الثابت لصرف الدرهم.
وفي هذه اللحظة، سيزيد تأجيل هذه المعركة ـ ضد الفسادـ من خسائر المغرب، لأنها ستضع قدرته خارج أي سيادة أو إطار قابل لإعادة التعبئة، فالفساد يجر المغاربة إلى رهانات يفقدون فيها أرضهم، بعد تحول العجز التجاري إلى عجز بنيوي، لوجود هشاشة مفرطة في تجاوز الديون التي زادت عن 80 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وصعوبة تجاوز معدل النمو لتعبئة 2 في المائة، بعيدا عن عامل “الأمطار”.
وقبل سنة، وعقب زيارة بعثة صندوق النقد الدولي بقيادة، نيكولا بلانشيه، قررت العاصمة الرباط، بشكل إرادي تحرير الدرهم، وإن ربطه البنك المركزي بجاهزية الفرضيات والفاعلين والبنوك، وبقاء الميزانية العمومية قوية إلى جانب قوة النظام البنكي، وتوفر احتياطات إيجابية من العملة، وبين شهر يونيو وشتنبر القادم، ستنتقل المملكة من التعويم الموجه إلى التعويم الخالص.
والواقع، أن العلاقات مع إفريقيا لم تعالج العجز، بل رفعت الاحتياطات بـ13 يوما فقط، لكنها فرضت هشاشة إضافية لارتباطها بطرق خاضعة للتهديد الإرهابي، وبسوق يعتمد “تهريب الأموال” ويبني الدورة الاقتصادية على هذا الأساس.
وربط العملة بتقلبات إضافية في إفريقيا يجد صعوبات، مع وجود رهانات تنقل المملكة إلى منظومة جديدة تعتمد على تحرير الدرهم، من الذهب وسلة العملات حاليا نحو دورة العرض والطلب، وتمنع الحرب، لكنها تحول أي نزاع مسلح إلى حرب أهلية في ظل أرقام عصية، لأن دولة بمعدل نمو 1.4 في المائة في 2016، وتضخم يصل 1.6 في المائة، أي أن معدل التضخم يتجاوز النمو، هي دولة في وضعية مقلقة جدا، وهو أقل النعوت في علم الاقتصاد.
وفعلا، رفض لوبي الشركات الكبرى في المملكة، تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال، خوفا من تعطيلهما تعويم الدرهم تحت مسمى الوطنية، ودعت الشركات المغربية العاملة أو المستثمرة في إفريقيا إلى تعويم العملة الوطنية، وتفادت جميع الأحزاب تضمين موقفها تجاه الموضوع في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وكان يمكن حسم المعركة لصالح الرافضين لقرار تعويم الدرهم، المتوافق مع أجندة صناديق التمويل الدولي من خلال صناديق الاقتراع، والانتقال إلى نظام الصرف المرن للعملة الوطنية رغم الفترة الانتقالية الأخيرة، هو ضياع لمجموعة من الفرص والإمكانيات، وفي طليعتها نهاية القدرة والتحكم في التضخم وعدم إمكانية استقرار سعر الصرف، وسيكون الشرطان محفزين لحرب ضد الدرهم في غلاف سبتة ومليلية وبإقليم الصحراء.
وسيفقد البنك المركزي ـ بنك المغرب ـ أكثر، في تدخله لإعادة التوازن إلى الفروق الناشئة والمتراكمة بين التسعير البخس، أو ما تحت المتداول (أندير فاليوشن) وبين التسعير المغالى فيه، أي ما فوق المتداول (أوفر فاليوشن) بنسبة تتجاوز 180 في المائة، إلا في حال ضخ استثمارات من الخارج تتجاوز مائتين في المائة ولا تنزل عنها.
وسعر الصرف الحقيقي، غير المعلن للدرهم أقل من السعر المعلن، مما أدى إلى تراكم العجز، ولضعف الصادرات وضعف النمو ارتفع عجز الموازنة، وتعاني الظروف الاقتصادية في المغرب من ضعف الإنتاجية، وعدم القيام بالإصلاحات اللازمة في سوق العمل، وهو ما زاد من معدل البطالة، فتراجعت الميزانية العامة للدولة، ولم يتمكن المغرب من تصحيح اتفاقيتيه حول التبادل الحر مع منطقة اليورو (الاتحاد الأوروبي) ومع سيدة الدولار (الولايات المتحدة الأمريكية)، ولم ينجح داخليا في محاربة الفساد، فتم إغلاق 6 آلاف شركة في السنة الماضية.
ويبدو الحفاظ على سعر الصرف العائم رهانا معقدا، دون حصول تقلبات يصعب على الاقتصاد امتصاصها، كانت استهلاكية (تآكل القدرة الشرائية) أو إنتاجية (تآكل القدرة التنافسية)، وحاليا تنحدر الطبقة الوسطى، وقوة التصدير بشكل متزامن، دون أي إجراءات أو تدخلات واسعة وفاعلة.
وحاليا، تعاني العملة التركية بفعل المضاربات والأوضاع السياسية الهشة التي لا يقل عنها جوار المملكة، بعد أزمة “الكركرات”، والرغبة في علاقات اقتصادية مع غرب إفريقيا دون الوصول إلى جوار سليم اقتصاديا على صعيد المبادلات، وعلى الصعيد الداخلي، تعد الخطوة الأخيرة لتعويم الدرهم خطيرة للارتفاع المتوقع في الفوائد المفروضة على الديون المغربية، وارتفاع آخر في فاتورة الاستيراد مقابل المقاولة المحلية والتقلص في حجم الاحتياطي المغربي من النقد الأجنبي، في ظل السحب القوي للأوراق المالية في الهند وهبوط العملة الصينية “اليوان” بـ7 في المائة.
وقد يلتقي الارتفاع المهول للأسعار، وتوسيع مظاهر الفقر والهشاشة في ظل فصل الصحراء عن المغرب داخل دورة الاستثمارات الأجنبية بعد القرار النهائي للمحكمة الأوروبية بخصوص حركة انفصاليي الداخل.
ويكشف ما يجري، عن فشل المملكة في تجاوز المافيات واللوبيات في الصحراء وباقي دوائر الفساد في المملكة، وأيضا الراغبين في تعويم الدرهم، لأن المغرب أحد أكبر البلدان تحريرا لتجارته الخارجية ويواجه تفكيك السيادة في جنوبه وفي غلاف سبتة ومليلية.
وكما هو معلوم، يحتاج تعويم سعر الصرف إلى مروحة التمويل الخارجي، بشكل ثابت تستطيع إسبانيا ضمانه في شمال المملكة، فيما تمنعه أوروبا في الصحراء، بما يضع المغرب الاقتصادي، بعد تعويم الدرهم، في حدود 1956.
تقديم الاقتصاد على قضيتي “الصحراء” و”سبتة ومليلية”
قد يكون قرار المملكة تقديم الاقتصاد على قضيتي “الصحراء” و”سبتة ومليلية”، قرارا سليما، لكن تعويم الصرف في ظل هجرة التمويل الداخلي إلى إفريقيا، مغامرة بحد ذاتها، مما قلص حجم الاحتياط المغربي من النقد الأجنبي، مع تقلبات الأسواق المالية، وهذا الوضع مع هشاشة الأمن في إفريقيا التي تحتضن أكثر من 60 في المائة من استثمارات المملكة، شروط تضعف خيار الرباط في هذا التعويم شهر يونيو القادم، وإن تقرر في مرحلة أولى، وضع حدود عليا ودنيا، ويتدخل البنك المركزي في حال تجاوزها قبل إعلان التعويم الكامل سنة 2018.
والواقع، أن المملكة لا تربط عملتها بالسوق المالي الدولي من أجل منافسة خارجية لاقتصادها، لأن هذا حدث، بل تربط عملتها بالمنافسة العالمية للأبناك(6) لمزيد من الاندماج في التجارة الخارجية، والانتقال بدرجة الانفتاح إلى المنافسة الدولية بما تفترض من تعويم للدرهم، وهي المرحلة التي نعيشها بلغة الاقتصادي، م. كارتي(7)، وتحددها المجلة العالمية للاقتصاديات وقضايا المال، في نظام ثابت ومتوسط أو متقدم(8)، وينتقل المغرب حاليا من المستوى المتوسط إلى المتقدم أو النهائي، وقد أسعفه المسار الثالث بطريقة ناجعة، لكن مصالح الدولة ترتهن حاليا بلوبي الشركات المغربية المستثمرة في إفريقيا، وتلك قضية أخرى.
ومن أجل هذه الشركات، تريد الدولة تقويما هيكليا للسياسة المالية، بعد خسارة الدرهم لـ25 في المائة من قيمته في 2014(9) وحدها رغم تحقيق الفلاحة لنمو بـ5 في المائة.
ويظهر حسب المجلة العالمية للاقتصاديات وقضايا المال، أن كل شيء، متعلق في الحالة المغربية، بتحديد الأولويات، لأن درجة انفتاح الاقتصاد المغربي كافية تبعا لدراسات الاقتصادي، أليغيرت(10)، لكنها ليست سليمة، لأن حكامتها ضعيفة بحكم تغول الفساد، فيما ضعفت المنافسة الداخلية إلى حدود مقلقة، وهي التي يقدمها الاقتصادي، دالي(11) لإنجاز هذه الخطوة، وما يجري هو انغماس قوي في اتفاقيات مفتوحة مع كل المناطق الحرة، وفي التجارة الحرة دون اقتصاد داخلي قوي، ودون نظرية توزيع داخلي للثروة والوصول إلى التمويل، وأيضا بدون توزيع جيد ومحوكم للثروة، فتبني المملكة هوامش جديدة من الفقر والفقراء، ولذلك اشترط الاقتصادي، ديكي(12) التوزيع العادل للثروة الوطنية، لإنجاح معركة تعويم العملة الوطنية، فالمسألة تتعلق حسب رجل الاقتصاد، كينون(13) بدخول المغرب إلى السرعة القصوى للمنافسة.
والوضع الراهن، أن المملكة، لا تعرف أي عدالة في توزيع الثروة، وبالتالي، أي مساواة بين الجهات، بما يجعل مناطق هشة في غلاف سبتة ومليلية، والصحراء أكثر هشاشة في معركة تعويم الدرهم.
“الدولرة” أو تحول الاقتصاد إلى الدولار، ساعد تعويمه بشكل كبير في استقلال تيمور الشرقية والحل في إقليم كوسوفو
زادت مخاوف تعويم العملة منذ 1990(14)، وأخذ بها مغرب الحسن الثاني، وفضل طريقا ثالثا بين الثبات والتعويم الكامل، ولا تزال مخاوف استراتيجية من تعويم الدرهم المغربي في أكثر من زاوية، فمنذ البداية، نحن أمام دورة للأعمال والتجارة الخارجية، وليس الدورة الاقتصادية، ولا ترتبط الدورتان إلا بما يكفل تأهيل الإدارة ومكافحة الفساد الداخلي، وإلا أصبحت عملية لتفكيك السيادة المالية لا غير.
ويشجع تعويم العملة الجامعة، مجتمع الأعمال والمجتمع الدولي، الراغبين في تحقيق استقلال ذاتي لمناطق أو جهات من خلال بناء قدرات ترتبط بالعالم دون المرور عبر قنوات محددة تحمل طابعا سياديا في كثير من الأحيان.
ودعمت “دولرة” (الارتباط بالدولار) الاقتصاد في وصول تيمور الشرقية وكوسوفو إلى استقلالهما، وترغب جبهة البوليساريو في دخول معركة اقتصادية، هيأت لها منظمات وخبراء لإثارتها الثروة في الصحراء، والحفاظ عليها وتوجيهها إلى “ساكنة الإقليم”، وحاليا، يمكن البدء باستقلال “اقتصادي” جزئي من خلال السيطرة على المعابر.
ويطرح الاقتصاد في “الدولرة” معيار النوع، وتنويع الاقتصاد المغربي، رهان للمملكة تريد من خلاله الهيمنة على معيار النوع الذي تناضل لأجله البوليساريو، وهذه المعركة قد يفقد فيها المغرب “أسنانه”، أو يتحول إلى “أنياب” تبتلع الإقليم نهائيا، وتشكل الصدمات “الجيوسياسية” عائقا في بلوغ العاصمة الرباط كل أهدافها، لاضطرارها إلى تعويم الدرهم، لأن العالم ينظر إليها في خانة الأسواق الصاعدة، وفضلت الصين عدم التصنيف إلى أن أصبحت القوة الاقتصادية الثانية، ويبدو صادما عند المراقبين، الوصول إلى استنتاجات ثلاثة:
أولا: تعويم الدرهم بدون استراتيجية معلنة(15)، وإن بدأ منذ يناير 1993، وبفعل مشكل الصحراء، أجل الملك الراحل، الحسن الثاني، هذه الخطوة، بشكل متفق عليه مع صندوق النقد الدولي، ليعمل بلده على ورش التوازنات الماكرواقتصادية، وبين 96ـ 2006، جاءت مؤشرات لمواصلة التعويم قبل أن تتوقف وتعود بقوة في 2011، لتراجع قيمة الدرهم المغربي بـ5 في المائة(16) شهر أبريل من نفس السنة.
ثانيا: خسائر قيمة الدرهم كارثية، نظرا لتراجعات ممنهجة وشديدة منذ 2011، لكن الإكراهات الجيوسياسية للمغرب، أكبر من استقلال العامل الاقتصادي في رسم قرار المملكة، فالتعويم يأتي في إطار إعادة العقيدة “الحمائية” لكل من بريطانيا والولايات المتحدة خوفا على أمنهما الاقتصادي، واليوم، لا يميز “تدبير الشركة” الذي يقود القرار الحكومي بين الشركة المسهمة والدولة، وغياب هذا الوعي، يفضي إلى كارثة متوقعة في جنوب المملكة وشمالها، وعبر الاقتصاد، قد يعود المغرب إلى حدود 1956، فيما تكون السيادة مهلهلة في غلاف سبتة ومليلية وإقليم الصحراء.
وستخدم “الدولرة” ولا شك، المعركة الاقتصادية التي بدأتها جبهة البوليساريو، لاتباع نفس خطوات تيمور الشرقية وكوسوفو.
ثالثا: قد تنهي هذه الخطوة حياة الدرهم المغربي، إن استمرت نفس المعدلات الحالية للهشاشة المالية أو انعكس وضع التعويم على الميزان التجاري، ولا يمكن حصر السنوات الأولى مؤشرا في هذه الحالة، للاستقرار المرتقب “للرأسمال المضارب”، ولذلك، فإن المصالح المغربية البعيدة المدى ستكون متضررة وبشكل قاس في حال تعويم الدرهم.
ولاحظنا الأمر جليا، بين حزب العمال الكردستاني وحكومة أردوغان في تركيا، حيث استثمر الأكراد في حوارهم مع أنقرة سنوات الاستقرار المالي وأعلنوا بعدها نهاية “الرفاه التركي”، فانكشفت الليرة التركية دون جدوى، في أن تعود أداة للسيادة، وتحول كل شيء إلى الجيش في حرب مفتوحة ضد “داعش” و”حزب العمال” في العراق وسوريا، واستنزفت الشروط الجديدة أنقرة، دون أن يدعمها الغرب، لأن هذه الحرب تريدها أطراف دولية كي تتراجع تركيا عن موقعها التجاري، والجيوسياسي بعد تقديمها لتنازلات أخيرة في ملف قبرص.
ويبقى مشكل الصحراء بؤرة استنزاف في لحظة النجاح أو الضعف، فيما يسود شك في القول، أن دورة المغرب المالية في إفريقيا الفرنكفونية تقود إلى مثل هذا القرار.
60 في المائة من الاستثمارات الخارجية المغربية في وسط وغرب إفريقيا، وهذه النسبة وهذا الوضع، لا يسمحان حاليا بتعويم الدرهم، لأن المؤسسة المالية “تي. سي. إكس” تؤكد أن كل الدول في وسط وغرب القارة السمراء تحافظ على نظام صرف ثابت، ولن يجدي تعويم الدرهم معها، لأن الاتفاقيات الثنائية تغني عن الوصول بالعملة الوطنية إلى “تعويم كامل”
يقول تقرير مؤسسة “تي. سي. إكس”(17): “إن وسط إفريقيا: الكاميرون وتشاد وغينيا الاستوائية والغابون والكونغو، ومنطقة غرب إفريقيا الفرنسية: البنين وبوركينافاسو وساحل العاج والسنغال وغينيا بيساو ومالي والنيجر والكونغو، لا يزالان تحت نظام صرف ثابت، بما يؤهلهما حاليا إلى تحقيق معدل متقدم في النمو، وجلب استثمارات خارجية منها الاستثمارات المغربية”.
وتقدمت هذه الدول، لمحاربتها المستويات العليا للفساد، وعزز تداول السلطة فيها من الحكامة، وتدوير الثروة وتوزيعها بحدود متقدمة.
ولا يحتاج المغرب إلى المرحلة الأخيرة من تعويم عملته، بسبب خطته الاستثمارية في إفريقيا، وما حدث في نهاية 2016 أو 2014 ومنذ 2011 من تراجعات في قيمة الدرهم، مردها بالأساس، إلى هيمنة “التوجه الليبرالي المتطرف” للشركات من خلال إدارة التجمع الوطني للأحرار لكل الحقائب الاقتصادية والمالية في حكومة بن كيران.
واستمرار الإجراءات الهيكلية تحت الليبرالية المتوحشة المتواصلة منذ 2011، قد يفضي إلى “كارثة” استراتيجية، لأن ربح المال مع خسائر جيوسياسية، في شمال المملكة وجنوبها، قد ينتهي إلى ذوبان كيان الدولة من أطرافها، وتخدم هذه الدوائر: عودة المغرب إلى حدوده الدولية والتزامه بتعويم عملته، وإعادة رسم دوره في المنطقة والقارة.
تعويم الدرهم قد يفقد عمليا إحدى أسس “إدارة الأمر الواقع” في إقليم الصحراء بناتجها الخام البالغ 908.9 مليون دولار حسب إحصاء 2007
بمنطق البوليساريو، فإن الدرهم، إحدى أدوات “إدارة الأمر الواقع”، وبمجرد تجاوزه عبر عملة أخرى، ستكون الأوضاع مختلفة ولا شك.
ويعتقد المراقبون، أن قدرة الإقليم على قيادة “اقتصاد مواز” حالة ممكنة بفعل الدعم الإقليمي، وعمل المنظمات الدولية التي منعت استثمارات في الإقليم(18)، لن تسمح بعودة الدرهم إلى وضعه الحالي في حال تعويمه(19).
وتستطيع دول إفريقية داعمة للبوليساريو، إعادة تقدير الوضع وإبعاد الدرهم عن الصحراء في معركة مالية واقتصادية بوجه سياسي، مستخدمة المنظمات الدولية التي منعت استثمارات في الإقليم، إلى جانب دول غربية، مثل النرويج حين أوقفت شركة “كوب ميركيد” عن توريد الطماطم، من الداخلة ومنعت شركتها “إيووس” عن شراء زيوت بمئات ملايين الدولارات سنويا.
يقول تقرير منشور للمخابرات المركزية الأمريكية “السي. آي. إي”، “إن تحدي هذا السوق الصغير، هو في استثمار متنوع لصناعات قادرة على تشغيل العاطلين”، فالمسألة في نظر واشنطن تعود إلى من يسيطر ويهيمن على البنية التحتية.
ويؤجل المجتمع الدولي استثماراته في المملكة، وإن حضر في لحظة تعويم الدرهم، لأنه يضع لبنات صلبة لوضع جديد، ليس بالضرورة في صالح العاصمة الرباط، ويقول تقرير “غلوبال إنفستمانت أند بيزنس سنتر”: “منذ 2008، ومشكلة السيادة مطروحة بشكل قوي، إثر حضور الشركات للاستثمار في الصحراء داخل حقول للغاز والبترول، وناقشت دوائر القرار الدرهم من طرف المستثمرين أنفسهم”، ويصب تعويم العملة المغربية في “الأجندة الدولية” الراغبة في خلق واقع دولي على أرض الإقليم المتنازع عليه.
اليورو يطرد الدرهم من شمال المملكة في 2019
لدى “غلاف سبتة ومليلية” فرصة في بناء اقتصاد دولي غير متعلق بالدرهم، وسيكون وضع المغرب في تعويم الدرهم، عاملا في صالح مدريد، فيما لا تشترط بكين مثل هذا الوضع، ولا يجد المراقبون سوى إطلاق إنذار، يقول أن خطة تعويم الدرهم بين 2017 و2018، ستمنح مدريد فرصة امتلاك الريف “اقتصاديا”، لأن الحضور الصيني سيكون محسوبا في البداية، عكس ما سيكون عليه مع سياسات مدريد انطلاقا من 2019، وقد يساعد المواطنون في منطقة شمال المملكة في طرد الدرهم، وقد تداولوا العملة الإسبانية في مقابل عملتهم قبل إطلاق اليورو.
وسيكلف توحيد أي خطة إسبانية في المناطق المستعمرة سابقا في شمال إفريقيا، الرباط غاليا في حال تعويم الدرهم، أو بالأصح، وضعه في المناطق الحرة، إلى جانب اليورو في الشمال والشرق على شاطئ المتوسط، والدولار في الصحراء على الأطلسي، وهذه المعطيات توحي بصعوبة كبيرة في إدارة وضع شديد التعقيد، حيث يمكن أن يبقى “الدرهم” فقط في الرباط والدار البيضاء مستقبلا.
وفي مستقبل الخطط، وإتمام مشاريع بكين في شمال المغرب واستثمار 20 مليار دولار في الجزائر، ستكون وهران ووجدة إلى طنجة قوسا صينيا واحدا، لا تريده مدريد أن يكتمل، وسيضعف تنافس اليورو والدولار شمال المملكة ليسيطرا على نطاق رواج عملة الدرهم إلى حد بعيد، كما سيعمل القوس الموريتاني ـ الجزائري مع البوليساريو على بدائل تحاول الرباط كسرها من خلال علاقات استثنائية مع نواكشوط، لكن تقديرات منتصف 2017، ليست قادرة على إيجاد “ضمانات” تجاه كل الأطراف والشركاء الدوليين والمواطنين في آن واحد.
قرار تأجيل تعويم الدرهم من يونيو إلى نهاية 2017، قرار يضرب السرعة التي يريدها حزب الأحرار الذي يتزعمه عزيز أخنوش من خلال إدارة حزبه لوزارة المالية
إضافة ما بين 6 و9 أشهر أخرى إلى موعد تعويم الدرهم، وضع يفيد وجود صعوبات “مالية” بحتة بالإضافة إلى الصعوبات الجيوسياسية، وقد رأى الجميع الصراع الإقليمي “القوي” حول تعويم الدرهم المغربي.
ويقر الواقع المالي بأن تعويم الدرهم ليس قضية تقنية، فالمرونة الحالية كافية للنشاط الاقتصادي والإنتاجي المتواضع، وليس هناك طفرة تفرض التعويم.
والخطوة في حد ذاتها مرفوضة، لأن 95 في المائة من المغاربة يرفضون تعويم الدرهم ونشرت “ليزيكو” في 2 ماي الماضي هذه النتيجة، في زمن ربح فيه الدولار 20 في المائة من حصة اليورو.
وسجلت العملة الأمريكية تقدما يفترض، عند رؤساء الشركات الكبرى، أن يبدأ التعويم في وقت تعادل اليورو والدولار في سلة العملات، وهو شيء متوقع في خزينة المملكة بنهاية 2017 أو بداية 2018، بما يجعل التعويم الكامل في 2019 أو بداية 2020.
وحسب متخصصين، فإن تطور الاستثمارات المغربية في إفريقيا، قد يفرض معادلة جديدة قد تؤثر على سير الأجندة الموضوعة من طرف وزارة المالية المغربية والبنك المركزي، ويستخلص تقرير دولي، “أن تعويم الدرهم، ضرورة لبقاء قوة المغرب في غرب إفريقيا، وستخسر الرباط احتكار الدرهم لكل المعاملات التجارية في بعض المناطق الحساسة في المملكة، وقد تكون لديها خطة تدخل في الصحراء وشمال المملكة لدعم العملة الوطنية، وتلك قصة تبني نفسها على طوارئ وتدخلات، وفي ترتيبات وحالات وتقديرات يضطلع بها البنك المركزي”.
هوامش
1_ Domac I, Shabsigh, G, real exchange rate behaviour and economic growth: evidence from: Egypt, Jordan, Morocco and Tunisia, IMF working paper 99/40, international monetary fund, Washington, DC 1999.
2_ Jbili, A, and Vitali, K. should MENA countries float or peg? Finance and development, vol 40, Washington DC, international monetary fund, n°1 2003.
3_ International monetary fund, staff country reports, p: 43, Nov 2005.
4_ the Moroccan monetary authority is using a heavily managed float to keep the dirham at 0.12 per dirham, course hero.com (10/12/2016).
5_ (under current foreign exchange market conditions, non official supply and demand would clear at0,15% per dirham).
6_ eyeing dirham float, morocco plants hard currency interbank market, reuters.com(14 no 2016).
7_ MC Carthy, J, «pass – through of exchange rates and import prices to domestic inflation in some industrialized economics» staff report number 111; federal reserve, bank of New York, 2000.
8_ international journal of economics and financial issues, Vol 4, n°3, 2014 p:612.
9_ Blooberg, Morocco cuts euro for more dollars in new currency weighting, 13/4/2015.
10_ Allegert, j .p, exchange rate regimes in emergency markets: what are the perspectives for 21 century, edition vuibert, 2005.
11_ Daly, S.M, the choice of exchange rate regime of emergency market. MPRA paper n°4075 (2007).
12_ Dickey , D, Filler, W, distribution of the estimates for auto regressive time series with unit root, Ecometrica 49, p: 105
13_ MC kinnon, R, optimum currency area American economic review, sep 1963 p: 717.
14_ Reinhardt G. Calvo, fear of floting, Quarterly journal of economics, 117, 2002.
15_ monetary policy and central baking in the middle east and north Africa , by David Cobham and Ghassen dibeh, rout ledge, 2009 p: 190.
16_ switching to floating exchange rates, devaluations, and stock returns in MINA countries, Geargios Chrtarlas (and others), international review of financial analysis
17_ local currency matters, currencies classification Guide, TCX fund (August 2012).
18_ Campana international contra la Ultima potrolera que opera en Sahara, Afreol (news) 1/03/2005.
19_ Western Sahara business law handbook: strategic information and laws, vol1, by international business publications .USA, 2013.